الجرحى

مر كل شيء بسرعة، السيارة تتراجع للخلف وسرعتها في ازدياد، وصراخ مختلط، أحد الركاب يضرب جانب السيارة بيده ليحاول تنبيه السائق، وعلى أي حال فقد السائق السيطرة وانقلبت السيارة، بعد وقت قصير بدأت أشعر بما حولي، كانت الدنيا مظلمة، استوعبت ما حدث، لقد انقلبت السيارة، حاولت أن اجمع أفكاري وأتصرف بهدوء، حين جرى الحادث كنت راكباً في مقطورة السيارة، ولذلك توقعت بأنني قد أكون مصاباً وأنه لابد من الحذر في تحركاتي، كنت أشعر بثقل فوق ساقي، ربما تكون السيارة قد وقعت فوق ساقي، هذا ماطرأ على ذهني وقتها، حاولت تحريك قدمي فتحركت، أدركت أن الثقل ليس إلا شخصاً جريحاً، لم أكن أشعر بألم، سحبت ساقي وخرجت من تحت السيارة زاحفاً، بدأت في البحث عن البقية، كان البعض مصاباً، نظر إلىّ مرافقي وسألني: هل أصبت؟

-        لا.. هيا نرى البقية.

البعض مصاباً ينزف، كنا في قمة جبل في مكان معزول وبعضنا يئن من ألمه، أخرجت الحقائب من السيارة بسرعة ووضعتها في منطقة على جانب الطريق، رتبتها بحيث تسهل عملية التعرف عليها، كنت أفضل حالاً من الكثير. بدأت أساعد في علاج المصابين، بعض الإصابات قوية، ولكن بحمد الله لم يكن هناك كسور، فقط رضوض بعضها قوي، والبعض الآخر مما يصيب الإنسان في حياته اليومية ويمكن تحمله، أصيب شخص في وجهه، يبدو أن أنفه قد كسر، سيظل يذكر هذا المنظر ويضحك من نفسه، كان يملأ الجو ضحكاً بأنفه المدبب.

مر القائد علينا رجلاً بعد رجل، وتأكد من سلامتنا، ثم سأل عن مدى قدرتنا على السير.

-        ذهبت إليه وسألته: هل سنمشي؟

-    أجاب في هدوء: نعم ، سنتابع الطريق مشياً، حملت بعض أغراض الجرحى اللذين لايستطيعون السير، شعرت بألم، لم أقل شيئاً واجتهدت أن أخفي ألمي، جاءني المرافق وهو ينظر في خوف إلى وجهي، تحاشيت النظر إليه، سحبني من يدي.

-        ماذا تفعل؟ بادرني بالسؤال.

-        أجبته وأنا أنظر في الجهة الأخرى من مكان وقوفه: سأساعد الآخرين.

-        وضع يده على كتفي وسألني، هل أنت مصاب؟

-        لم أجبه.

-        هزني وأصر على سؤاله.

-        لم أرد عليه في البداية، ولكنه ظل ثاباً، قلت: لا عليك، إصابة بسيطة، الأمر لايدعوا إلى القلق.

-        قال لي وهو يهز رأسه: مجنون، تعال أرني.

-        كشف جنبي كان جرحاً بسيطاً، قلت له لا تهتم، هيا نساعد الأخوة.

-        أخرج من حقيبته علبة عسل وبدأ يدهن جرحي، لن تحمل شيئاً.

-        بل سأحمل.. الجرح بسيط.

-    نظر إلىً وقال كلمة عرفت فيما بعد أن معناها عنيد، حتى هو وصفني بالعناد، ترى هل أنا عنيد حقاً؟ هل هذا الشيء يزعج من حولي؟ لماذا يصفونني بالعناد؟ لأنني أحب أن أكون وحيداً؟، إذا شاركت من حولك بمشاعرك فسيكون من المؤلم ألا ترقى اهتماماتهم إلى مستوى ألمك، ولذلك تعلمت أن أبقى وحيداً.

تحركنا بصمت، كنا ننظر لبعضنا ونبتسم برغم الألم، كانت قافلة حزينة. الليل في الجبال بارد موحش، كانت النسمات تلامس الوجوه المتعبة، بدأ الألم يظهر الآن، البعض لم يستطع الصلاة واقفاً، حمل بعضنا الآخر وتابعنا المسير.

-        هل هذه أول مرة لك؟

-        هل تتوقع أن عندي خبرة؟

-        ربما، وربما تكون جديداً، الكثير هنا يشاركون لأول مرة.

-        .. ..

-        يعجبني إصرارك، تبدوا غريباً قليلاً، أنت صامت ووحيد.

-        كلنا كذلك.

-    ربما، وربما لسنا كذلك لأنك لاتفهم لغتنا. هناك المتذمر، والسعيد، والمتشائم، وهناك من لايفكر في شيء، لايخاف من شي، أترى هذا الطاجيكي؟ وأشار إلى رجل بدين نوعاً ما. لم ينتظر إجابتي وتابع الكلام، أنه مجنون، شجاع جداً، كان معي في المدرسة، لايرهب حتى الأستاذ. ثم اقترب وأخفض صوته وتابع كلامه: هو ليس طاجيكي حقاً. انتظر أن يدفعني الفضول لسؤاله وحين رأى صمتي تابع كلامه: إننا نناديه بالطاجيكي لأنه أبيض، ويشبه الطاجيك.

في الليل وصلنا لمنطقة آهلة، ذهب القائد للبحث عن مكان تبيت فيه القافلة، وبعد قليل عاد إلينا.

-        قال دون ينظر إلينا: وجدت مكاناً، سيتم توزيعنا عليه، ثم أضاف في حزم: وستبقى مجموعة للحراسة.

لم أستطع النوم، كنت أرى أن القائد قلقاً، قضى معظم ليلته خارج الغرفة، وكان يدخل بين فترو وأخرى ليطمئن على أن الجميع بخير.

لم استطع النوم أيضاً، تجرأت وذهبت إليه، ألقيت التحية ودون مقدمات وقفت بجانبه في الظلام ونظرت إلى النجوم، كان اللي صافياً، والنجوم منتشرة بصورة مبهرة ملايين النجوم تنتشر في صفحة السماء السوداء، أخذت أراقب النجوم واستنشق عبير الليل البارد.

-        التفت إليه فرأيته يبتسم، وبادرني بالسؤال: لم لم تنم؟

-        لا أدري، شعرت بالتعب ولكن لم أتمكن من النوم، ماذا حدث؟

-        ابتسم وقال وهو بنظر بقلق عبر الظلام لا شيء، كيف حالك؟

-        قلت له: بخير.

-        كيف الرحلة؟

-        جميلة. ما رأيك بها؟

-        ستذكرها كثيراً، ربما لن ترى أحداً ممن هم معك الآن.

-        سألته لاستحثه على الكلام: كيف؟

-        حدث هذا كثيراً.

-        قتلوا؟

-        نعم، الحرب لا تعرف أحداً، والموت يختار من يشاء.

-        تبدو قلقاً.

-        أهل القرية ينوون شراً.

-        وكيف عرفت؟

-        رأيت نظراتهم، أعرف هذه النظرة جيداً.

-        إذاً هيا نتحرك.

-        البقية لا يستطيعون.

-        لندافع عن أنفسنا.

-        سنفعل ولكن لو تحركنا هنا سنقتل كلنا ذبحاً، ألا تريد النوم.

-        لا.

-        يجب أن ترتاح لدينا طريق طويل.

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: كمين> يتبع > الحلقة التالية: راحة)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

جنون قلب

أطار الـنـوم مـن عـيـنـي ومــزقـنـي …  وبـعـثـر راحـتـي والـيـوم يـنـحـرنـي

يـلاعـبـنـي فـأهـدأ نـاسـياً جـرحـي … أمـــد يـــدي لأحـضـنـه فـيـجـذبـنـي

أخـاف عـلـيـه مـن جـرحـي فأتـركـه … يـعـذبـنـي كـمـا يـهـوى ويـقـتـلـنـي

أقـول كـــفـــاك إيـلامـاً وأنــــهــــــره … فـيـخـفق في أسىً حزناً ويهجرني

أعـود إلـيـه فـي دعـة وأحـمــلـنــي … وأحـمـل مـديـة العـشـاق تـذبـحني

يـقـول كـفـاك طـغـيـانـاً أتـهـزأ بـي؟ … عـرفـتـك فـــــارسـاً حـراً أتـتـركـنـي

وأسكب في أسىً روحي أقـدمـها … عسى قلبي يرى همي فيرحمني

تـمـر بـعـيـنـي الـسـاعـات مـتـرعـة … بـدمـع الـشـوق واللـقـيـا تـمـزقني

فـيـضـحـك طـاغـياً فيني وينهـرنـي … كـفـى حـزنـاً اراك الـيـوم تـفـتـنني

أسـيـر بجسمي المقتول مأســوراً … غـريـمـي في الهوى قلبي يعذبني

فــلا أدري.. أحــي أم أنــا مــيــــت … ولا أرضـى لـقـلـبـي اليوم يـهجرني

إذا قـالـوا أتـى صـقـرٌ ضحكت لـهـم … فـيـغـرس داخـلـي سـيـفاً وينكزني

وأهـرب من جميع الخلق تبصـرنـي … كـذئـب أغـبـر فـي الـبـيد.. تنكرني

فـيبعث جيشه في الحال يرجعني … أتـقـوى أن أكـون هـنـا وتهـجـرنـي؟

قــسـوت عـلـي يا قـلبي فأطلقني … فـديـتـك لـم أعـد أقـوى فأطـلقني

فـيـخـفـق خـفـقـة للـحـب ترجعني … وتـهـجـم روحي الثكلى وتـخنقني

فما ذنبي.. وذا قلبي.. وذي روحي … صـــراع هــــــد أركـانـي ودمــرنـي

إذا يـومـاً.. ذكـرت الـحـب يـؤلـمـنـي … وإن تـغـاضـيـت أنـبـنـي وعـاتـبـني

فـما ذنـبـي؟ بـكـيت دماً فلم يجدي … فـؤادي هـائـم فـي الـحب يخذلني

وضـعـت القيد.. والأثقال في عنقي … عسى مـوتاً يـريـح القلب.. ينقذني

وجـاء الـقـلـب كـالطوفان هـاجمني … قـسوت علي يا روحي!! أتـقلتني؟

ضَـعُـفـتَ وضـاعـت الـدنيا أتنكرني؟ … أتـرضـى فـي الـهوى بدلاً؟ أتنقلني

بـكـيـتُ وعـدت فـي فـرح ليذبحني … هــي الأقــدار يـــا ربــي تـمـزقـنـي

هنا قبري.. وذا قبري!.. هنا قبري!! … رأيـت الأرض مـقـبـرة سـتـجـمـعني

عزائي الصدق في حبي، رضيت به … ويـتـعبني الهوى العذري فارحمني

(الصورة بعدسة: شيماء-kw)

جبال ورمال..

16/5/2011م

المنزل (الصالة).. الساعة 7:00 مساءً

ليس بسر محبتي للحياة البرية البسيطة، محبتي لليل، والغنم، والهدوء، والكلمة الطيبة والشعر على وجه الخصوص.. المدنية تأكل قلوبنا، تتسع المدن على حساب أصالة وبيئة سليمة، تماماً كما تتسع مساحات التأثير في قلوبنا حتى لايبقى من صفائها إلا مساحات متناثرة طالتها يد التغيير والترميم.

كنت بالأمس أحب الجبال وأرى نفسي صقراً في سمائها، اليوم أضفت لحبها حب رمال الدهناء، الكثبان الحمراء المتكسرة والمتكونة هنا وهناك في مساحات شاسعة لا نهاية لها، أراقب مرور الرياح على صفحتها الذهبية حاملة ذرات من رمالها مداعبة لوجهي وناقرة على مقدمة سيارتي. كلما زادت الرمال زاد الحنين لهذه الأرض، لذلك لايخرج منها أهلها، ومن خرج سيعود إليها، لأنها تحتوينا بنعومتها، عكس الجبال التي تربينا بقسوتها فنتفلت منها حين نكبر.

نقبض على ذرات الرمل ونراقب تساقط حبيباتها بهدوء، بينما تتمزق أصابعنا وهي تتشبث بالصخور، نأنس بليل الصحراء بينما نهاب ليل الجبال، المساحات المفتوحة تشعرنا بالسكينة، بينما تتحفز أرواحنا لحركة كل شجرة وظل كل صخرة.

المدن تقتل إحساس السكينة والتوثب، نعود ممزقين من طعنات اليوم لنتجرع سموم التكييف والغرف الضيقة، اللون اخضر والأصفر ليس سوى خربشات تشكيلية في لوحة فاسدة، أفسدت ذائقتنا. سكون الليل، ونشاط الفجر، وحركة الحياة من حولنا تتغير في المدن.. يحل مكانها صخب الليل وموت النهار وسوء الطباع وتوتر الأخلاق.

درجات الألوان في الطبيعة لاتقارن بأذواق الألوان الصارخة في المدن من حولنا، حتى القيود ملونة بألوان مستوردة لاتمثل ثقافتنا، لاأعرف الأسماء ولا الصور، أسير في الشوارع أسيراً لخطوطها البيضاء والصفراء وإشارات المرور وسيارات ساهر المنشترة على جانب الطرق، أتوقف أحياناً لأستلقي على الرمل وأغمض عيني، ولكن صخب الشاحنات ينتزعني من المكان ليطوح بي في الهواء كريشة مزقتها الرياح ومزقتها الكواسر من جناح عصفور ضعيف.

أجمع شتاتي وأعود لسيارتي استبدل الأصفر الذهبي بالأسود الممزوج بعرق العمال وتعبهم، ويومية لاتكاد تكسوهم ثياباً نظيفة.. وأتطلع لكل ناقة تقف تراقبنا وأفكر، هل تبكي لنا؟ أم تتعجب لصمتنا وبقائنا في القيود السود الممتدة من روح إلى روح.

وأنتظر الليل بفارغ الصبر.. لاأنس لي في المدن، على الأقل بقدوم الليل ينتهي يوم من عمري، وأنتظر التحرر القريب.

(الصورة بعدسة: عبدالله البلوي)

همسة ود

ما الذي تريده أيها القارئ؟
ماهو بعد النص القصصي لديك؟
من ينظّر لهذا الفن لم يتفقوا.. ولا أرى أنني ملزم بنتيجة حوارهم.. فأنا هنا وحدي.. أحمل قلمي، أوراقي، حقيبتي، مشاعري، تجاربي، ونزفي. ارحل معي إن شئت.. أو فانظر إلى المكتبة العربية فستجد ألف كتاب وكتاب يمكنك ان تستبدلني بها..
سألني الكثير عن أسلوبي في الكتابة، معظمهم لم يكن معترضاً بل معجباً، ولكن بعضاً منهم كان يريدني أن أغير أسلوبي، ولكن ليس سراً قارئ العزيز بأنني لا أتكلف الكتابة، وأن ما أكتبه يأتي لوحده دون عناء.
أنا شاهد على أحداث الحياة من حولي، ولكنني أسجل ما اراه، وأدونه في وقت ما، الأفكار هي من يتحكم في الوقت، حتى الزمن لاأملكه مع كتاباتي. ربما أكتب في ساعات الصبح الأولى، ربما في الظهيرة، ربما في المساء، وربما أستيقظ من نومي لأن فكرة أقلقتني وأيقظتني وتحاول أن ترى النور.
المشاعر الصادقة هي تلك التي تأتي دون تكلف، الفرح، الحزن، الحب، البغض، الألم، الإنشراح، كل شي يأتي لوحده بناءً على معطيات يعيشها الأبطال، وهي كذلك في تدويني، أرى الابتسامة على ملامح البطل، ولكنني أقرأ الألم في أعماقه فأكتب عنه، ولذلك يبكي القارئ على ضحكات أبطال القصة.
كلنا بطل في الحياة عزيزي القارئ، كل واحد يعيش دور بطولة ما في مكان ما وزمن ما.. بل وفي عين شخص ما. ولكن تتفاوت المواقف، بعض البطولات تستحق التدوين، فيما بعضها الآخر يخجل صاحبه من ذكره. دور البطولة هو الدور الذي تدور أحداثه حول إنسان ما، يتحكم في معطياته، أو يتأثر بكل جزئياته. ذاك ماأسميه البطل.
ككاتب عليّ مسئولية لاتقل عن مسئولية البطل، وهي تصوير الموقف بأبعاده المختلفة (المكان، الزمان، المشاعر، الأشخاص، والحدث نفسه)، وعرض الفكرة في قالب يضمن توضيحها وفهمها، والاستعداد لموجات إعجاب أو حزن أو اعتراض قد تأتي نتيجتها. وفي الغالب فكل أبطالي لايعلمون بنيتي في الكتابة، بل ولاأخفيك قارئي العزيز أنني لاأعلم كذلك متى سأكتب، ولمن، وأين، فكما قلت لك هي الأحداث والأفكار من يتحكم في الوضع.
بالرغم من عملي الإداري إلا أن الإنسان في داخلي يتهم بالكتابة عن الحزن، ولم تشفع لي مقالات الإدارة والتأملات في إظهار صورة المنطق والجدية في شخصيتي وطرحي، أحب أن يقال عني إنسان، ولكن أحب أن تذكر صفاتي الأخرى ولايتعامل القارئ مع جانب دون آخر. وبالرغم من نشر مقالاتي الإدارية و التأملية فالوصف هو أول مايذكر في حواري مع القراء. باستثناء المذكرات التي يتعجب كثيراً من الناس أن تصدر عن تجربة في مثل سني، دون أن يراعوا الظروف التي عشتها قبل وأثناء الكتابة، وابتعادي واستقراري، واختياراتي التي لم ترق لبعض من حولي فابتعدت عنهم قبل أن يقرروا الابتعاد عني. وحدها المذكرات لفتت النظر إلى جوانب فكرية جديدة في أطروحاتي. واشتركت الأعمال في الأبعاد التربوية، والعلاج الإنساني، والعرض البسيط الممتزج مع إيجابيات وسلبيات البشر.
الحديث عن البيئة الصحراوية لم يكن واضحاً في كتاباتي، بالرغم من حبي لها وحياتي فيها، بل كان للبيئة الأوربية أثراً أكبر، ودوراً أكبر، ولن أدافع عن نفسي في هذا الجانب فقد قلت أنني لاأتكلف ذلك. والعمل الوحيد الذي حاولت فيه عرض بيئتي تخلصت منه لأنه لم يصل إلى مستوى تطلعاتي.
الخبرة الحياتية لها دورها بلا شك، وانا حريص على الفائدة في كل مكان. السياحة عند البعض هي رؤية الأماكن (خمسة نجوم)، ولكنني أختلف عنهم، فقد رأيت مارأوه، ثم نزلت إلى أربعة، وثلاثة، واثنان، وواحد، وسرت في الشوارع مثل المشردين، وابتسمت وبكيت، وفرحت وحزنت، وغضبت ورضيت، وعملت في مهن متعددة، كنت عاملاً وموظفاً ومديراً، كنت زوجاً وأباً وأخاً وصديقاً وعدواً، كنت قريباً بين الناس أخالطهم كواحد منهم، دون تفريق بين جنس وعرق ودين، وكنت بعيداً عنهم في قمة جبل، أو وسط صحراء، أو مجرى نهر، أو شاطئ بحر.. ومن هذا المزيج تأتي كتاباتي.
البساطة والطموح لاتتعارضان، بل تكسب صاحبها قوة، فالجهد الذي أبذله يساوي جهد الآخرين، ولكنني لاأتكلف فتأتي كلماتي معبرة بالرغم من بساطتها. ومن هنا تعلمت أن الصدق هو أفضل طريق في الطرح. استخدم نفس كلمات اللغة التي يستخدمها الآخرون، ولكنني لاأتعمد ترتيبها وتنميقها، بل أدع لها القياد فتخرج في الصورة التي تريد، مع مروءة تأبى عليّ تزيين القبيح، ودين يرفض تحسين المنكر، وعقل يزن ويقارن ويرجح، وحب جارف وعاطفة ملتهبة لأمتي. هذا أنا قارئ العزيز، وبين يديك نتاجي الجديد “أكواخ الظلام”.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

مخازن الأصدقاء

أنا لا أصنف الناس التصنيف السلبي الذي يمنع التواصل معهم، ولكن كشخص منظم أنادي دائماً بالمعايير فأرتب كل شي حولي، ويدخل في ذلك العلاقات الإنسانية والأصدقاء.
جوالي، بريدي الإلكتروني، مفكرتي، تحتوي مجموعة من العناوين، ولكن هذه العناوين لاأضعها بشكل عشوائي، بل أصنفها بعدة طرق. ولتجنب مشاكل الوصول إلى المعلومة تعلمت جزئيات في البرمجة تساعدني على القيام بتنفيذ برامج أضع فيها المعلومات التي أستخدمها في حياتي  اليومية في المنزل والعمل.
الحياة بالنسبة لي عملية إدارية في كثير من النواحي، ومن هذا المنطلق ربما يمكن أن أشبه العلاقات الإنسانية بإدارة المخازن.
ابتداءً من المباني المصممة خصيصاً لأغراض التخزين والتي تشبه النفوس في وضعها لمعايير المحتوى، والتي هي الصداقة عند البشر، واحتياجاتها لللأصدقاء، مروراً بأنظمة التخزين والتصنيف والترقيم، وانتهاءً بإجراءات الجرد ومراقبة المخزن وعمليات الصرف وغير ذلك. ولتوضيح الصورة سأشرحها ببساطة.
إدارة المخازن تتكون من النقاط الآتية:
-    أليات: وتشمل المباني، والمعدات.
•    المباني.. وهي كذلك في نفوسنا فالنفس بناء يختلف في تصميمه من شخص لآخر.. فهناك الشفاف الذي ترى من خلاله مايدور فيه، وهو حساس لأي خدش. وهناك الحديدي الجامد، البارد في عواطفه، الجارح لغيره والبعيد عن الآخرين، وهناك المسلح الجميل في الظاهر الخشن في التعامل، وهناك الخشبي، ملاذ لكل الأفكار الدخيلة تعشعش في رطوبته، فيتآكل ويضم في أركانه أنواع الحشرات والسموم.
•    المعدات.. وللتعامل مع المخزون السلوكي وقوائم الأصدقاء نستخدم معدات مختلفة ولكل آلة استخدام وأثر، فالرسالة، والمقابلة، والبريد، والابتسامة، واللمسة، ليست سوى أدوات تفتح قلوب من حولنا للتعامل معنا.
-    المواد: وهناك في النفس نوعين من المواد نتعامل معها وهي:
•    أفكار.. وهي متنوعة بتنوع الشخصيات التي نحتك بها في البيئات المتنوعة.. العمل، المنزل، الدراسة، الشارع بكل أطيافه وطبقاته، ابتداءً من موردي الحاجات الأساسية كالبقال، الخباز، وغيرهم، وانتهاءً إلى البنوك، المؤسسات، الشركات، والدوائر المختلفة.
كل واحد من هؤلاء يترك بصمته.. وأحياناً لايتركها بصمت.. بل بضجيج وتغير في السلوك ظاهر.
•    سلوكيات.. وهي طريقة كل مورد في التعامل مع المعطيات.. ويتم الاقتباس والتبعية والتقليد، في الأخذ والعطاء.
وهذا يشبه المخازن أيضاً.. فهذا التنوع يأتي من نفس الموردين في الحالتين، ولكن باختلاف كميات البضاعة الواردة، ونوع البضاعة إن صح القول. فهناك تورد مواد استهلاكية.. وهنا تورّد افكار وسلوك وتقليد إيجابي أو سلبي. وتترسب المواد في القلوب كما تترسب في أرضيات وجدران المخازن. ويكتسب كل مخزن طبيعة ورائحة مواد المخزون.
-    عمليات: ومن ضمن العمليات التي يمكن أن تتم في النفس أو في التعامل معها:
•    الحب والقبول.. وتفضيل منتج على منتج، أو تقديم موردّ على آخرين، وكذلك الشعور بتفصيل العمل في منطقة دون منطقة ضمن المخزن الواحد.
•    التفكير والاهتمام.. في العمل، وفي البشر الذين يتعاملون مع العمل، أو التحليل لموقف واتأثر بسلوك، والتغير وإحلال نظام إداري أو سلوكي محل آخر.
•    الزيارة والاتصال.. وتحديد مواعيد للاستماع للآخرين ورؤية مالديهم، وهي كذلك في النفوس، ووقفات التأمل والمصارحة تمثل زيارات الموردين.
-    إجراءات وقوانين: ولتتمكن المنشآت من ضبط عملية المخزون يتم وضع القوانين التي تنظم العلاقات، وهي مانسميه اللوائح، ومن ذلك على سبيل المثال:
•    مايأتي أولاً.. يصرف أولاً. فالأصدقاء القدامى هم الأصل في التعامل، وهم الملجأ الأول في علاقاتنا إذا واجهتنا الحياة بهمومها أو بهجومها.
•    أوامر الصرف.. فلا شي تقدمه النفس مالم يكن هناك أمراً به، أو بصورة أخرى مسوغاً له، حتى النفوس الطاهرة إنما تبذل طمعاً في الاخرى، وبأمر الله عزوجل.
ليست هذه الإدارة الأولى التي تشبه الإنسان، ولكنها إدارة أخرى يمكن أن تنظم بسهولة بالرغم من مخاطر المواد المحفوظة فيها. بينما أقف للمرة الألف أمام النفوس وفي يدي أوراقي وأقلامي.. أمسح رأسي لأحاول التعرف على الكيفية المثلى في إدارتها.

 

(الصورة بعدسة: رامي)

المثقفون العرب.. بين غياب المنهجية وضياع الهوية

ربما يمكننا القول أن العصر الحديث (القرن العشرين) يعاني من نقص في المجددين في الأدب عموماً.. ومواكبة الحضارة أدرت الأدب القديم في كل مرحله مما أدى إلى ظهور تيارات أدبية جديدة تتكلم بلساننا، ولكن تحوي أفكاراً دخيلة علينا لا ترتبط بأمتنا.. ولا تخدم قضايانا. بل تضرب على نغمات مكررة يحسبها السامع شيئاً فإذا تأملها وجدها جوفاء.. وأصبح لهذا النوع من الأدب وهذا الصنف من الأدباء جمهوره من صغار السن والمراهقين من الجنسين.. وضرب هذا الصنف على أوتار متكررة ينادي بها كل واهم ممن يجرون خلف السراب فتارة يمجدون المرأة.. وتارة يطالبون بحريتها وحقوقها.. ثم يميلون عليها مرة أخرى فيجردونها من كل القيم والفضائل فلا تراها إلا عشيقة لهم ومطية لشهواتهم.

ولكن مثل هذا الفكر الدخيل والمفسد للمجتمع ترفضه العقول النقية.. لأسباب يمكن تصنيفها في سببين رئيسين وهما:

-    أولاً: المنهجية.. فإننا أمة مسلمة قبل كل شيء.. والداخل علينا من الأفكار ربما يمس معتقداً فنرفضه كقول أبي العلاء المعري:

ضحكنا.. وكان الضحك منا سفاهة *** وحق لسكان البسيطة أن يبكوا

تحطمنا الأيام.. حتى كأننا زجاج *** ولكن لا يعاد لنا سبك

فهذه الأبيات ربما تكون جميلة من الناحية اللغوية ولكنها تنكر البعث وتخالف أصلاً من أصول الاعتقاد ولذلك رفضها العلماء حتى رد عليه أحدهم بقوله:

كذبت ورب البيت.. حلفتَ صادق *** سيسبكها بعد النوى من له الملك

وترجع أساماً صحاحاً سليمة *** تعارف في الفردوس ما عندنا شك

فكون القائل أديباً معروفاً، أو كون الكلام شعراً موزوناً.. فإن هذا لا يعني قبول الكلام دون أن أعرضه على الشريعة فأرى هل تقبله أو لا.. وقد يكون الكلام لا يعارض معتقداً.. ولكنه يحسن محرماً ويدعوا إليه ويحسن الفحشاء.. كقول الشاعر:

ما زلت أخذ روح الزق في لطف *** وأستبيح دماً من غير مجروح

حتى انثنيت ولي روحان في جسدي *** والزق منطرح جسم بلا روح

فالشاعر هنا يصف الخمر وشربها ببلاغة.. وتلاحظ بلاغة الشاعر وقوته وتحكمه في الكلمة والتعبير ولكن هذه البلاغة لا تعني قبول فكرته المخالفة للشرع.. بل نردها عليه.. فهما أمران في المنهجية إذاً:

  • ألا يحسن بدعة أو أمراً شركياً يعارض أصلاً من أصول الدين.
  • ألا يحسن فحشاً أو معصية. ويدخل ضمن ذلك من يشبب بالنساء ويصف محاسنهن بكلمات خادشة فتراه يصف الأثداء والأفخاذ وغير ذلك مما يخجل منه الأحرار والله المستعان.

-    ثانياً: قوة المعاني والمباني.. والمعاني تخدم في قوتها المنهج الذي ذكرناه.. والمباني هي من الأمور المتعلقة بالناحية الفنية للأدب.

قرأت لعدة شعراء قبل فترة قريبة كلاماً يصفونه بالشعر.. وكنت أتعجب حقيقة من هذا التصنيف الجارح للأدب والأدباء.. فعلى سبيل المثال:

وأكثف رغوة صابون الحلاقة.

إن الأدب الإسلامي لا يعنيني كمادة مستقلة.. بل يهمني لأنه جزء من منظومة تربوية تخدم الأمة ومصالحها وتربي أفرادها.. وإلا لو كنت أعنيه كمادة لاستطعت أن أضيف بعض الشعراء ممن يتغنون باسم الدين وينظمون الأبيات ثم تجد في النهاية أنها في مولد.. أو عند قبر.. تبكي صاحبه، وتتبرك به، وتندب يوم وفاته ثم ترفعه إلى منزلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

وكلمة “المثقفون العرب” أصبحت واسعة ودخل فيها من يكتب باسمها ليهدمها ضارباً بكل معاني الشرع عرض الحائط.. ولأن الكلمة لا تعني بالضرورة توحد المنهج فقد فتح هذا أبواباً من الانحراف خلف أفكار أخرى ومعتقدات أخرى لا تعنينا كمسلمين.. وأصبح المثقف المسلم يخجل من انتمائه إلى أمة التوحيد ويرى في طرح هذا العربي أو ذاك تميزاً يتمنى أن يواكبه.. دون أن يدرك أن هذا إنما يتكلم بمعتقده وأنه يخالفه في أصول الدين.

هناك أسماء أدبية لامعة تستحق منا الوقوف عندها ودراستها كأمثال “وليد الأعظمي” و “عصام العطار” و “باكثير” و “الكيلاني” وغيرهم من الأساتذة الأدباء والشعراء ممن حركت كلماتهم الشريعة فذبوا عنها في كل موطن.. وعرضوا لنا فكراً نقياً أصيلاً يرفه عن المسلم ويحمي عرضه من الفساد.

فهذه الأقلام ميزها أمران:

-            التوجه الصادق الموافق للشريعة.

-            القوة من حيث المعنى والمبنى والتحكم بمواد اللغة واستخداماتها.

إن ذلك الأديب الذي يقضي وقته ليكتب ديواناً يصف فيه عورات النساء إنما يحاول أن يهتك أستار بيوتنا ويفضح أخواتنا.. ولو وقفنا معه قليلاً لعرفنا أنه لا يكفيه منا إلا أن ننحرف.. وهذا منهج وصفه الله عزوجل في كتابه فقال “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى.. حتى تتبع ملتهم”.. وهذا غاية مايريده الشهوانيون.. ولا أتوقع أن رجلاً غيوراً حتى لو لم يكن مسلماً يرضى أن يأتي شاعر أو كاتب فيصف عورة أخته وأهل بيته.. فما بالنا انجرفنا وخدعنا خلف هذا النوع من الكتاب.

إننا بحاجة للأديب المربي. والكاتب المربي.. الذي يكمل دور موظف الهيئة والمدرس والشيخ وعالم الذرة والمزارع والدهان.. كل واحد منهم يكمل المسيرة التربوية من خلال عمله ويأتي الأديب ليصوغ العبارة فتكون كما قال عليه الصلاة والسلام في شأن حسان وشعره “لهو أشد على القوم من نضح النبل” أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

 

(الصورة بعدسة: بشرى محمد)

السحاب

نظرت لأشياء كثيرة في السماء.. حتى القمر في ليالي اكتماله كنت أراقبه وأنا أنتظر بخيالي الطفولي مركبة تخرج منه لتؤكد ماكنت أقرأه في فترة الطفولة، راقبت السماء كثيراً بحثاً عن سوبرمان والرجال الخارقين.. ولكنني لم أجد فيها غير السحاب والنجوم والقمر الذي رافقني كثيراً بعد ذلك.

وحدها السحاب كانت تمثل الكائنات مستوطنة السماء في الحقيقة.. فهي التي أراها في كل وقت.. في النهار وهي ترحل من مكان لمكان متشكلة بصور عديدة، قد لاتكون صوراً بقدر ماكان خيالي يصورها.

السحاب الأبيض جميل كالراحة، بعيد كالسلام، رقيق كالطفولة، ولكنه متكبر بعيد.. حين تملأه تجارب الرياح سيكون أسوداً كئيباً، وحين يتثاقل سيسقط ويتخلى عن كبريائه وغروره.. وقتها ستنتفع الأرض به، وسنفرح جميعاً بوصوله ونشعر بذلك أكثر من شعورنا بحركته في الفضاء.. هكذا نتعلم أن منفعة الأشياء من حولنا تكون بقدر استفادتنا منها وليس بقدر مانراه من جمالها.

ليس كل ابتعاد غرور.. فالسحاب الخفيف يبتعد ليتكثف الماء ويصبح ممتلئاً ومستعداً للنزول فيهطل ثانية.. كان الأمر أشبه بانتداب في العمل.

السحاب الأبيض كالقلب الأبيض سيظل مرتفعاً مهما تلاعبت به الرياح.. لكن السحاب الأبيض سيسقط مهما ارتفع، مايحمله في داخله سيجعله ينهار ذات يوم.

السحاب الأبيض كالصورة البعيدة، نراها ونبتسم لتشكيلاتها، ولكننا قد لانستفيد منها مباشرة.. السحاب الأسود ننتظر هطوله ونفرح به.. نعد لاستقباله ونباشر الطقوس المتوقعة لآثاره.

السحاب الأبيض جميلاً في تشكيلاته.. والأسود لايخلو من جمال كذلك، كما أن آثاره أكثر وضوحاً.

كلما خف السحاب ارتفع، وكلما ثقل هبط، وكذلك القلوب الخفيفة ترتفع عن الأرض، وكلما امتلأت أخذت في الهبوط.

لاتنخدع بالمظاهر.. فالسحابة السوداء تحمل الخير داخلها.. تجاوز المظهر واللون الجميل وفكر في الداخل والمكونات والمنفعة.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

القلب القريب

صـبـاحـك أيـها الـقـلـب الـقريب … وعـطـرك أيـها الـنـفـسُ الحبيب

أنـاجـي فـي حـنـيـنٍ ذكـرياتـي … أعـانـقـها ويـحـرقـنـي اللـهـيـب

هـنـا قـلـب يـضـم مـشـاغباتي … هــنــا روح تــــعـالـج مـا أصـيـب

هـنـا دعــم عـلـى جـور وظـلـم … ثَبَتّ به وخـالـفـنـي الــــــقـريب

هنا اسم على شفتي وعيني … هنا رسـم عـلـى قـلـبـي يذوب

هـنـا حـب هـنـا أمـل وشـــوق … هـنـا أنت.. هـنا نبضي المصيب

هـنـادي الـخـيـر مهما أبعدتني … خطى الأخطاء أو طغت الكروب

تـظـلـيـن الـدلـيـل إذا بـــــعـدنا … وتـفـرح مـن تـواجـدك الـــدروب

(الصورة بعدسة: أسيل الغنام)

الشيوعي

لم أفاجأ في حياتي بشيء بقدر ما تفاجأت بهذا الرجل الذي يصفه الناس بأنه شيوعي.. ولا أستطيع حتى الآن أن أصنفه.. ولم تفلح السنوات الثلاث في تحديد هويته بالرغم من وضوحه في كثير في الأمور حتى كانت ليلة رمضانية جمعتني به وكسرت بعض الحواجز.. وأيضاً تركت مزيداً من الحيرة بدأت القصة حين عدت من صلاة التراويح.. مسجد القرية يظل في النهاية مسجد قرية.. فكل شيء هناك مألوف ولولا موقعه المطل على النهر من جهة وعلى الغابة من جهة أخرى ماعرفه أي عابر من هذه المنطقة.. وكان جاري سعيد يقف على باب بيته وفي يده مجرفة، بدا لي أنه كان يستخدمه في تثبيت شتلة ورد أمام الباب، وحين رآني ابتسم كعادته واقترب من السور الذي يفصل بين منزله والشارع ومد إليّ كفه مصافحاً.

-        مرحبا.

-        أهلاً أستاذ سعيد.

-        هل ترغب في تناول كوب من القهوة معي؟.. أنا عازب هذه الأيام.. ابتسم في غموض ثم أضاف.. ولا شيء أسوأ من حياة شيخ عازب.

شعرت بالشفقة عليه.. ورحبت بالفكرة وقلت في نفسي علها تكون فرصة لمعرفته أكثر.. فوافقت ودخلت معه إلى بيته.. ولا أزعم أن منزله يشبه مساكن الشيوعيين في زهدهم.. فهو مرتب بأناقة وذوق.. وكان لوجود مكتبة في زاوية الصالة إيحاء يدل على ثقافة أهل المنزل.

وكالعادة في مثل هذه المواقف كان الحديث يدور حول الطقس والمحاصيل وأنباء القرية وحال أبنائها والمركز الصحي الجديد والمدرسة الكبيرة والمناهج الأوروبية.. وكنت طوال الكلام أحاول الربط بين المواضيع لشعوري أنه يقصد شيئاً من وراء هذا الحديث.. وفجأة ران صمت طويل وبقيت عيناه تراقبني وشعرت أنني أتعرى أمام هذا الشيخ الغامض.. حاولت تجنب نظراته أو طرح أسئلة عليه عله ينصرف عن مراقبتي.. وهو يرد علي بإجابات مقتضبة ولا يزيد على ابتسامته الغامضة.. وفجأة قطع الحديث ووجه سؤالاً نزل علي كالصاعقة.

-        أنت تحاول تصنيفي.. أليس كذلك؟

…. حاولت أن أنكر.. ولكنه قاطعني.

-        لا يحتاج أن تنكر.. أنا لا ألومك بل أنت يا بني تفكر أكثر من كل الذين قابلتهم في حياتي.

-        الحقيقة ليس تصنيفاً بقدر ماهو للتعرف على جاري بشكل أدق.

-        وماذا تريد أن تعرف يا بني؟

شعرت أن كل الكلام الذي كان في صدري قد اختفى.. ولم يبق سوى صمت وحبات عرق تنزل لتتجمع على أرنبة أنفي.. وشعور بالخزي يعتريني.

-    اسمع يا أمجد.. في يوم من الأيام كانت بلادنا في يد المسلمين.. كانت تحكمها الخلافة.. ومع أن الخلافة في ذلك العصر لم تخل من سلبيات.. أو هكذا صُور لنا.. إلا أنها في النهاية كانت قوة وعزة للمسلمين.. كنت وقتها شابـًًا مراهقاً أدركني مايدرك أقراني من النقص وغلبة الشهوة وقلة البصيرة.. فعشت أتمتع بشبابي وأغرق في ملذاتي دون مراعاة لقومي وعوراتهم.. حتى سقطت الخلافة وتسلط علينا الشيوعيون.. وعندها استيقظت ولكن كان كل شي قد تنكر لنا وبتنا في أسوأ حال.

وبشعور الشاب الغيور الأبي المحب للحرية رأيت أنه لازالت الفرصة سانحة لعمل شيء للإسلام.. فبدأت أطرق كل باب بقي ممن أعرف أنهم مسلمون فما وجدت باباً يقبل مني مساهمة في عمل خير.. وهكذا أصبحت أمشي طوال اليوم فلا أجد مسلماً يمد يده إلي لنقوم بشي لأمتنا وغاص البعض ممن كان يشار إليهم بالبنان في حمأة السياسة والتجارة.. فكرهت قومي وكرهت الناس وبدأت أبتعد عن الجميع.

كان العم سعيد يتكلم كأنه يقص علي قصة خيالية.. وجدتني أرحل معه في قصته ومع كل حرف كانت نبرة ألم تنطق في ملامح الشيخ وشفتيه المرتعشتين.

وعاد يتابع قصته.. في تلك الأيام بدأ الشيوعيون ينادون بشعارات خدع بها الكثير.. وكنت يومها أجلس في حانة اعتدت الجلوس فيها أيام اللهو.. فوقف أحد أصدقائي القدامى ممجداً الإلحاد فغضبت منه ورددت عليه.. كان عملي هذا مخاطرة.. فأي معارضة تعني القتل.. ولا أدري ما الذي دفعني للكلام.. أهو تمني الموت بسبب ما لاقيته أم غير ذلك؟.. المهم أنني رددت عليه فصاح رجل من آخر الحانة..

-        اسمعوا.. الواعظ السكير..

وتعالت قهقهات من كل الأركان.. وانهالت الألفاظ الساخرة علي  .. وأنا أحبس غيظي.. وفجأة قطع الضحك صوت هادئ يموت الرجال من الرعب عند سماعه.. ذلك هو عريف الشيوعيين في قريتي.

-        لماذا تضحكون؟

انسحب الرجال.. وبقيت في مكاني لم أتحرك منه.. فاقترب مني

-.. سعيد.. مابك يا سعيد..؟

 وارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة.. ولكنني في تلك الساعة لم أكن لأبالي بشيء.

-        يسب ديني.

-        وهل بقي دين يا سعيد؟

-        …

-        أنت ذكي.. وأحسب أنك ستكون مفيداً لنا.. لقد أضاعك قومك يا فتى..

ثم شدني من ثيابي وقال لي: أتظن أنني لا أعلم بنشاطك.؟

ثم ابتسم في مكر وأضاف..

-ولكنني أعلم أن قومك لن يستجيبوا.. فكر قليلاً.. وتعال معنا فالحرية تحت الألوية الحمراء.

كان ذلك هو بدايتي مع الشيوعية.. وسرعان ما ترقيت في مناصبها وساعدني بلادة القوم وغوغائيتهم.. وبدأ الكل يخاف مني ومع ذلك فقد كنت أنكر في نفسي بعض مبادئي.. ولكنني بقيت آخذ من كل الأفكار.

تنهد الشيخ بعمق كأنه يريد أن يلقي بقية القصة من صدره.. وكأن حملا ثقيلاً على قلبه كل هذه السنين.. وارتعشت شفته في حركة أعرف فيها معنى الألم وحبس الدمع.

كنت أثناء عملي في الحزب أتابع الروح الإسلامية في صدور أبناء شعبي فهالني أنني لم أر نبضة تبشر بميلاد.. وهالني أكثر أن أهل العلم انقسموا قسمين.. قسم قتله الإلحاد وكانوا هم الأمل الحقيقي.. وقسم كان أقل من الموظفين في وزارته يمجدونه أكثر من تمجيده لنفسه.. وكلما صاح صوت باسم الإسلام أسكتوه ووقفوا ضده.. فجهزت أمري وقررت الاعتزال.

لم أتمالك نفسي.. وسقطت دمعة على خدي سارعت لأمسحها بيدي.. وتراقصت على نسمة الريح شمعة في زاوية المطبخ فألقت بظلالها على وجه العجوز.

-        وهكذا يا بني بقيت كما ترى.. أعطي للناس ابتسامتي بعد أن أعطوني المرارة.

-        وماذا حدث بعد ذلك؟

-        عاد الإسلام.. ولكن في صورة يأباها الإسلام.. مسخ من الأفكار والمعتقدات.. وغاب الرجال الأحرار.

-        وأنت؟

-        أنا في قريتي كما رأيتني..

ومد يده بكوب آخر من القهوة.، شكرته.. كنت أريد أن أسمع البقية.. ولكن ظلال الصمت عادت من جديد.

تركته وعدت إلى غرفتي.. ألقيت كتبي على الأرض.. وأخذت أبكي..

-أين الإسلام.. لماذا حدث كل ذلك مع العجوز.؟

كانت الأسئلة تقفز إلى ذهني سريعة لتتحطم على صخور اليأس.. وفي ظلمة الليل امتدت يد الظلام لتطفئ شمعة النور.

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

رسالة إلى مهند..

15/9/2011م

شقة جاري (الصالة).. الساعة 12:30 مساءً

يسألونني عنك يا مهند.. من تكون؟..

قلت لهم رفيق درب.. غريب مثلي.. يشعر بنبضي وتمتد عروقه في جسدي.. جمعنا المبدأ.. الغربة.. الحزن.. الشوق.. الحب.. حر من الأحرار.. أصمتته الأيام، وليس أول من صمت.. دار بيني وبينه حوار ولم يسجل ولم تحفظ منه نسخة.. والا كنتم ستقرؤؤن الألم وتسمعون صراخ الشوق في الحروف الصامتة..

من لي بمثل مهند؟ يقرأ في صمتي تفاصيل الرواية.. ويضم بقايا ثيابي المضمخة بعبير الشهداء وعبير القذائف.. نترافق فوق سيارات الدفع الرباعي في جبال لم يثبت فيها سوى الرجال.. كل الحياة تختزل معهم.. لم يبق منها سوى حقيبة خضراء وثلاث علب تونة وأربعة شواجير ودفتر وقلم..

جسدي مقيد بالأرض.. لكن روحي تجري تصرخ.. تتعلق بالقوافل المغادرة إلى السماء.. تتجمد الدموع في عيوني من برد القلوب.. وتحترق الأرض من تحتي من ألم المجاهدة.. أتعثر وأقف وقد تمزقت ملابسي وتمزق كفي وأمسح دمعي بيد مختلطة بالدماء والتراب.. وأعود إليه لأقرا في حروفه أخبار الرحلة.. وأودع الراحلين..

وعدت إليك ثانية.. هنا أبكي.. فهل تقرأ وهل تبصر شريط الحب في دمعي؟ هنا أشتاق ألقاكم.. فتحملني وتتركني وأجري في طريق الحب ثانية.. هنا جاجي، سراييفو، ومأسدة رأيناها.. هنا أطوي بصمت سر من أهوى.. أعود إليك ثانية.. أقبل مخزناً بارد.. أضم لصدري الرشاش.. هنا أبكي.. هنا أبكي..

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)