محطات

10346704_10201833581232925_646251643_n

كان علي أن أرحل سريعاً.. فهناك سفر طويل أمامي.. بقيت في المطار وحيداً.. فكرت أن أعطي الرجل بعض المال.. عرفت أن هذه أساليب الكثير منهم.. بدأت أفكر في الطريق الذي سأسير فيه هذه المرة.. كنت أتوقع أن أكون مراقباً فحاولت ألا يظهر على وجهي شئ.

عاد إلي الرجل وقد ختم جوازي بختم الخروج.

–        يمكنك الرحيل.

–        أشكرك.

–        ولكن …

نظرنا لبعضنا ودام صمتنا لبضعة لحظات.. أخذت حقيبتي الصغيرة من الطاولة وضعتها على كتفي.. ابتسمت له بهدوء.. ألقيت عليه التحية وأسرعت للحاق بالطائرة.

أصبحت الآن أعرف أين أنزل.. توجهت لفندق متواضع.. صغير ولكن نظيف. نظيف من كل النواحي.. حتى النواحي التي لا أريدها..

بدأت في دراسة وضعي بعمق.. كنت قد أعددت خطة سير مصغرة والآن علي النظر في هذه الخطة بناءً على المعطيات التي أمامي.. أريد التحرك لمكان جديد.. كيف أصل ومن سيساعدني.. بدأت أعتمد على المافيا كثيراً.. هي ضربة حظ، ربما أصل وربما أقتل على يدهم.. ولكن رأيت أنها أسلم طريقة..

كانت الرحلة هذه المرة صعبة للغاية.. رأيت في الرحلة رجالاً خمنت أنهم عرب، بدا لي أنهم تجار لم أحاول التحدث معهم.. ولم أخرج أي كتاب أو مجلة للمطالعة.. حرصت على ألا يعرفوا أنني عربي، وفكرت في الاستفادة منهم.

مررنا على عدة مطارات.. ووصلنا للمحطة الأخيرة.. تحرك الرجال، وتحركت خلفهم ببطء.. كانت مخاطرة مضحكة ولكن أردت أن أجربها.. المضطر يركب الصعاب. وكما توقعت.. هناك من سينتظر هذه المجموعة.. كنت أريد أن أصل لفندق أرتاح فيه ومن هناك سأتدبر أمري..

في الخارج توقفت سيارة ومعها سائق لأخذ هؤلاء الرجال.. كنت قريباً منهم اقترب مني السائق أراد أن يأخذ الحقيبة ابتسمت له ومددتها برفق وشكرته.. كدت أن أضحك ولكن خشيت أن ألفت النظر.. طوال الطريق لم يتحدث أحد.. عرفت أن المجموعة ليست مرتبطة ولكن اجتمعت لمناسبة معينة.

وصلت المدينة.. كانت كبيرة أخذت حقيبتي وبهدوء خرجت من بينهم وبدأت أسير وحيداً.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: قافلة رجل ومطارات> يتبع > الحلقة التالية: الجبال)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

رجل ومطارات

رجل ومطارات

اكتشفت لاحقاً أن الذين هاجمونا هم إخواننا وبسبب خطأ من أحد الأمراء أصيب بعض الأخوة وانتهى الموضوع.. عدنا نحمل جرحانا ونحمل ابتساماتنا ونخفي آلامنا. الأيام تمر.. وبدأ البعض يرحل، ورحل مرافقي مع الذين رحلوا.. وجاء أناس جدد، في كل يوم يأتي أخ ويرحل أخ وأبقى وحيداً. حين تقرأ كلامي هذا لا أدري هل ستقول عني رحل مع الآخرين أو أنني لن أحظى بكلمة وداع.

وحان موعد الرحيل.. ودعتهم وتحركت القافلة من جديد لتمر ببعض أهوال الوصول..

لا أدري أخي شعرت أنني رحلت بغير النفس التي أتيت بها.. الدنيا مدرسة نتعلم فيها الكثير وفي كل يوم نبني شيئا في شخصياتنا ونرمم شيئا وبعض الأحيان ننقض بناءاً لنقيم شخصية جديدة.

أوقفوني في المطار.. تحرك الجميع وبقيت هناك وحيداً. بدأ رجال الأمن يتنادون.. جاءني رجل منهم بدا لي أنهم متخصص.. في ماذا متخصص؟ لا أدري ولكن شعرت أن مثل هذا الرجل لا يأتي إلا إذا أتى مثلي.

طلب مني أن أفرغ حقيبتي من محتوياتها.. أخرجت حقيبتي وأفرغتها.. ووقفت أنتظر.

–        الديك أمتعة أخرى؟

–        لا.

–        تعجب وتغيرت نظرته.. فقط هذه؟

–        نعم.

نظر إلى كثيراً.. وتلاقت نظراتنا في شئ من التحدي.

–        ماذا تفعل هنا؟

–        سياحة ودعوة.

–        ومخدرات؟

بدت لي الفكرة مضحكة.. فضحكت.. شعرت بنوع من الاطمئنان.. بدا لي أنني آمن فهو لم يخمن السبب الحقيقي من مجيئي إلى هنا.

–        أجبته مبتسما هل يبدو علي هذا الشيء؟

–        سائهُ برودي.. رد علي: نعم.

–        إذاً: لا.. لم آتي من أجل هذا.

ركز نظرته علي.. ابتسمت وركزت نظرتي عليه.. أخذ جواز سفري وتركني وحيداً.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: قافلة الجرحى> يتبع > الحلقة التالية: محطات)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

قافلة الجرحى

مشينا في الجبال.. إذا تعودت المشي لن تشعر بالتعب.. كنت أشعر بالتعب لو جلست.. رأيت الكل يبتسم برغم ألمه.. كل هذه الأوجه ودعتها فيما بعد.. كان أميرنا رحيماً يبتسم لألمنا وأشعر بمشاركته لهمنا.

بات طابع الرحلة غريباً.. تضحك على الإصابات، وتأنس بهذه القافلة المجروحة.. أتذكر وجه أحد الأنصار.. أصيب بضربة على وجهه فكسرت نظارته، وتورم أنفه.. كان يضحك على نفسه، كلما نظر في المرأة.. تورم وجهه أكثر فكان يبتسم مشيراً لأنفه.

للألم سعادة تفوق ذات الألم متى ما أمتزج الألم بالمبدأ.. تودع إخوانك فتألم لأنك تركتهم وتسعد لأنهم قضوا في الطريق.. تصاب فتألم وتفرح لأنها في سبيل الله.. ترحل فتفرح وتحزن، تألم لترك أرض الجهاد وتفرح لأنك لم تتورط في قتل أخيك.

عند المغيب لاحت لنا مدينة في الأفق.. دخلناها مع بداية الظلام.. توجهنا لبيت هناك.. كان واسعاً لم يكن بيتاً بقدر ما كان قلعة.. قالوا لنا أن هذه القلعة قاومت المعتدين كثيراً.. ارتحنا فيها وتناولنا طعاماً بسيطاً ونمنا.. لم نكن بحاجة للحراسة فقد تولى أصحاب القلعة الحراسة عنا واطمأن الأنصار.. وبالرغم من ذلك لم أستطع النوم. وأخيراً لاحت رايات المجاهدين.. بدأنا نكبر واستُقبل الجرحى بفرح.. أخذوهم إلى العيادة وذهب الأمير مع القيادة وبقيت أنتظر..

–        قيل لي: ستذهب إلى مكان آخر.

–        لماذا؟

–        تحتاج لبعض التدريب..

–        ولكنني مستعد من قبل.

–        لا بد من هذا الإجراء ستنفعك المراجعة.

رحلت مع الصباح مع مرافقي.. لم تطل إقامتنا في المنطقة الجديدة.. تعاون معنا الأنصار هناك.. كنا نريد الانتهاء بسرعة، وعدنا ثانية لبقية القافلة.

الأيام تمر.. أصيب البعض وقتل الكثير.. وزاد العدد.. أصيب صاحب الأنف المتورم مرة أخرى.. كنت قريباً منه وقتها، حملته وجريت.. ألقيت بنفسي خلف صخرة.. نظرت إليه  كانت إصابته خطأً هذه المرة، الإصابة منعت جنبه من التحرك.. وكان لا يزال مبتسماً.

–        كيف تشعر؟

–        ابتسم وقال: بخير.. انتبه للبقية.

نظرت حولي هناك مصابون آخرون.. كانت القذائف تمنعنا من الحركة.. والرصاص كالمطر..

–        قلت له: دعني أذهب.

–        إلى أين؟

–        سألتف من خلفهم.. وأحاول مفاجأتهم.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: راحة> يتبع > الحلقة التالية: رجل ومطارات)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

راحة

–    وصلتنا أصوات الديكة وهي تؤذن، كانت الدنيا مظلمةً، والسماء لازالت سوداء مرصعة بنجوم كحبات الألماس، أحسست بلمسة لطيفة تهزني وصوت خافت يصلني: مستيقظ؟

–        نعم، قلت ذلك وقفزت من مكاني، لم أنم كثيراً ولكنني كنت نشيطاً، لا أدري لماذا؟ هذا الحال لازمني سنين طويلة بعد ذلك.

تحركنا قبل أن يبزغ الفجر، لم يكن القائد يريد أن تنتبه القرية لتحركنا، بدا أن المجموعة متأثرة فعلاً بجراحها، كان لمبيت تلك الليلة أثراً في إثارة الألم، حملنا حقائبنا وانطلقنا مشياً على الأقدام، مررنا بعدة قرى، لم نتكلم مع أحد منهم، ولم يسألنا أحد عن وجهتنا.

توقفنا في مدينة أكبر من المناطق التي اعتدنا التوقف فيها، قال القائد لابد أن نرتاح هنا ونداوي جرحانا، لايتحرك أحد بغير استئذان، تناولنا طعامنا، كيف كان ذلك الطعام لا تسلني، لقد نسيت مذاق الطعام منذ أن بدأت المسير في هذا الطريق، كنا نأكل الطعام فنراه لذيذاً ولكن لا أدري كيف سيراه الناس، سعداء بقدر ألمنا، مرتاحون بقدر تعبنا، لاشيء يعادل في نظري الخبز والشاي، وفي حالات الغنى فالبطاطس يعتبر وجبة مميزة في قائمة طعامي.

الحادث أورثنا نوعاً من الألفة، تعارفنا عن قرب، اكتشفت أنهم ليسوا من نفس الدولة، لكن جاء الكل هنا لنفس الهدف، لا يمكن أن أنسى صورهم، لكنني قررت عدم التعرف على أحد حتى لا أفتقد أياً منهم كما حدث في المرة الماضية، ولكن الأحداث فرضت نفسها فتعارفنا.

لقد رحل الجميع يا أخي، رحلوا غرباء عن أوطانهم، قبورهم صخور الجبال، هنيئاً لتلك الساحات بأولئك الأبطال، أتعرف يا أخي، ليس من السهل أن أكتب عن مشاعري، إذا كانت الكتابة تعبيراً عما في النفس، أو بالأصح محاولات للتعبير فلماذا لاأجد الكلمات ولا أريد البحث عنها؟، تلك الميادين لا تعبر عنها الكلمات، يوم أن تمضغ طعامك بدموعك، يوم أن تحمي سلاحك بجسمك، يوم أن تفدي إخوانك بنفسك، أي كلمة يمكن لها أن تعبر!!. كان مرافقي قريباً مني في سنه، افترقنا مرة واحدة منذ أن تعارفنا، ذهب للجبهة وبقيت في المعسكر، وعاد الأنصار من دونه، سألتهم عنه فابتسموا، وقرأت الخبر في ابتساماتهم، تعودت كثيراً على هذه الابتسامة، سألتهم:

–        لوحده؟

–        لا، معه الطاجيكي والضيف الذي جاء قبل أسبوع.

–        كيف؟

–        خيانة.

ولا تملك إلا الصمت والابتسامة، وتحفظ ألمك في صدرك، وتنتظر موعد رحيلك، وتبقى وحيداً، كلما رافقت إنسان رحل وتركك، حتى تدرك القافلة.

كنا لا نتحرك كثيراً خوفاً من العيون، أفادتنا تلك الأيام الثلاثة وخففت عنا بعض العناء، تلقْى البعض علاجهم، ولكن بقيت الكدمات ظاهرة، كانت الحركة صعبة نوعاً ما ولكن كان لا بد من مواصلة الطريق، حملنا حقائبنا وانتظرنا حلول الظلام، ثم تحركنا.

بعض الأحداث لايمكن أن تكتب، الكلمات لن تطاوعك، إذا أردت أن تشرحها فلابد أن تتركها كما هي، لايمكن هنا أن تتخيل شيئاً، فالصور ستكون بسيطة مباشرة، كيف تكتب عن رجل تضعه في قبره بعد عشرة أيام دون أن يتغير؟!

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: الجرحى> يتبع > الحلقة التالية: قافلة الجرحى)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

الجرحى

مر كل شيء بسرعة، السيارة تتراجع للخلف وسرعتها في ازدياد، وصراخ مختلط، أحد الركاب يضرب جانب السيارة بيده ليحاول تنبيه السائق، وعلى أي حال فقد السائق السيطرة وانقلبت السيارة، بعد وقت قصير بدأت أشعر بما حولي، كانت الدنيا مظلمة، استوعبت ما حدث، لقد انقلبت السيارة، حاولت أن اجمع أفكاري وأتصرف بهدوء، حين جرى الحادث كنت راكباً في مقطورة السيارة، ولذلك توقعت بأنني قد أكون مصاباً وأنه لابد من الحذر في تحركاتي، كنت أشعر بثقل فوق ساقي، ربما تكون السيارة قد وقعت فوق ساقي، هذا ماطرأ على ذهني وقتها، حاولت تحريك قدمي فتحركت، أدركت أن الثقل ليس إلا شخصاً جريحاً، لم أكن أشعر بألم، سحبت ساقي وخرجت من تحت السيارة زاحفاً، بدأت في البحث عن البقية، كان البعض مصاباً، نظر إلىّ مرافقي وسألني: هل أصبت؟

–        لا.. هيا نرى البقية.

البعض مصاباً ينزف، كنا في قمة جبل في مكان معزول وبعضنا يئن من ألمه، أخرجت الحقائب من السيارة بسرعة ووضعتها في منطقة على جانب الطريق، رتبتها بحيث تسهل عملية التعرف عليها، كنت أفضل حالاً من الكثير. بدأت أساعد في علاج المصابين، بعض الإصابات قوية، ولكن بحمد الله لم يكن هناك كسور، فقط رضوض بعضها قوي، والبعض الآخر مما يصيب الإنسان في حياته اليومية ويمكن تحمله، أصيب شخص في وجهه، يبدو أن أنفه قد كسر، سيظل يذكر هذا المنظر ويضحك من نفسه، كان يملأ الجو ضحكاً بأنفه المدبب.

مر القائد علينا رجلاً بعد رجل، وتأكد من سلامتنا، ثم سأل عن مدى قدرتنا على السير.

–        ذهبت إليه وسألته: هل سنمشي؟

–    أجاب في هدوء: نعم ، سنتابع الطريق مشياً، حملت بعض أغراض الجرحى اللذين لايستطيعون السير، شعرت بألم، لم أقل شيئاً واجتهدت أن أخفي ألمي، جاءني المرافق وهو ينظر في خوف إلى وجهي، تحاشيت النظر إليه، سحبني من يدي.

–        ماذا تفعل؟ بادرني بالسؤال.

–        أجبته وأنا أنظر في الجهة الأخرى من مكان وقوفه: سأساعد الآخرين.

–        وضع يده على كتفي وسألني، هل أنت مصاب؟

–        لم أجبه.

–        هزني وأصر على سؤاله.

–        لم أرد عليه في البداية، ولكنه ظل ثاباً، قلت: لا عليك، إصابة بسيطة، الأمر لايدعوا إلى القلق.

–        قال لي وهو يهز رأسه: مجنون، تعال أرني.

–        كشف جنبي كان جرحاً بسيطاً، قلت له لا تهتم، هيا نساعد الأخوة.

–        أخرج من حقيبته علبة عسل وبدأ يدهن جرحي، لن تحمل شيئاً.

–        بل سأحمل.. الجرح بسيط.

–    نظر إلىً وقال كلمة عرفت فيما بعد أن معناها عنيد، حتى هو وصفني بالعناد، ترى هل أنا عنيد حقاً؟ هل هذا الشيء يزعج من حولي؟ لماذا يصفونني بالعناد؟ لأنني أحب أن أكون وحيداً؟، إذا شاركت من حولك بمشاعرك فسيكون من المؤلم ألا ترقى اهتماماتهم إلى مستوى ألمك، ولذلك تعلمت أن أبقى وحيداً.

تحركنا بصمت، كنا ننظر لبعضنا ونبتسم برغم الألم، كانت قافلة حزينة. الليل في الجبال بارد موحش، كانت النسمات تلامس الوجوه المتعبة، بدأ الألم يظهر الآن، البعض لم يستطع الصلاة واقفاً، حمل بعضنا الآخر وتابعنا المسير.

–        هل هذه أول مرة لك؟

–        هل تتوقع أن عندي خبرة؟

–        ربما، وربما تكون جديداً، الكثير هنا يشاركون لأول مرة.

–        .. ..

–        يعجبني إصرارك، تبدوا غريباً قليلاً، أنت صامت ووحيد.

–        كلنا كذلك.

–    ربما، وربما لسنا كذلك لأنك لاتفهم لغتنا. هناك المتذمر، والسعيد، والمتشائم، وهناك من لايفكر في شيء، لايخاف من شي، أترى هذا الطاجيكي؟ وأشار إلى رجل بدين نوعاً ما. لم ينتظر إجابتي وتابع الكلام، أنه مجنون، شجاع جداً، كان معي في المدرسة، لايرهب حتى الأستاذ. ثم اقترب وأخفض صوته وتابع كلامه: هو ليس طاجيكي حقاً. انتظر أن يدفعني الفضول لسؤاله وحين رأى صمتي تابع كلامه: إننا نناديه بالطاجيكي لأنه أبيض، ويشبه الطاجيك.

في الليل وصلنا لمنطقة آهلة، ذهب القائد للبحث عن مكان تبيت فيه القافلة، وبعد قليل عاد إلينا.

–        قال دون ينظر إلينا: وجدت مكاناً، سيتم توزيعنا عليه، ثم أضاف في حزم: وستبقى مجموعة للحراسة.

لم أستطع النوم، كنت أرى أن القائد قلقاً، قضى معظم ليلته خارج الغرفة، وكان يدخل بين فترو وأخرى ليطمئن على أن الجميع بخير.

لم استطع النوم أيضاً، تجرأت وذهبت إليه، ألقيت التحية ودون مقدمات وقفت بجانبه في الظلام ونظرت إلى النجوم، كان اللي صافياً، والنجوم منتشرة بصورة مبهرة ملايين النجوم تنتشر في صفحة السماء السوداء، أخذت أراقب النجوم واستنشق عبير الليل البارد.

–        التفت إليه فرأيته يبتسم، وبادرني بالسؤال: لم لم تنم؟

–        لا أدري، شعرت بالتعب ولكن لم أتمكن من النوم، ماذا حدث؟

–        ابتسم وقال وهو بنظر بقلق عبر الظلام لا شيء، كيف حالك؟

–        قلت له: بخير.

–        كيف الرحلة؟

–        جميلة. ما رأيك بها؟

–        ستذكرها كثيراً، ربما لن ترى أحداً ممن هم معك الآن.

–        سألته لاستحثه على الكلام: كيف؟

–        حدث هذا كثيراً.

–        قتلوا؟

–        نعم، الحرب لا تعرف أحداً، والموت يختار من يشاء.

–        تبدو قلقاً.

–        أهل القرية ينوون شراً.

–        وكيف عرفت؟

–        رأيت نظراتهم، أعرف هذه النظرة جيداً.

–        إذاً هيا نتحرك.

–        البقية لا يستطيعون.

–        لندافع عن أنفسنا.

–        سنفعل ولكن لو تحركنا هنا سنقتل كلنا ذبحاً، ألا تريد النوم.

–        لا.

–        يجب أن ترتاح لدينا طريق طويل.

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: كمين> يتبع > الحلقة التالية: راحة)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

كمين

لم تكن كلمة القتل هي الكلمة التي أخاف منها، فما أتيت إلا من أجلها، ولكن كنت أخاف من أمور أخرى، إن القتل يا أخي علامة مميزة، تاج يرتديه الغريب في نهاية الطريق، وسام شرف يناله دليلاً على ثباته في الطريق.

الأجواء هذه الليلة دافئة، منذ مدة والجو بارد قارس، وقفت أمام النافذة أراقب المساحات البيضاء في الخارج، تذكرت كلمة أبي قبل موته، كان رجلاً عظيماً.

–        اسمع يا بني، أعلم أنك ستسافر في يوم من الأيام.

–        إذا سمحت لي يا أبي.

–    أسمح لك، يهمني أن تكون رجلاً، وأن تعيش حراً، ولكن إذا حدث خلاف بينك وبين إخوانك فتذكر قول الرسول “كن عبدالله المقتول، ولا تكن عبدالله القاتل”.

ذات يوم شممت رائحة أخبار تنتشر بين الأنصار، وشعرت من خلال تحركات المعسكر أن هناك ترتيبات لأمر ما، لم أرد الاستعجال فقد تعلمت أن أسرار اليوم ستعلن في الغد، ونسيت الأمر فمرت حياتي هادئة سعيدة تنتظر الانتقال إلى القتال والمشاركة في العمليات. وبقيت هكذا عدة أيام.

–        وفي ليلة من الليالي جائني أحد الأنصار فقال لي: نم هذه الليلة بحذائك؟

–        ابتسمت وقلت: أنا أنام به كل ليلة.

–        لا، هذه الليلة زد في حرصك وكن قريباً من سلاحك.

–        لماذا؟!، هل سنتحرك في مسيرة؟

–        ابتسم وهو يشير بعصبية إلى رأسه ونهض وهو يقول: أراك على خير بإذن الله، فقط كن متيقظاً.

اشغلني كلامه، ولم أجد ما أرد به، بدأت أفكر في الليل، ترى ماالذي سيحدث فيه، نمت قرابة الساعة الواحدة، وعند الساعة الثانية استيقظت على صوت القائد وهو يدعو للجمع سريعاً، اجتمع الأنصار كالصقور وتكلم القائد.

–        الليلة ستتحركون..

–        بدأنا نكبر في الليل، وترد الجبال صدى تكبيراتنا.

طلب الهدوء ثم أكمل، طريق الدين طويل وشاق، والنصرة لله واجبة، والعيش في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله، ذكرنا بالأندلس فبكت القلوب، وذكر الأقصى فهامت الأرواح، وعرج على الفلبين فسالت الدموع، ذكر مشرق الأرض ومغربها، وبقيت أنظر إلى الصفوف، لحى مبتلة بالدمع والوضوء، ووجوه مشرقة في ظلمة هذا الليل، وشجاعة تقراها في العيون وتشهد عليها الجبال والغابات، طلب منا أن نترك كل شي، فقط يكفي أن نأخذ معنا بطانية واحدة.

–        والسلاح؟ وصله صوت من الخلف.

–        قال: والسلاح أيضاً، أترك كل شيء.

وتحركنا نتلمس طريقنا وسط الصخور، لم يتكلم منا أحد طول الطريق، وكان قائدنا يسير بثقة، فشعرنا خلف بالراحة واستمر المشي في هدوء حتى اقترب الفجر، أشار إلينا بالتوقف، ثم التفت إلينا وطلب منا الاستعداد للصلاة، فتوجهنا للقبلة وبدأنا نصلي. الجو بارد، وملابسنا لاتقي البرد، تدفأنا بالبطانيات وتابعنا الصلاة، تسمع البكاء فلا تدري أهي دموع الرجال أم حنين الأفلاك لهم، ويصلك القرآن فشعر بهيبته تغمر قلبك وتضيء له الدنيا، وترى وعد الله في راحة تغمر روحك وسكينة تلف نفسك، صلينا ثم اضطجعنا وقمنا فلصينا الفجر واستمرت المسيرة.

كان الصعود والهبوط متعبين لنا، ولكننا شعرنا بلذة تعرفها، كتلك اللذة التي ذقناها معاً من جبهة لجبهة، وتشعر بها كلما اشتد بك التعب، وبدأت ترى صور الإيثار والمحبة، تراها في كلمة، في ابتسامة، في نشيد، في مزاح، في نظرة القائد الحانية، وطال بنا الطريق، لا أدري كم مشينا، كل ماأذكره هو السعادة تغمر قلوبنا، لم نشعر بطول الطريق، وقريباً من وقت الظهر بدت أمامنا منطقة شبه مفتوحة، توقعت أن نلتف حولها فالمكان مكشوف ونحن لانحمل سلاحاً،  تعجبت أن يكون المرور من خلالها، نظرت إلى القائد مستفهماً فأشار إليّ أن سر بصمت، فلم أقل شيئاً، كان المكان ساكناً لايقطعه سوى صوت الطيور وحفيف الأشجار، وفجأة ونحن في وسط المنطقة المكشوفة لم نعد نسمع أو نشعر سوى بأصوات القذائف تمزق السكون، انتشرنا كالجراد، كل منا يبحث لنفسه عن ساتر يقيه القذائف، وانهال علينا الرصاص فما عدنا نستطيع أن نرفع رؤوسنا، حانت مني التفاته، فلمحت قنبلة ألقيت قريباً مني قفزت بعيداً عنها وغطيت رأسي بيدي، وتفجرت القنبلة، دوى في أذني صوت أزيز ولمحت غباراً أسوداً يغشى عيني، لوهلة لم أعد أشعر بشيء، أحسست بوجود بعض الأنصار بالقرب مني، والتفت للقائد فرأيته واقعاً على وجهه وملابسه مخضبة بالدم، علمت أنه قد أصيب، زحفت نحوه وقمت بسحبه بعيداً عن مرمى الرصاص، مزقت قطعة قماش من قميصي وربطت بها رأسه، كانت الإصابة قد شملت جنبه كله، شعرت بغيض فكتمته.

–        ابتسمت له وقلت: طهور إن شاء الله.

–        ابتسم وقال: حاول أن تنسحب بالأنصار بعيداً عن مرمى النار، وأراد أن يتحرك فأوقفته.

–        ابق أنت وأنا سأتراجع بهم لمنطقة آمنة.

–    أمنت على البقية، وعدت إليه ثانية، طلبت منه أن يسمح لي بالالتفاف من خلف العدو، قلت له: يمكنني ذلك، أرى ثغرة في صفوفهم سأخترقها، سحبت السلاح الوحيد الذي معه وأردت القيام فامسكني.

–        لا تذهب، ابق هنا.

بدأنا نسمع أصوات التكبير من الجهتين، علمت أنهم من مقاتلينا، وأن الموضوع كله كمين للتدريب، وعدنا للمعسكر بعدة إصابات وابتسامات، عندما عدت جلست على صخرة وسط النهر أتأمل في المعسكر، بعض الأنصار في العيادة يتلقى العلاج جراء إصابته، والبعض يتوضأ للصلاة، لاتسل عن أرواحنا وقتها، فوالله لم نعد نعرف الأرض وأهلها، نحن ياأخي بين دمعة وأنة، دمعة شوق وأنة حنين.

الشمس تشرق وتغرب والأرواح تدنو وترحل فلا تعد الأرض وساكنيها بالنسبة لنا إلا بقايا ذكريات، تعلقت النفوس بالله، فاشتاقت له، ورغبت في الآخرة فعاد البذل من صور السعادة، وأي بذل أعظم من بذل نفس بين الحنايا، وروح تتردد بين الأضلاع، تبذل كلها مقدمة وفاء لدين عظيم.

أعود إلى الطاولة أراجع ماكتبت، استمر طريقنا مؤلماً، بين قمم جبال لا تعرف الرحمة، وبين قلوب سكان أشد صلابة من تلك الصخور، كان الكل يطمع في القافلة الصغيرة مع أنهم لم يكونوا يعلمون بوجودي بينهم فكيف لو علموا؟!. كنت أرى القسوة في النظرات الصخرية التي يرسلها لنا حتى الأطفال.

اضطررنا لتغيير السيارة مرة ثانية، اتفقنا مع سيارة أخرى على أن تقلنا لمنطقة أخرى، وتحركت القافلة من جديد.

–        سألت الرجل متى نصل؟

–        باقي القليل، هدفنا هي تلك القمم.

مرت ثلاثة أيام على آخر مرة سألت عن الطريق، وتوجهت إليه لأكرر سؤالي: متى نصل؟

–        لماذا أنت مستعجل على الوصول؟

لم أقل شيئاً، وسارت القافلة، صعدنا مرتفعاً يسمونه طريق، كان المكان وعراً وليس سوى ممر بين الصخور حفرته أثار العجلات لكثرة التردد على المكان، كان شاقاً وعراً ومرتفعاً، أخذت السيارة تتمايل بنا يمنة ويسرة، وصوت تطاير الحصى وهو يحتك بالعجلات ويقفز، نظرت إلى الجالس بقربي فوجدته مبتسماً، وقبل بلوغ القمة بقليل حدث خلل في السيارة فتراجعت إلى الوراء بسرعة كبيرة، لم نتمكن من فعل شي، قفز الرجل الذي بجانبي من السيارة ولم أعد أشعر بشيء.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: الحدود> يتبع > الحلقة التالية: الجرحى)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

الحدود

 مع الفجر تحركت القافلة الصغيرة، كنت سعيداً جداً رغم المخاطر التي ستواجهنا في الطريق، طُلِبَ مني التظاهر بأنني أصم أبكم، كانوا يخافون مني، فبسبب اللغة يمكن أن أفضح الجميع. الطريق جميل، فلازلت أسير في الجبال، المناطق هنا مخضرة قليلاً،  نسيت لوهلة الخطر المحدق بنا، كنت التفت إلى وجوه الأنصار فأرى مزيجاً من قلق وخوف وخشونة، وصلنا لنقطة تفتيش نظر رجل الأمن إلينا توقف قليلاً يتأمل في الوجوه، ثم سمح لنا بالتحرك، تابعنا المسير في صمت، لايقطعه سوى صوت محرك السيارة رباعية الدفع وهو يحن معبراً عن مشقة التحرك بين الصخور.

– نظرت لمرافقي وقلت: هل انتهى الخطر؟

– ابتسم ونظر الجميع إليّ، الكل يبتسم، أجابني أحدهم: لم نصل إلى الخطر بعد.

كان المتحدث فتىً أسمراً من أهل المنطقة، وكان معه طوال الرحلة شخص آخر أجمل منه، ولكن يوجد بينهما شبه ظاهر، على كل حال لم أتمكن من إيجاد فروق كثيرة بين الناس في هذه المنطقة، يشبهون بعضهم، ويشبهون العرب كذلك.

في المحطة التالية غيرنا السيارة، ركبنا سيارة عامة، حافلة قديمة كان يصلنا دخانها مع كل انطلاقة، وكان أكثر شيء يؤملني صعودها البطيء للمرتفعات مع كميات الدخان الكبيرة التي تنفثها، لاحظت  أن الجميع يتجاهلون بعضهم، أدركت أن هذا جزءاً من الترتيب، يفترض بي أن أقوم بنفس الخطوة، بقي شخص واحد بالقرب مني، التفت إلي وقال: لا تنس، لا تتكلم مهما حدث.

مررنا بالعديد من القرى، وفي كل قرية كان الناس ينظرون إلينا بشك، تجاهلت نظراتهم، حاولت أن أمثل دوري جيداً، لقد نسيت الكلام في تلك الأيام، فعدا سؤالي لمرافقي وحديثي المقتضب مع رفقاء الطريق لم أكن أقول شيئاً، كنت أراقب في صمت كل شي حولي، وأشعر أنني جزء من الصورة الكلية المحيطة بي. توقفنا في نقطة تفتيش أخرى، رجال الأمن هنا مختلفون، نظراتهم أشد قسوة كما أنهم كانوا مسلحين تسليحاً جيداً، صعد أحدهم إلى السيارة، شعرت بخوف الجميع، أصابني قلق غامض، تذكرت الامتحانات، ولجنة المراقبة، الكل يكتم أنفاسه، اجتهدت أن أبدوا طبيعياً، نظرت حولي وفكرت: ماذا سأفعل لو حاول الأمن اعتقالي؟ لا بد أن أقاوم ويمكنني الهرب عبر هذه الجبال إلى.. ..

إلى حيث لا أدري، فقط يهمني الوصول إلى الأنصار، اقترب مني رجل الأمن، توقف أمامي همس لي صديقي لا تلتفت له وأنا سأتحدث، لم يكن لدي خيارات، التزمت الصمت، تحدث الشرطي مع الرجل الذي يجلس أمامي، أحتد صوت الشرطي وسحب الرجل من ياقته وخرج من الحافلة، شعرت أن نفس الشيء يمكن أن يحدث معي، أخذ الرجل إلى حيث لا نعلم، رأيت الخوف يظهر على ملامح الناس، خوف مشوب بقلق وضيق من الموقف، عاد ثانية نظر إلينا من بعيد ثم أشار إلينا فتحركت القافلة.

– نجونا!!، هكذا قلت لصاحبي.

– قال: تقريبا، ولكن بقي أمامنا الكثير.

– يبدو لي أن هذه النقطة كانت شديدة.

– صحيح.

– إذاً معنى هذا أن التالي سيكون أيسر.

نظر إلى وابتسم، ثم قال وهو ينظر إلى الخارج: لو أمسكوا بك هنا يسجنوك، ويمكن أن نخرجك بالنقود، ولكن في بقية الطريق أقل شيء ينتظرنا هو، صمت ثم نظر باتجاهي وأشار بيه إشارة معبرة وقال: القتل.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: جبال قاسية> يتبع > الحلقة التالية: كمين)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

جبال قاسية

صخور سوداء أو بنية، أراضٍ قاسية، أو مروج ومراعي، لايهم، فالجبال هي الجبال. سرت أنا ورفيقي الغريب، واتضح أنه خبير بهذه المناطق، يمشي فيها مشية أهلها، واثق من خطوته، شعرت أنه كان يتوقع مجيئي، كأن مايقوم به ليس سوى وظيفة يؤديها، لم أكن مطمئناً تماماً، ولكنني لم أشعر بالخوف بشكل يمنعني من المواصلة، في الطريق انضم إلينا بعض الأفراد كان عددنا قليلاً وكنت أسير بصمت، لم أحاول التعرف على أحد معي مشينا ثلاثة أيام حتى وصلنا لمنطقة أخرى. كان الناس ينظرون إلي وكأنهم يعرفون أنني غريب. على الرغم من تشابه الملامح بيني وبينهم، تحاشيت نظراتهم قدر المستطاع، كنت أسير وألبس قبعة تخفي جزءاً من وجهي، في وقت لاحق قال لي البعض أن هذه القبعة أصبحت جزءاً مني.

وصلنا لمنزل لطيف، لم أعرف عدد غرفه لأنني بقيت في غرفتي لا أتركها إلا للصلاة. كنا نصلي معا في وسط المنزل، جاء رجل نظر إليّ ابتسم لي وسلم عليّ، ثم تكلم مع الدليل، عرفت أن الكلام عني، أو على الأقل هذا ما شعرت به، لم أشعر بالخوف هذه المرة، كنت أشعر أن الوضع لا يمكن أن يكون أصعب من هذا فاطمأنت نفسي.

–        جاءني الرجل، ابتسم لي وقال: بكم اتفقت معه؟

قلت له المبلغ.

–        بدا على وجهه الاستياء وقال: لماذا دفعت له كثيراً؟

سكتت، كنت أتحاشى أن أدخل معه في نقاش عقيم. لن يفهم أنني كنت أسعى بكل وسيلة لأصل إليه.

–        مد يده وقال: أعطني النقود.

–        قلت له: لاتحرجني معه، لقد اتفقنا.

–        طمأنني.

دفعت له المبلغ، أخذ منه جزءاً وأرجع لي الباقي، ذهب واتفق مع الدليل، رأيت التذمر في حركاته وعاد لي بعد أن أنهى الموضوع.

–        من اليوم لا تجري أي اتفاقات فيما يتعلق بالطريق، إذا احتجت شيئاً أخبرني.

–        سألته متى سنتحرك؟

–        ضحك في جذل وقال: وصلت للتو وتريد الدخول!! انتظر، انتظر علينا ترتيب الطريق، اذهب وخذ قليلاً من الراحة.

كنت جائعاً لم أتناول وجبة منذ ثلاثة أيام، بل يمكن القول أنني لم أذق شيئاً منذ أن تحركنا. كنت متعباً ولكن لم استطع النوم، ذهبت إليه ثانية.

–        متى نتحرك؟

–        نظر إلى وابتسم ثم قال في هدوء: حسب الطريق. بدا لي أنه متعود على هذا السؤال.

–        أجبته: ماذا يعني هذا؟

–        يعني أن الطريق فيه بعض المشاكل وسوف نتحرك متى ما انتهت.

ثم نظر إلى ملابسي وابتسم باحتقار، أزعجتني نظرته ولكن لم أرد أن أحدث أي مشكلة.

–        فتح عينيه وقال وهو يشير بإصبعه النحيل إلى ملابسي: عليك أن تبدل ملابسك، منظرك مريب.

لم أرد عليه، وبقيت في غرفتي، مر يومان عليّ وأنا هناك لا أتكلم ولا أخرج إلا للصلاة.

–        جاءني في اليوم الثالث وقال: هيا سنذهب لتشتري ملابس جديدة وتستعد للطريق.

قمت فرحاً، وذهبنا إلى سوق البلدة، كالعادة كل الأماكن هنا مزدحمة، الكل يعرض بضاعته، والكل يعرف أني غريب ويريد أن يبيعني شيئاً. كان الرجل مفاوضاً جيداً ويتكلم لغتهم بطلاقة، في بعض الأوقات كنت أشعر أنهم سيتعاركون، ولكن يلقي بالأوراق المالية لامبالياً عليهم وسط احتجاجات الباعة لينهي صفقة بإشارات رضا منه ومن البائع. اشترى لي بعض الملابس، وحذاءً جيداً، ثم عدت إلى البيت، لبست الملابس الجديدة بدت لي غريبة ولكنها فيما بعد أفلحت في تقليل نظرة الناس لي، فلم يعودوا يلتفتوا إليّ كثيراً.

أخي.. الدنيا على سعتها تضيق في أعيننا، وتتسع مساحة صغيرة لأرواحنا.. يلهث الناس خلف دنياهم فتضيق بهم ويضيقون بها، ونحلق في خنادقنا وغرفنا فنسو للسماء فلا نرى الدنيا ولا نبصر لها أثراً.. تموت القلوب في القصور والمكاتب، وتحيا قلوبنا في أعماق الموت، وآفاق الحياة.. إن هذه الروح متى ما عرفت الله أنكرت كل ما سواه، وإذا عشقت الموت منحت الحياة، وإن انقطعت عن الدنيا اتصلت بالله.

مرت بنا أيام هي من أقسى أيام الرباط.. كنا ننتظر الطريق ليفتح، مرة يقال لي الثلوج تسد الطرق، ومرة يقال الحدود تشدد الحراسة، والأنصار في الداخل يعدون لعمليات الصيف، هم في قطرة الدم يسبحون، ومنها يحلقون، ونحن في قطرة الدمع نغرق، ومنها نسمو، تلتق الأرواح ولو لم تلتق الأجساد، نصلي ويصلون فنقنت ويقنتون، يرجون النصر والموت، ونرجى مثل ما يرجون ونزيد عليهم الرغبة في الوصول لهم، ألمنا في الانتظار يكاد أن يوازي ألمهم في الحصار، ولكن من خلال تنور الألم سمت الأرواح، وفاح المسك.

–        ذهبت إلى الرجل ثانية وسألته: متى سأدخل؟

–        كان لايزال محافظاً على هدوء، أجاب باقتضاب: الطريق مغلق، لابد أن ننتظر.

–        إذا كان مغلقاً بسبب الثلوج فلا مشكلة، يمكنني المشي.

–    ابتسم لي، أشرق وجهه، ليست مشكلة الثلوج فقط، لقد شددت الحراسة بعد العمليات الأخيرة، لا ندري متى يمكننا التحرك، ولكن الأنصار يراقبون الأوضاع وسيخبروننا متى ما تيسر الأمر.. ثم أننا نحتاج هنا.

–        أوه.. هذه المرة ثلوج وحراسة.

–        ضحك وأشار بإصبعه النحيل في سعادة.

–        قلت: أنا معكم هنا وهناك، ما يمكنني فعله هنا سأقوم به هناك، بدا مقتنعاً بكلامي ولكن لم يشأ أن يقول شيئاً في ذلك الوقت.

الأيام تمر، الأوقات تمضي في تلاوة وصلاة، نتسامر معاً نسمع قصص الجبهة، وأعود لأخلو بنفسي وأبكي، أنتظر مع كل إشراقة فجر خبر يقول لي أن الطريق فتح، أو أن هناك ثغرة يمكنني من خلالها التسلل للداخل، لم أعد أرى الناس، كنت طوال الوقت في المنزل، وإذا اضطررت للخروج خرجت ليلاً لكيلا أثير أي شبهة عند الجيران. كانت تلك الحياة البسيطة توفر نوعاً من التعلق بالغربة، والشعور بالراحة، البعض يتعجب منا، يقولون لماذا الإصرار على كلمة الغربة بالرغم من الشعور بالقسوة فيها؟ لا يدرون أن أنسنا في غربتنا، وراحتنا في تعبنا، وحياتنا في موتنا.

–        ستدخل مجموعة.

–        قلت برجاء هل سكون معهم؟

–        ابتسم وقال: لا، يريدون إنهاء بعض الأمور هنا ولا بد أن تبقى أنت لتنهيها، ستلحق بهم فما بعد، طريقهم غير آمين، ولاحقاً سيرتب الأمر لك.

–        لم أرد عليه، كنت صامتاً صمت القبور.

–    أراد أن يخفف شعوري بالألم فقال: اسمع، أنت مجاهد هنا أو هناك، ليس كل إنسان يقدر أن يقوم بعملك، ابق هنا وستلحق بهم، وابتسم مشجعاً، وهكذا رحل الجميع.

لم يصلوا، وقعوا في الأسر، ثم خرجوا من تلك الديار.. واليوم أخي لا أحد معي.. رحلوا ليصلوا لأماكن أخرى وليقتلوا، ليعلنوا للعالم أجمع أن لا حدود تفرقنا، ولا قيود تمنعنا، في قلب الصحراء، وعلى قمم الجبال، وفي أعماق البحار والأنهار، ستجد أخاً مبتسماً قد فارق الحياة راضياً، وسترى قبر يحكي قصة، اسأله فهذه الصخور كانت منازل الشهداء، وهذه الأنهار تلونت بدمائهم، وهذه الغابات نمت على أشلائهم، في كل شبر أخي ستجد سطراً من سطور الملحمة، وقصة من قصص العشاق.

وصل شخص جديد إلى البيت، لاحظت أن الجميع يحترمه، كنت متوتراً أريد الذهاب بسرعة إلى الجبهة، أردت التقرب إليه لعل لديه شيئاً يساعدني، بدا كتوماً، اقتربت منه سلمت عليه وجلست معه، كان هادئاً ولكن كنت أشعر أن خلف هدوئه ناراً. كان نحيلاً لدرجة لم أر مثلها في حياتي، كنت أتأمل صمته في إعجاب، لم أره يتحدث إلا بخير، في تلك المرحلة خشيت جماعة التكفير، كانوا هم أكبر شي يقلقني، لكنه لم يبد لي منهم، سألته ذات مرة بصورة غير مباشرة عن مسألة فرد علي برد طمأنني، واستشهاده بأقوال العلماء عرفني على منهجه.

بعد أيام عدت إليه ثانية، سألته عن المجاهدين، ابتسم لي وأخبرني أنهم بخير، كنت أجلس أمامه مباشرة، وضعت يدي على ركبته وضغطت عليها وسألته في حزم: متى أتحرك؟

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: غرباء> يتبع > الحلقة التالية: الحدود)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

غرباء

ربما لم أعد أتذكر الأيام، كل شيء يتشابه، حرارة، برودة، شمس، وغيوم، وفي كل الأحوال يمكن أن تسير، يمكن أن تبدأ حياة جديدة، وطريق جديد، حتى أنت تصبح شخصاً جديداً، في كل مرة تتغير لتصبح أكثر غربة، وأكثر صمتاً. لا أحب المدن، ولكن قد نتأقلم على الحياة فيها أو نجبر أنفسنا على ذلك، والبعض يتأقلم لأنه بالفعل يحب العيش فيها.

ما الذي نجنيه؟ لم أحب ذلك يوماً يا أخي، كنت أميل أكثر فأكثر إلى بيت الطين والحياة البسيطة، المدينة كبيرة، طرقاً واسعة، ومبانٍ شاهقة، وأنا وحدي أسير على رصيف خال من البشر، لاشيء سوى سيارات ومبانٍ من حولي، وبعد قليل وقفت أمام المبنى، هنا تغيرت الأحوال قليلاً، فهناك حارسان وصف من الناس وحركة دخول وخروج لمبنى السفارة، وقفت مع الناس، وبعد الإجراء الروتيني تمكنت من الدخول.

مررت جواز سفري خلال النافذة الزجاجية، أخذه الموظف ونظر إلي بشيء من الشك، ثم طلب من الجلوس وغادر، وبعد قليل جاء رجل بدا لي أنه مسئول في السفارة، وقف أمامي وقلّب جواز سفري، ثم نظر إليّ وابتسم.

–        سألني: ماذا تريد في بلادي؟

–        قلت مبتسماً: تبليغ. وبدأت أفكر ماذا يمكن أن يقول؟

–        نظر بخبث وقال: مجاهد؟

–        ضحكت وقلت: وهل يدل مظهري على هذا؟

–        سكت ولم يرد على سؤالي.

–        نظرت نحوه بحدة، ولكن لم يبد أنه تأثر بنظرتي.

–        قال في برود: راجعنا غداً.

وخرجت من السفارة، هذه المرة لا أحمل هم المبيت سأجد مكاناً، على الأقل أعرف أين أذهب، انطلقت لأستأجر فندقاً، ومن ثم غادرت غرفتي، ذهبت لشراء بعض الضروريات للرحلة، ووضعت أغراضي في الحقيبة، كالعادة لم تكن كثيرة. أعلم أنك تتذكر عاداتي، لكنني أخاطبك وكأنك معي، أريدك أن ترى ماذا فعلت من بعدك، نظرتك، ابتسامتك، وألف كلمة روتها عيناك يوم الرحيل، ابتسامتك التي كانت آخر ماأعطيتني إياه في السفر، وصوتك المتهدج وأنت تبكي وتودعني، كنت أراها كلها في كل خطوة، أتلمس طريقي في الحياة وحيداً، وأعود لمكاني في كل ليلة لأنتظرك وأكتب لك.

–        عدت مبكراً للسفارة، استوقفني الأمن، سألوني: ما الذي تريد؟

–        جواز سفري.

–        متى أحضرته؟

–        بالأمس.

–        قال لي رجل أمن يقف بعيداً: يمكن أن تأتي بعد الظهر، هذا ليس وقت استلام الطلبات.

لم أجادل كثيراً، انصرفت دون نقاش، تعلمت في سفري ألا أطيل النقاش، قد أغلق الطريق بالعناد لذلك آثرت السلام، عدت بعد الظهر كما طلب مني، هذه المرة لم يكلمني أحد، اكتفوا بالتفتيش المتكرر، دخلت وأخذت جوازي وانصرفت.

في السيارة فتحت الجواز وتأملت التأشيرة، بحسب المدون فيها سأبقى شهراً فقط، ضحكت وألقيت برأسي في جذل، هم هكذا دائماً، ولكن ليس مهماً، بإذن الله سأتدبر أمري حين أصل هناك.

تتكرر النغمة بين لحظة وأخرى لتعلن عن موعد الرحلات، بحثت عن مكان أجلس فيه لحين موعد إقلاع رحلتي، المكان صاخب نوعاً ما، مئات الأقدام تسير في وقت واحد وفي كل الاتجاهات، الأطفال يركضون فرحين بالإضاءة القوية  في المكان، وبالمساحة الواسعة، والأرضية التي تساعدهم على الانزلاق، تعجبت من أبائهم كيف يتركونهم، عصير منسكب هنا، وماء هناك، وبقايا طعام تركته العائلة التي كانت تجلس بقربي، مئات الكلمات سمعتها وبلغات كثيرة، حتى ماقيل باللغات التي أعرفها لم يكون عندي معنىً واضح، بدت الكلمات متحركة كالأشباح اللذين يمرون من أمامي، أخذت أراقب الناس في كسل، لست فضولياً ولم أكن أراقب بمفهوم المراقبة، يمكن أن تقول أني كنت أنظر إليهم في تثاقل، أبتسم لاختيارات الناس وأذواقهم، الملابس أيضاً كانت مزيج ألوان، الروائح كذلك كانت متنوعة، بعضها يشعر بالغثيان، تماماً كأشكال وألوان الملابس التي ارتداها أصحابها.

انطلق صوت الموظف يعلن عن الرحلة، كانت رحلتي بالفعل، ووقف العديد من الأشخاص في نفس الوقت، اختلطت مشاعري، بدأت أشعر بالتعب، تذكرت الامتحانات المدرسية، أكرهها، ظللت أتوتر حتى حين بلغت المرحلة الجامعية، يكفي أن تقترب الامتحانات لأبدأ الشعور بالغثيان والتعب. وقفت في صف غير مستقيم، لم يكن صفاً كان خطاً متعرجاً فيه زوائد كثيرة على امتداده، أناس يحاولون الدخول وكأنهم يخشون أن يفقدوا مقاعدهم، شعرت بالضيق، تعودت على النظام ولا أحب هذا المنظر، وأخيراً وصلت إلى موظف الخطوط الجوية، سحب البطاقة وهو يبتسم، مزق قطعة منها وأعطاني جزءاً متمنياً لي رحلة سعيدة.

جلست في مقعدي وربطت الحزام، ثم أغلقت عيني ونمت، كنت أريد الوصول بسرعة، لم يغب شعوري تماماً، فمن حولي الكثير مما يصلني لينغص عليّ، بكاء طفل، رائحة طعام التصق بملابس مسافرين يجلسون خلفي، روائح البهار الشرقية وعطور مقززة، ورائحة عرق حامض من الرجل الجالس بجانبي.

وأخيراً وصلت الرحلة، زكم أنفي هواء المدينة، كل ماشممته في الطائرة تكرر هنا ولكن بشكل أوسع، لم أر بشراً العدد من قبل، سيارات، دراجات نارية، وأنواع كثيرة من البشر يسيرون معي ومن حولي. ركبت سيارة أجرة وطلبت منه أن يأخذني لفندق نظيف، انطلق وهو يشعر بالسعادة، أحسست أنه سعيد لأنه يتوقع أن أعطيه الكثير، كان يتحدث معي ولاينتظر إجابتي، ولم أكن أفهم شيئاً مما يقول. توجه لفندق متوسط الحجم، ولكن حسن الترتيب، بعد أن أنهيت إجراءات السكن سألت الموظف هناك عن أماكن السياحة في بلده، أخذ يعدد لي المدن ويذكر مميزاتها، ذكر مدينة كنت أنتظر سماع اسمها، قرأت عنها من قبل، أشرت إليها بدأنا نتكلم عنها، ولكن كان لكل منا تصوراته.

–        المتاحف هناك كثيرة، سما لي عدداً منها وتظاهرت أنني أدون الأسماء.

–        وكيف أصل إليها؟

–        يمكن أن تستأجر سيارة، سأرتب لك الأمر إذا أردت، ولكن أنصحك أن تتجه إليها عن طريق الجو، سيكون الأمر أسهل عليك.

في يومين كان كل شي قد أُعد، رتب لي الموظف أمر السفر، وحجز لي فندقاً وسافرت. لم أعد أهتم كثيراً للناس، شعرت بالضيق من الازدحام. وعلى الرغم من ذلك كنت أعرف أنني لابد وأن أنتوجه للأسواق لعلي أحقق ماأريد. لم أتكلم مع أي إنسان هناك.. بقيت فترة من الزمن أتنقل بين الأماكن، الأسواق، المتاحف، القرى، الجبال، وفي النهاية وصلت لهدفي الذي أريد.

–        مجاهد؟

–        لم أرد.

–        لا تخف، أنا أريد مساعدتك.

–        بماذا؟

–        تريد الوصول؟

–        لم أرد عليه، ابتسمت وتأملت ملامحه، صغير في سنه، يبدوا أنه ذكي، ولا تخلوا ملامحه من خبث، ربما الحياة علمته كيف يبدوا كذلك.

–        حسناً إذا دفعت لي سآخذك هناك.

–        أشرت إليه، ومشيت.

–        تبعني، جلسنا في مكان مزدحم بالناس.

–        بدأنا نتكلم عن الثمن.

اتفقنا أخيراً على ثمن مناسب، وحددنا موعد التحرك، قال لي أن الطريق شاق وطويل، مر علي في الفندق قبل الفجر، وانطلقنا كالغرباء، كان علينا الوصول لمكان آخر نرتاح فيه، ثم نتحرك ليلاً نحو الجبال، سرت معه، لاأعرفه، ولم أفكر كثيراً في الأمر، لكن لم يكن لدي خيار آخر، أعرف أن الطريق صعب ولكن لا بد من المخاطرة.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: الرحيل الجديد> يتبع > الحلقة التالية: جبال قاسية)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

الرحيل الجديد

لم يتوقف الثلج منذ البارحة، رجعت لطاولتي ثانية، أحتاج لشراء كمية من الشموع، نظرت للأوراق أمامي مرة أخرى، لاحظت أمراً غريباً، لماذا لم أتكلم عن حياتنا في الجبهة؟. كنت أشير فقط للألم فيها. ربما لأن الأيام السعيدة تنقضي بسرعة، أتذكر أول وصول لي للمعسكر والتعرف بالأنصار هناك، كان مدربنا رجلاً عجيباً، أحببته، أحببته بعمق. قال لي أنه يحبني وأسعدني ذلك، ورحل كما يرحل الآخرون، ليتركني وحيداً.
كنت من أشبه الناس به، يظن الناس أنني أخوه، وقد كنت كذلك فعلاً ولو لم تجمعني به رابطة الدم، كان أبو الشهداء، وكان قائد القادة، أكرمه الله بلياقة بدنية عالية فسخرها لطاعته، وكتم عن الناس الآم قلبه النفسية بسبب غربته والعضوية بسبب مرضه. حدثني كثيراً عن رغبته في الشهادة، وعن ألمه بسبب تأخرها، كان يروي لي مايراه الأنصار فيه من أنه سيقتل ، يتحدث معي في سعادة الأطفال وصفائهم، وحدث أمر دفعني للرحيل.

 

– لماذا سترحل وتتركنا؟

– لا أريد أن أرحل، ولكن هذا هو قرار القائد، وهذه هي المصلحة.

– ستعود؟

– بالتأكيد، وسنلتقي، هنا أو في مكان آخر.

– اسمع، منذ زمن لم أقل هذا الكلام.

– …..

– أحبك في الله.

– فرحت بكلمته، فقد عنت لي الكثير، أحبك الله الذي أحببتني فيه، أجبته وأنا مطأطئاً رأسي.

– أريد أن أهديك شيئاً، لاأعرف ماذا أعطيك، ثم تلعثم ولم يجد شيئاً يقوله فارتبك وقال: فقط… خذ ابني هدية لك.

– …..

– علمه كل شي تعرفه.

– وافترقنا وهذا هو الحال في كل مرة، كانت الأيام تمر علينا سريعة كحال لحظات الوداد، فإذا بنا نعد الثواني واللحظات، أتذكر الشهداء الذين قابلتهم، كانت الحياة محطة يرتاح فيها الشهيد قبل أن توافيه منيته، بحث عن الشهادة حتى كل وتعب، ولكن الله كان يدخره لأمر أكبر.. تمناها ولكن لو رحل من سيعد العشاق
لمصارعهم.

جاءت فترة الرباط الشاقة، بحرها وبردها، وبقي ثابتاً كالجبل مع الأنصار. اليوم إن مررتَ من هنا، سترى النهر جارياً بقوة، يخبر صوت هديره أنه من بطون الموت التي ضمت الشهداء، ويعلن أنه صورة من صور المنية المعدة للأحرار.

نعم رحل مع الأمواج مرابطاً غريقاً مبتسماً، وبقي ابنه الشهيد مجاوراً لقبر أبيه، وبقيت أراه يوماً من بعد يوم، أتذكر هديتي مبتسماً، وأودع أباه الشهيد.
أتذكر يوم رحيلنا إلى الجبهة.. ودعنا الذين سيبقون وهم يبكون، يريدون الذهاب، وكنا سعداء نحاول غرس الصبر والأمل في نفوسهم، مرت أيام جميلة في التدريب، صعود الجبال وفك السلاح والحراسة وتعلم أمور الحرب، ولكن كان للرحيل للجبهة طعم خاص، أخذنا نضحك وننشد طوال الطريق ويذكر بعضنا البعض بالنية، نضحك كالأطفال، الكل يتمنى الشهادة والكل يتوقع أن يقتل.. وقتل الكل إلا.. أنا. أتذكر يوم أن قلت لأحد
الأنصار أنني سأقتل، فضحك وقال: بل أنا من سيقتل، وأتذكر يوم أن قال لي أحدهم ستقتل وقلت: بل أنت الذي ستقتل.. وقتل فعلاً. رحلوا جميعاً.

 

أتذكر الشيخ الكبير، والطفل الصغير، أتذكر الجبهة والمعارك، أتذكر خندقاً صغيراً ينام فيه أربعة وكلب شريد يأتي من الغابة يلتصق بهم طلباً للدفء والطعام، أتذكر طعم القهوة تحت القصف، أتذكر الخبز الأسود، أتذكر ولكن لماذا لا أكتب عنها. دعها أخي في صدري فالذكرى تقتل قلبي.
لم أطق القعود عند عودتي، نقص وزني كثيراً وبكت أمي كثيراً، كانت حبيبتي جاهزة تنتظر الرحيل، وحان موعد الرحيل الجديد.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: وصول ورحيل> يتبع > الحلقة التالية: غرباء)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

صفحة 1 من 212»