التمساح

a

” وبدأت سلسلة روايات تعتمد على التصورات الشخصية في مواجهة النصوص دون أن يستوعب المتحدث موقف “القياس في مواجهة النص” أو حتى الاجتهاد ومعارضة الدليل”

 

هل راقبت التماسيح وهي تصيد وقت هجرة الحيوانات؟

تضطر الحيوانات أن تعبر النهر حين يتربص بها الموت. فكٌ هائل يقتل بلا حاجة، ولا تمييز، المهم الحصاد والعودة لاحقاً للفريسة.

السلة

السلة

أستطيع القول أن كل ما كتبته في حياتي من مقالات هو تجارب مررت بها.. ويمكن أن يقول لي البعض “ممن فهموا الألم في كلامي” إذاً أنت سلة الآم.. كلا، بل أنا سلة تجارب.. وسلة تفاؤل.. ولكن الفرق أن البعض لايحتوي ما يمر به.. بينما أحاول جاهداً احتواء كل ما يمر علي في حياتي البسيطة جداً.

من السهل أن نمر بالتجربة ونتركها.. لكنني أرفض هذا الأسلوب.. وأتابع الأمر بفكري في تعقل أهدف من ورائه إلى النظر في أعماق الموقف، علني أجد فيما أراه نوعاً من الأنس، أو الثبات، أو العزم، أو غير ذلك مما يأخذ بيدي لتحقيق أهدافي.. وترسيخ مبادئي.

البيادق

 8975858457_5b57350069_z

كتبت سابقاً عن الشطرنج.. ليس من حيث الحل والحرمة وإن كانت هي الأصل، ولكن من ناحية أخرى هدفت من خلالها العيش في آفاق تربوية تأملية. وقد لقي الموضوع صدى متبايناً في نفوس الكثير.. فعاش البعض في آفاقه وبقي البعض يفكر ويعيد النظر في المعاني، فيصل لأمور ويبتعد عن أخرى ويتقلب في رحال الموضوع.

اليوم أعود ثانية للشطرنج.. ولكن ليس للرقعة بل للبيادق، أي لاعبي الرقعة. فإن كنا قد قلنا أن حياتنا تشبه رقعة الشطرنج في بعض جوانبها فإننا من ناحية أخرى لابد وأن نكون بيادقاً نتحرك ضمن إطار الرقعة.

الحركة المختلفة للاعبي الشطرنج تغطي الحركات المحتملة لدينا.. فالمسير البطيء الثابت في المقدار والاتجاه.. أو الوثوب في حركة جانبية وتخطي كل العراقيل.. والمشي بشكل قطري وضمن إطار واحد ثابت في الشكل والمضمون.. والحركة الحرة في كل اتجاه وبأي مقدار.. كل هذه حركات سنراها من خلال أقل معرفة ونتعرف عليها وعلى نتائجها.

–       يمثل الجندي أقل التحركات.. إذ يتحرك في اتجاه واحد وبخطوة واحدة. ولكنه من خلال هذه الحركة توفر لنا:

* التغطية لمن بعده من البيادق القوية.. وهو بهذا يعطي صورة للتضحية في واقعنا، نتعلم من خلالها نموذجاً متميزاً للجندية المنتجة المضحية. فما ضر أن يتنازل من أجل بيدق هو في الحقيقة أكثر نفعاً.. وما ضر أن يعترف بأنه أكثر فائدة.

* التقدم وإحراز النتائج.. وامتلاك مربعات جديدة، وإضافة حدود جديدة لي.. فعلى الرغم من البطء والمحدودية إلا أن التأثير موجود.. فلا يحقرن أحد دوره في الحياة.. فالكل يعمل، والكل يبذل.. ولو كان البذل يسيراً فإنه سيثمر.

بل ربما تزداد الثمرة بوصول الجندي إلى آخر الرقعة.. وهنا تنتهي مهمته.. وتكتمل رسالته.. ويصل لدرجة أعلى من البذل حين يعيد إلى الساحة بيدقاً آخر يكون قد أصيب في مرحلة من مراحل اللعبة وخرج، يعيده ليواصل العمل.

* القضاء على بعض بيادق الخصم.. ليمهد حركة البيادق الأخرى التي تقف بجواره.. ولينهي تحركات خصمه.

وبودي أن نتأمل في الرقعة.. فلكل حجر دوره في المعركة.. وبينما تقف البيادق الكبيرة في الخلف.. نجد هذا البيدق قد وقف شاهراً رمحه في وجه عدوه.. ضاغطاً على أسنانه في عزيمة وإصرار.. وباذلاً في صمت نتعلم منه.

–   ونرى القلعة قد احتلت أطراف الرقعة.. وبحركة حرة غطت الأمام والجانب.. موفرة حماية لبقية البيادق ومشكلة خطراً يعرفه أهل اللعبة.

–   ثم ننتقل إلى الفيل وحركته القطرية الغريبة.. وظاهرة التخصص في الحركة.. وتغطية جانب معين من الساحة.. ومع أن أحدهما يتحرك ضمن المساحات السوداء فقط إلا أن النتائج المشرقة التي يحرزها، وكذلك المصالح التي يحققها تجعله يبقى في مكانه المظلم راضياً.. وكأنه في واقعنا يقول بأن لابد من رجال يعملون في الليل لينام المجتمع آمناً.. كما ولابد أن يعمل أشخاص في الظلام ليحمي الآخرين ولتبصر الأمة النور.

–   الحصان.. لاشي يقف في وجهه فحركته المتميزة تؤهله لتجاوز أي عقبة أمامه.. تماماً كما يحدث في حياتنا.. حيث يستطيع البعض تجاوز العقبات الموجودة.. وهذا التجاوز في الحقيقة يحتمل أن يكون بطريقة مشروعة صحيحة.. ويمكن أن يكون بطريقة أخرى غير شرعية.. ويحكم الأمر هنا إيمان الشخص.. وتؤثر الهمة كثيراً في حياة البعض.. الكل يمكن أن يكون حصاناً.. ولكن البعض يحب أن يبتعد عن الأمور العالية.. ويرضى أن يكون دائماً في الأرض.. فروحه لم تألف التحليق.

–   وبنقلة واحدة فقط نصل إلى الوزير.. ذلك البيدق الجبار، الذي يتحرك في كل الاتجاهات.. فليس لصلاحيته حدود.. فهو وثاب دائماً.. ومصدر خطر كبير.. ولذلك فهو مؤثر، ويستحق بجدارة أن يكون موضع ثقة الملك.

–   وأخيراً نصل إلى الملك.. ومع أنه أقل البيادق حركة.. إلا أنه أكثرها تأثيراً.. فهو الموجه والإداري.. وباسمه تتحرك كل البيادق.. وبنهايته تنتهي اللعبة.

والآن..

رحلنا مرة أخرى مع الشطرنج.. ولو تأملنا قليلاً لوجدنا في كل شي حولنا رابط يدفع لعمل.. ولكن لمن؟ لعالي الهمة..

 

(الصورة بعدسة: Fer Montero)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

المغناطيس

13061616553_271c101165_o

 الألوان تعرِّف ولا تغيّر، الحقائق والأدلة نضعها ونميّز بينها بعلامات وألوان، هذه هي الفكرة ببساطة، ولكن الألوان لاتغيّر المواصفات، لاتعطي شيئاً جديداً، لو كان التغيير سهلاً لكان الإنسان ألف إنسان، كلما تعثر في مرحلة من حياته أبدل نفسه بأخرى.

المغناطيس بأقطابه أوضح مثال على ذلك، فأقطابه ليست حمراء ولا زرقاء، ولكنها موجبة وسالبة، اللون يدل عليها، لو أبدلت اللون سيبقى لكل قطب خواصه الأصلية، ولكل قطب تأثيرات على المحيط من حوله.

في تعاملاتنا مع الأقطاب سنخضع لذات القوانين الفيزيائية، سننفر ونصطدم بمن يتوافق معنا في الخصائص، سيكون من الصعب وجود قائدين في محيط واحد، حتى في عالم الغاب سيكون من الصعب وجود قائدين للقطيع، من الصعب البقاء في نفس المسمى لشخصين يحملان نفس التفاصيل، سيسعى واحد منهما للتميز والتقدم، صحيح أننا قد نجامل ونتعامل وتدور العملية، ولكنها تدور بتكلف كما نفعل حين نمسك قطبين من نفس النوع بيد واحدة محاولين فرض بقائهما ملتصقين. لاشيء يجمعها سوى القوة التي تتحكم بهما، سوى القانون الذي فرض بقائهما في منطقة واحدة متقابلين.

مهما اقتربنا في حياتنا الشخصية فسيبعدنا التشابه في المواصفات، نحتاج إلى التعددية لنتعايش، نحتاج إليها لنتكامل، يكون التكامل بلقاء الصفات الملائمة، لماذا ننجز جميعاً نفس المهمة؟ لنكل المهمة للأكفأ ولنقم نحن بما نحسن عمله، الموجب والسالب في المغناطيس هي مؤهلات ومواصفات، ضع نفسك في المكان الصحيح لتعمل مع الفريق بشكل صحيح وتنتج.

المغناطيس قائد موثر، غالب المحيط من حوله برادة تتجمع في انتظار توجيهه، الخير موجود فيها كالخير في الأرض المباركة التي نعيش عليها، لكنها تحتاج من يطهرها وينقيها من الشوائب العالقة بها، ومن الايجابيات التي قد تظهر في وقت لانحتاجه فتكون أقسى في ضررها من السلبية، كالرغبة في القيادة ومخالفة القوانين التي تنزع في صدور البعض فيعارضوا بها الأكفأ ويشتتون الفريق.

برغم الخير في الناس إلى أنهم يدورون حول الأقطاب، ليس لهم إرادة، ينتظرون راي القائد ليعملوا به، حتى من كان يملك الراي سيخاف من اتخاذ القرار وينتظر غيره ليقرر بدلاً عنه، جرب أن تضع البرادة فوق ورقة وتحرك المغناطيس أسفلها، اذهب يمنة ويسرة وراقب كما كنا نفعل حين كنا صغاراً البرادة اللاهثة حول القطب، نحركها في عبثية لنستمتع بمنظرها وتشكيلاتها، وهكذا يفعل القائد لو لم يكن مؤهلاً وذو رؤية واضحة وأهداف محددة، سيلعب بعقول وقلوب الكثير ليحقق ابتسامة وقتية، ثم يرمي بهم ليبعرثهم دون أمان، ولا انتماء ولا هوية.

لايوجد غيرك في القيادة، فلا تنتظر أن تجد قائداً في البرادة، ولأنك المغناطيس فضع نفسك في مكانك الصحيح مع المغناطيس من حولك لتتم الدائرة وتصلون جميعاً لهدف مشترك. الثياب التي نلبسها لاتغير مواصفاتنا، لاتهتم بالألوان وتأكد من أصالة الصفات.

(الصورة بعدسة: Björn Wunderlich)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

المصانع النابضة

7653803862_865cb6d5ca_o

بين الأسرة والإدارة، وفي محاولة ليس لربط الإدارة بعلم النفس أو بالأسرة، بقدر ماهي محاولة لضرب أمثلة من واقع نعيشه وفتح باب للتأمل في المحيط الذي نعمل في حدوده ونمثل بعض موارده.

الأسرة تشبه المصنع، ليس على الإطلاق لكي لا يعتب عليّ زملائي في المهنة ممن يعانون من ضجيج الآلآت. ويحاولون الهرب إلى أحضان أسرتهم حيث ينشدون الهدوء. ولكي أكون أكثر تخصيصاً فالأسرة تشبه وحدات الإنتاج، وكفلسفة إدارية أقول بان جميع وحدات المصنع هي وحدات إنتاج بصورة من الصور، فإدارة الإنتاج تنتج مواداً نهائية تمثل المنتجات التي تقدمها الشركات (المنتج النهائي)، وإدارة الموارد البشرية تنتج برامج خدمات وتأهيل الموظفين لتساعدهم على التفرغ للإنتاج (خدمات الموظفين والخدمات المساندة)، وإدارة المالية تنتج موازنات ومقارنات وسيولة تحقق الاستمرارية الآمنة للشركة (خدمات مالية ومسيرات). وإدارة التسويق تعمل خططها لإنتاج مبيعات وأنشطة إجتماعية، وهكذا فكل إدارات المصنع تعتبر وحدات إنتاج مع الفرق في طبيعة المنتج وعملية الإنتاج. ولكنها في النهاية تنتج منتجاً يحقق الربحية للشركة، والاستقرار للموظف، والفائدة للإقتصاد والمجتمع.

والأسرة بهذا المفهوم ليست بعيدة عن هذا الأمر، فهي تنتج استقراراً، وأمناً، ونمواً اقتصادياً واجتماعياً، ومعرفةً، وسلوكاً، وغير ذلك. ولأنني رجل أنادي بوضع المعايير التي تمكن من قياس الإنتاج ووضع ضوابط رقمية للنجاح فسأحاول أن أضع أمثلة للمعايير التي يمكن من خلالها قياس الأداء وتسهيل عمل المقارنة للأسر الكبيرة خاصة، فلكل عملية إنتاج معايير نقيم من خلالها أداء الإدارة فعلى سبيل المثال:

– المعيار الأول.. نوعية الإنتاج: وتشمل النوعية عدة معاني ومنها:

1. نوعية المنتج: كالحب، والعمل، والترفيه، والتنظيم، والتخطيط القريب والبعيد، وغير ذلك.

2. نوعية الإنتاج: وفي الأسرة تعني الوسائل المتنوعة لتقديم المنتج والذي هو عبارة السلوك السابق من حب وغيره، وتحديد البرامج الملائمة التي تحقق وصول المنتج إلى الشريحة المستهدفة، وضمان أقصى درجات الفائدة منه.

– المعيار الثاني.. كمية الإنتاج: ولكي نحقق التميز في الإنتاج لابد أن نراعي الآتي في الكمية:

1. أنه تلبي الكمية المنتجة الحاجة في الأسرة والتي تمثل (السوق المستهدف).

2. أن تكون الكميات المنتجة تحقق الربحية، أي أنها تغطي المصاريف التشغيلية لها، ومن هنا يبدوا لنا خطر غياب الفهم الأسري للإختيارات القرارات، والتقليد الغير متزن لما يدخل على السرة من تقاليد تصرفها عن المنهج الصحيح الواجب اتباعه. فتختار الأسرة منهجية غير ملائمة، ثم تكتشف إن استثمارها كان خاسراً.

– المعيار الثالث.. الجودة: ولا يكفي أن تقوم وحدات الإنتاج بعملها، بل لابد من تأكدها من أنها تسير وفق ضوابط المنشآت ومعايير الجودة، وإلا فإن هناك إدارة ستمارس عمليتها الإنتاجية هي الأخرى وأعني إدارة الجودة، وستقف على وحدات الإنتاج لتتأكد من جودة المنتج الذي ستقدمه، وسنجد أنفسنا بين عدة خيارات:

1. أن يكون المنتج ذو جودة عالية ويحقق التميز. فيكون له الأفضلية بين المنتجات التي تطرح في السوق.

2. أن يكون المنتج ضمن معايير الجودة، ولكنه ليس الأجود. فيخضع لجداول المقارنة وقد يفضل عليه غيره في حال وجود منافسة متميزة.

3. أن يكون في المنتج عيوباً تؤثر عليه ولكن قد يصلح للإستخدام في بعض الظروف الطارئة، أو لفترة زمنية معينة.

4. ألا يكون المنتج صالحاً. ولن يشتفع في هذه الحالة توفر كميات كبيرة منه، لإنها كلها غير صالحة، وكذلك لن تنفع الأساليب فالنية الطيبة لا تشفع في بعض الأوقات. وفي هذه الحالة سيتم التخلص من المنمتج، وتضخع الإدارة المنتجة للمسائلة إذا لزم الأمر.

– المعيار الرابع.. الخدمات: وهي من أكبر الأمور التي تمكن من التفريق بين شركة وشركة في حال تكافؤ المعايير السابقة، فزيادة الخدمات تتناسب طردياً مع حجم التنظيم في المنشأة، وكذلك تتناسب طردياً مع حجم الإقبال على المنشأة.

يمكن لمن تزوج بأكثر من زوجة أن يقارن بين أداء الزوجتين على ضوء المفاهيم الإدارية السابقة، وفي تصوري أن الأمر سيكون سهلاً ومقبولاً وعملياً لا يترك فرصاً كبيرة للعتب بسبب النقد الموجه. فالأمر بيد وحدات الإنتاج (أي الزوجات)، أن تعمل ضمن المعايير لتضمن الجودة والملائمة لمنتجها، وأن تدرس السوق والحاجات الفعلية لعملائها اللذين هم أفراد الأسرة. مع مراعاة:

1. المنافسة القائمة في محيط العميل.

2. الاحتياج الحقيقي للعميل.

3. طبيعة المنتجات المقدمة.

4. الوضع التنافسي والحصة السوقية أو الدور الذي تقدمه إدارتي ضمن الشركة التي أسميها الأسرة.

وأيضاً يمكن أن ننظر للأمر من زاوية أخرى.. فالأولاد وحدات إنتاج.. والأقارب وحدات إنتاج.. والوالدين وحدات إنتاج.

وأخيراً لماذا كانت مصانع نابضة ولم تكن مصانع حية؟

لأن الحياة تحمل العديد من الإجراءات وهي قد تكون شروطاً تعجيزية أو بمعنى أصح فيها صعوبة وتكاليف، ولكننا في الأسرة نقبل النبض فهو بلا شك يحمل منتجاً نحتاجه ونبحث عنه ونسميه (الحب).

 

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

 

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

السنجاب

6250498399_cef87b8a27_b

هناك تشابه بصورة من الصور، بيننا وبين بعض الحيوانات الأليفة التي نسمع عنها وربما رباها البعض منا. ولنأخذ مثلاً على ذلك السنجاب، حيوان جميل يعيش في الغابات، ولأن الجزيرة صحراوية فهي لاتمثل الموطن المناسب له، مع أنني قد اقتنيت واحداً وكنت أشعر بالتميز لأجواء الخيال التي أضافها إلى منطقتي الفكرية.

القفص الصغير الذي هيأته له كان يمثل بيئة الاستقرار التي أحلم بها ويحلم بها كل موظف، كما وأن الدولاب الخشبي الذي يجري داخله كان يمثل طرق وصولنا إلى أهدافنا، وحالنا في الجري واللهاث يشبه السنجاب الصغير المنطلق داخل العجلة.

لا يتعدى واقعنا القفص، بينما تنطلق أفكارنا إلى الخارج بسرعة مذهلة، وكأننا وصلنا إلى قمة مساحة الحرية في بيئة السنجاب الحقيقة وارتقينا آمالنا بسرعة ارتقائه اشجار الغابة.

بعض الناس يخلطون بين الواقع والخيال، فيرفض الاقتناع بأنه محبوس في قفص، محبوس في الوظيفة، أو في المنزل المسـتاجر، أو في المؤهل المتواضع، أو في الطموحات الصغيرة. ويصر أن يجري مغمضاً عينيه ويشعر بملامسة السحاب والسماء الواسعة من حوله، ويحقق لنفسه السعادة، ولكنه لن يجرؤ على فتح عينيه، لأنه سيصطدم بلا شك بالدولاب الذي يجري داخله أو بجدران القفص.

كلنا يريد مساحة الاستقرار هذه، ولكن هناك فرق بين شخص وآخر في تعاملنا مع المعطيات وواقعيتنا في الحكم، الحياة التي نصنعها بخيالنا لاتمثل حقيقة عند الآخرين، وربما كانوا يعيشون الوهم نفسه، ولكنهم أقدر على رؤية أوهام الآخرين، من التبصر بأوهامهم.

الدولاب هو مفذنا الوحيد للحرية والإنطلاق، سنظل نجري داخله محققين الوصول إلى الأهداف، ثم ننزل مرة أخرى مرتطمين بإناء واقعيتنا أو بماء عيوننا المبعثرة على الأرض الصغيرة للقفص. وبالرغم من ذلك فالجري يشعرنا بالرضا، وقد نقنع أنفسنا بوصولنا إلى الرضا وعدم الأسى على مالم يتم تحقيقة ومالم نلامسه، ولكن الرضا الذي سيتشكل في داخلنا ليس الصورة الصحيحة التي يراها من هم في الخارج.

في الخارج هناك عالم أكبر من عالم الداخل.. وهناك عيون تراقبنا:

–       فعين هي التي تسببت في وضعنا في القفص، وقد يتم ذلك الأمر بعدة طرق:

* بطريقة مباشرة من خلال فرض القيود الفكرية والنفسية علينا.

* بطريقة غير مباشرة من خلال إعطائنا صور وهمية أشبه ماتكون بالتنويم المغناطيسي، وعلى المدى البعيد أدى ذلك إلى غياب الحقيقة عند الكثير واقتناعه بأن القفص هو البيئة الحقيقية.

–       وعين ترانا وتبتسم لنا في حال نجاحنا في التأقلم مع بيئتنا الصغيرة، ولكنها لم تساهم في تحريرنا، وقد ترى أن هذا المكان حقيقي بشكل من الأشكال، وهو الأنسب لإمكانياتنا.

–       وعين سنجاب حر يجري بين القفص وبين الأشجار في محاولة لاستدراجنا وتحريرنا، واقناعنا بأن نتبعه إلى الخارج حيث الحياة الحقيقة. ومشاعره تتأرجح بين أمرين:

* الألم لرؤيته واحداً من بني جنسه محبوس في يد صياد.

* العجب حين يرى سنجاباً مقتنعاً بالعيش في قفص، متخلياً عن المساحات الواسعة في الخارج.

بالنسبة لي هناك فرق بين بيئة حتى لو كانت صغيرة ومليئة بالمخاطر ولكنها حقيقية، وبين بيئة توفر لي الحد الأدنى من الاحتياجات، أو توفر لي كماليات لا أريدها وافقد ضروريات أنا في أشد الحاجة إليها.

والبيئة الخارجة على خطورتها إلا أن فرصي في الحياة فيها أكبر. وبالمقارنة بين الداخل والخارج سنصل إلى الآتي:

–       الخطر الداخلي.. يتمثل في: نسيان أوقات طعامنا، غياب العناصر الرئيسية في المعطيات التي تلبي احتياجاتنا ويتم تقديمها لنا، العبث من الأطفال، ونوبات الغضب التي تعتري المنعم علينا بالقفص، وغير ذلك.

–       الخطر الخارجي.. يتمثل في: كواسر تسعى لاقتناصنا، صيادون يريدون وضعنا في قفص، وغير ذلك.

ولكن فرص النجاة في الخارج أكثر.. فلن تجد سنجاباً يستسلم لصياد أو لكاسر من الوحش أو الطير، ولكن المساحة الضيقة في الداخل ستجعلنا في متناول كل يد تريد إيذائنا، وفي النهاية تمرض قلوبنا ونموت أو تموت.

 

(الصورة بعدسة: Barbara)

المدينة الصناعية

6646218209_6c685218af_o

في العقد الأخير من عمري ارتبطت بالمصانع بشكل كبير.. ومع أنني أحب حياة الريف إلا أن العمل داخل المدن الصناعية وبين الآلآت كان مريحاً لي بشكل أكبر من رفاهية المكاتب. ربما يعود السبب إلى أن التعامل مع الآلآت يعد أسهل مقارنة بالتعامل مع البشر.. وكلما اقتربنا من الإدارات العليا كلما زاد التعب في التعامل، واضطر الإنسان أن يلبس أقنعة وأردية تلائم المواقف التي يمثلها. ولكن المدينة الصناعية ببواباتها العملاقة، ومصانعها، ومداخنها، وطرقها الواسعة لا تبتعد كثيراً عن طبيعة النفس البشرية وصفاتها.

بوابة المدينة تمثل المدخل إلى النفوس.. وبالرغم من اتساعها فإن أوقاتاً تمر بالنفس تشعر فيه بقدرتها على احتواء البشر.. ثم تضيق هذه النفوس فتزدحم المواقف والذكريات والأشخاص.. وتختلط الصور وتمتزج الأصوات فلا تقبل منها شيئاَ ويكون تعطل في السير وتعطل في التواصل الاجتماعي بين الناس.

والحواجز الأرضية.. أو المطبات هي القوانين التي تسنها النفس للتعامل مع الأخرين.. فهناك خطوط لابد من التوقف عندها، وهناك خطوط تمنع التجاوز، ولوحات توجه السير، ولوحات تمنع المرور والدخول، وفي كل منعطف في النفس لوحة، وأمام كل وحدة إنتاج لوحة، وهذه هي النفوس التي تحيط نفسها بالعلامات لتضمن الاستقلال والحصانة. وما القوانين إلا الحياة التي تسن علينا شريعتها، فتحكمنا من خلالها.

الطرق الواسعة تضيق في النفوس.. وهي كذلك في المدن الصناعية.. ولكننا مع تعودنا على مشاكل طرق المدينة أصبحنا نعرف أفضل المسالك للوصول إلى أهدافنا دون أضرار.. أما النفوس فإن تغير اتساعها ينتج عن أهواء أصحابها، فلايمكن التعامل معها بوجه واحد، بل نضطر أن نتتبع رغبات الأشخاص علنا ننال في نفوسهم حظة، أو نجد طريقاً إلى قلوبهم.

أما المصانع العملاقة بمداخنها فليست سوى الأشخاص أنفسهم.. ففي كل نفس مدخلات ومخرجات.. معلومات وسلوك.. ولكن الفرق أن دخان المصانع وزيوتها أقل ضرراً من تنافس غير شريف، أو سلوك غير حميد، يدفعه الرغب والرهب، وتحوط به المصالح والأثرة. فيقع في خلد الإنسان أن التعامل مع المصانع بضجيجها أرق من التعامل مع البشر بعواطفهم الميتة.

إن ماتطلقه النفوس البشرية من الغازات المضرة بالسلوك والتربية والاسقرار النفسي أكثر بكثير مما تطلقه المصانع من دخان ومخلفات، كما وأن التعامل مع غازات المصانع وأضرارها أسهل بكثير من التعامل من الآثار السيئة التي تخلفه النفس الإنسانية في محيطها، بل وفي ابعد من ذلك المحيط.

ومع أن بعض المصانع البشرية تنتج، إلا أن بعض من لديه القدرة على الانتاج، ومعايير الإنتاج، لايسير بحسب الخطط الأفتراضية المرسومة.. فلا هو متقيد بمعايير الجودة في المنتج، من إحسان العمل، وبذل الوسع في الإنجاز، والمبادرة، والعمل بروح الفريق. ولا هو منتج بحسب طاقته الإنتاجية، وقد يخالف أصول الإنسانية فيحتكر في زمن الشح، ويبخل في زمن التضحية من أجل تحقيق العائد الشخصي دون العناية بالجو العام الذي يحوطه ويعيش فيه.

المصانع دلالة النهضة في الأمة، والبشر أيضاً لايقلون عن المصانع أهمية.. وكما نقوم بالصيانة للآلآت فإننا نحتاج إلى تقديم جدول دوري لتفقد الإنسان والعناية بالترسبات التربوية والفكرية التي تملأ عقله وقلبه وتسبب تأخر دورانه وإندماجه مع محيطه ومواكبة الواقع.

وكما للآلآت مواداً استهلاكية فكذلك الإنسان يحتاج إلى مصاريف تشغيلية.. فالابتسامة، والمعلومة، والخدمة، والهدية، والتواصل، والسعي في قضاء حوائج الناس، والكرم، وغير ذلك. كل هذه تمثل مفاتيحاً لاستخراج أفضل النتائج من الآخرين. وهي أيضاً تضمن سلامة المجتمع والعاملين فيه.

إن دخولي إلى المصنع في الصباح وأنا ممتلئ نوماً وخروجي منه آخر النهار باسماً متعباً مشتاقاً إلى أولادي.. أحب إلى من دخول مكتبي مبتسماً ورائحة القهوة تزكم أنفي، وخروجي منه آخر النهار مملوء هماً وضيقاً غافلاً عن أسرتي ونفسي بسبب ضيق صدري مما أسمع وأرى.

وفي كل مقارنة بين البشر وغيرهم أجد نفسي أخرج خاسراً.. لولا الرسالة والتكليف لما كان للنفس قيمة.

(الصورة بعدسة: شيماء kw)

الطبيعة القاتلة

6357313887_657e962190_o

أعشق الريف، لا أميل للمدن، وحتى في حبي للمدينة أحب مستوى معينٍ من الرفاهية والخدمات، لأن رحلتي عكسية، الأصل عندي هو الريف، الهدوء والطبيعة، كل التضاريس تأسرني، مهما بلغت قسوتها أو سمّيتها، يتساوى عندي البركان بغازاته، والبحر بأمواجه، والصحراء برمالها، والجبال بصخورها ووديانها. المرأة عندي عالم من الطبيعة، تحتوي كل التضاريس، وتمتد على طول الزمان والمكان في حياتي، مراحل عمري منذ الولادة وحتى لحظتي الحالية، وجغرافيتي المعيشية والدراسية والمهنية والسياحية.

الغابة الاستوائية غنية بالأشجار والمخلوقات، تعدد الألوان والأصوات والروائح سيربطني بتنوع المرأة في الكرة الزرقاء، ويوحي لي كذلك بتعدد طباعها وأساليب تعاملها، التنوع في الكم والكيف تاركاً لك الخيارات الغنية والقاتلة، الرائحة الطيبة والغاز الذي يمزق جيوبك الأنفية وصدرك ويتركك مختنقاً جاحظة عينك من الرعب والألم، المرأة في جمال ألوانها وسميتها الخادعة. في عطائها الامتناهي وفي شراكها الخادعة. تغريك الغابة بألوانها، تتابع الحيوانات في غفلة عن قسوتها، تتأمل جيوش الطبيعة غافلاً عن خطرها، تعانق الأشجار وغصونها والأرض تحتك أوتاد حادة تمزق قدميك، برغم جمال الغابات إلا أنها تحيط بك فتفقد الطريق تائهاً في تفاصيلها. برغم خارطة الألوان من حولك إلا أن الرطوبة تلتصق بك، تحاول خلع ثوبها فلا تقدر، تفقد احساسك بالجمال حين تشعر بالخطر، ومع المرأة يأتي الشعور بالخطر متأخراً، يأتي وقد قررت الانتحار بين يديها وفي محيطها.

اللون الأزرق الهادئ يفاجئك بارتفاع ليغرقك، هكذا هي المرأة في تقلباتها ومشاعرها المفاجئة، باردة متماسكة لآخر لحظة، ثائرة متحفزة لأقصى درجة، من الذي سيتعلم السباحة والإبحار؟! كلما أعطيتها أكثر رحلت معها أكثر، من لايعرف السباحة سيقف على الشاطئ يراقبها دون أن يفهم مابها، من يغامر سيتعلم أن يخوض في تفاصيلها ولكن سيبتلع الكثير من الماء قبل أن يتمكن من العوم، وكلما تمرس أكثر أصبح أكثر مهارة في السباحة والتعرف على التفاصيل، والبعض بحار وقبطان، يدير الوسائل من حوله ليرحل في محيطاتها بعيداً عن ضوضاء الجالسين على الرصيف أو المتمددين على الشاطئ. وبرغم القدرة على الإبحار تفاجئهم الأمواج في لحظة، أو تبتلعهم دوامة، أو يتوهون لتحرقهم الشمس والملوحة.

الرمال الذهبية الحارقة تكون موئلاً للناس في فترات الربيع، تشق جدب أرضها بزور حملتها الطيور والدواب، أو نواة تمر ألقاها عابر سبيل ذات يوم، الأرض المتناقضة بين القسوة والجمال، والماء المتحرك تحت أمواج الرمال، وفسائل النخل المتناثرة تدل على الحياة والخصب بصورة من صورها، تفاجئنا الصحراء باحتوائها لحيوات متعددة كما تفاجئنا المرأة الجافة التي لانتوقع أن لها قلباً ينبض في صدرها، أو نشعر بسريان الماء في عروقها كالماء في باطن الصحراء.

المراعي الخضراء الممتدة على طول شريط الأفق تشعرك بالسعادة، دلالات الخصب والتنوع كثيرة، الأرض تنتج، والبطن تنتج، نتاج الخير في المحاصيل وفي الدواب كثير بحمد الله، هذه الأرض كالمرأة التي تعطيك الذرية الطيبة المباركة، وتعطيك الحب والحنان والثبات في المواقف، سهلة كسهولة المرعى، خصبة كالأرض، طيبة كمحاصيلها، يمكنك أن تأوي إليها مكتفياً بحدودها، لكن روح المغامرة لدى الرجل تقوده أحياناً خارج حدودها، فيحرم من ثمارها، ويعود إليها وقد مزقته الأيام.

يظهر للمتأمل أن السهوب الخضراء كافية للمعيشة، وهي كذلك بالفعل لمن فقد روح المغامرة وحب الاستكشاف، وبينما يرى البعض البحر قاتلاً مرعباً يرى آخرين اللؤلؤ في أصدافه، والصحراء القاتلة الحارقة تمثل الخيار الأفضل للباحثين عن الصمت والهدوء، بين التفاصيل تنتقل، في عالم أقل مانصفه به “الاتساع”، عالم لانمثل فيه إلا القليل، نرتبط به ونعشق تفاصيل التفاصيل، نسعى لاكتساب المزيد من النقاط فيه، ونقف في لحظة لنجد أنفسنا وقد حققنا مانريد، وفقدنا شيئاً من ذواتنا.

المرأة متنوعة كالطبيعة، غنية كمعادنها، قاتلة كوحوشها، قاسية كتضاريسها، كريمة كبحرها، غامضة كالأعماق، محلقة كالسحابة، ساذجة كطفل، ماكرة كساحرة، تحب الخضوع، لكنها لاتحب الاحتقار والاهانة، المرأة تحتاج رجلاً يحميها، لكنها قادرة على مواجهة أقسى الرجال، المرأة ضعيفة، لكنها قوية يعتمد عليها، لذلك لا أتحدى المرأة أبداً، هذه الإنسانة المتناقضة مليئة بالرقة والقسوة، يمكن أن تكون كل شيء، الرحمة والعذاب.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

الاختبارات

962106_10151604137013921_1507915049_n

أنا لا أحب الاختبارات، لم أحبها حتى وأنا طالب في الكلية، زوجتي أكثر من عانى من ذلك، كنت أتعب كثيراً في فترة الامتحانات، مع أنني تخرجت بامتياز بحمد الله، البعض يقول هذا هو السر، والبعض يرى أنها فوبيا تستلزم العلاج، لم اهتم وقتها بكل هذه الآراء، ولازلت لا اهتم في الحقيقة، ولكنني أعرف أنني لا أحب أن يضعني أحد ليقيمني وهو قد يمتلك معايير وأدوات تؤهله لذلك وقد لايمتلك، وقد يراعي ظروفاً أمر بها وقد لايهتم، لا علينا فالمهم في هذه اللحظة تجربة مراقبة الاختبارات، فبدل أن كنت أجلس على كرسي الطالب أصبحت أقابل الطالب، ولم تتغير نظرتي للاختبارات ولكنني رأيت الزاوية الأخرى هذه المرة.

هذه المرة رأيت الإجابة النموذجية، وتعلمت منها أن الحياة لاتختلف كثيراً عنها، فعلى صعيد الفرد كلما تطابقت اجابتنا مع النموذج حصلنا على درجة أعلى، وعلى صعيد المجتمع تتساوى نتائج أعمالنا ويزيد التوافق بقدر ماتتطابق اختياراتنا.

في النماذج المتعددة للأسئلة يمكن أن نرى صورة التعددية في المجتمعات، تعددية دينية وفكرية وذوقيات واختيارات وأنماطاً من الشخصيات والسلوك، ولكننا في النهاية ندور في محيط محدد من الاختيارات، طرفين ومابينهما من مدى الاختيارات الواسع، ويحكم خياراتنا الواقع والفرص المتاحة، يحكمنا مؤهلاتنا ومجموعة مؤثرات من حولنا، ونختار مانريد، أو مانقدر على الوصول له.

وفي مسيرة حياتنا نتفاوت في ثقتنا بما في أيدينا، في إيماننا بما نفعل، وسيكون الحال مشابهاً لورقة تعرضت لمسح وتعديل ومراجعة تلو مراجعة، يمكن التعرف على الإجابة ورصد النتيجة في الورقة الواثقة بشكل أسرع، كما هو الحال في التعامل مع رجل يحمل مبدئاً ويدافع عنه ويقف في وجه الجميع ليعلن اختياره.

هذه الثقة لاتعني بالضرورة صحة الاجابة، والعاقل في الحياة من يدرس الفكرة جيداً ثم يؤمن بها وتضبط بالتالي خيارته وفق التصورات والأوامر التي تسنها، ويضع في عقله مساحة للمراجعة والتراجع، للتصحيح والاستفادة من الخبرات الأخرى.

في الحياة سنختار وستفرض علينا اختيارات، ولكن في كل الأحوال لابد وأن نلعب ضمن حدود القوانين التي تضعها الجهة الرقابية، أن نلتزم بالأنظمة بغض النظر عن مدى ايمانننا بها أو مخالفتنا لها، لايهم رأينا تجاهها ولكن المؤكد أننا سنعاقب بقدر تجاوزاتنا مالم يشملنا العفو.

المراقبة من الخلف تعطي رؤية وهمية في كثير من الحالات، فأنت لاترى العيون ودلالاتها، وكذلك العمل خلف الناس يخدع صاحبه ابتداءً، فمقابلة الجمهور ستعلمك الكثير، سترى في العيون لغة تفضح أصحابها، وترى في حركات الجسد وتعابير الوجه الكثير. لن تستطيع أن تعرف من ظهر الإنسان مدى حزنه إلا من خلال سقوط أكتافه واحدوداب ظهره، ولكنك سترى الكثير في وجهه، في ابتسامته ودمعته، وفي شروده وغيابه عن واقعه.

من يقف لايخطئ، وقد يخدع بهذا أيضاً، فمن يتحرك قد يخطئ وتفوته بعض الأمور، ولكن في حركته سيرى الكثير مما فات الواقف، سيرى توتر طالب تهتز قدميه في عصبية، وسيقرأ من خلالها مدة قلقه على غياب المعلومة في وقت الأزمة، ومحاولات استراجاعها، وسيرى طالب يحاول ستر بعض الأسئلة بيده فيعلم تردده وعدم استعداده للامتحان، وسيرى طالب  يرفع عينه بعد كل فقرة لتقابل عين المراقب ويبتسم، إنه يقول ها أنذا مستعد، أو على الأقل راضٍ بالدرجة التي سأحصل عليها.

الوقوف في الظل ومراقبة الواقع لاتعني الربح دائماً، التفاعل مع قوانين الحياة ومواقفها هو الإثراء الحقيقي، ومايفوت الواقف بحق هو المقارنة بين أخطاء الحركة مقابل فوائدها، وبين أرباح الوقوف مقارنة بخسارة التجربة.

في الاختبار هناك قوانين تضبط العملية، ومنها عدم تبادل الأدوات، ليحضر الطالب أدواته التي يعمل بها، ويتعلم الإنسان منها أن يكون مهيأ بما يملك، يدرس واقعه ويحضر مايساعده على التعامل معه والاستفادة من معطياته والعمل على تنفيذ واجباته.

هذا لايمنع وجود نقص في بعض الموارد، ولكن في حالة النقص سيكتشف الإنسان أنماطاً كثيرة تعيش حوله، بين من يبخل بالمساعدة مع تممكنه، ومن لايحب أن يفسد خطة وضعها فيترج من المساعدة خوف التأخر عن موعد الخروج، وسيرى كريماً يعطيه الآلة ويخرج دون أن ينتظر منه كلمة شكر أو حتى يسترجع الأداة التي منحها إياه.

اليد العليا هي الأفضل، وستشعر بالسعادة وأنت تعطي وستكون كلمة الشكر الأكبر في حقك ذلك الشعور الذي يملأ نفسك حين تقدم جزءاً منك للآخرين.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله السعد)

عدسات

SONY DSC

كثر هواة التصوير هذه الأيام، أصبح الكثيرون يحملون (كاميرا) ويتنقلون بحثاً عن لقطة فريدة يصطادونها، ولكن الصور وجودتها وزواياها هي من يتكلم ويعطي حكماً بملكة المصور وروعة ذائقته ودقة أدائه. هناك مهارة المصور، وجودة أدواته، وطبيعة المكان الذي سيصور فيه.. وهذا كله يعطي صوراً نوعية.

حين تقترب الصورة نشعر بجمالها.. اقتراب العدسة من اللقطة يظهر صفات لم نكن نراها في العادة.. نشعر بأننا أقزام أمام عظمة الخلق في عين عنكبوت، أو رجل جرادة، أو ساق نحلة.. ننبهر بألوان الطبيعة وتركيباتها، وبالاضاءة والظلال الطبيعية لوقوع الشمس على حديقة.

كذلك نحن، إذا اقتربنا من التأريخ الإسلامي وشعرنا بعظمته فإننا سنرى صوراً من الجمال لم نكن نراها.. وهناك مهارة الباحث، وجودة أدواته، ومستوى علمه، وجودة أدوات الباحث وإلمامه بالعلوم ومهارته في التعامل مع النصوص.. ينقصنا الكثير من الأدوات لنشعر بالانتماء للأمة:

– ينقصنا العلم بدقة الأحكام والتشريعات.

– ينقصنا الإحساس بعظمة الحب والتضحيات.

– ينقصنا استشعار بحجم التحول والعالم الجديد للصحابة رضي الله عنهم.

– ينقصنا التعرف على مدى اليقين في صدورهم.

بدون هذه الأدوات سنظل نرى الصورة دون التعرف على تفاصيلها، فنرى ذبح بني قريضة دون أن نشعر بأثر خيانتهم للأمة ومحاولة فتح المدينة أمام الغزاة. ونرى الدموية في قول الرسول صلى الله عليه وسلم يامعشر قريش جئتكم بالذبح دون أن نشعر بتعذيب قريش للمؤمنين ورائحة الشواء من ظهور الموحدين ودون أن نبكي تأثراً لموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال اذهبوا فأنتم الطلقاء بعد أن تمكن منهم. سنرى الموت في القادسية دون أن نشم روائح الفتح العطرة وانتشار الإسلام.

كل صورة نراها لابد وأن نتأمل في تفاصيلها، وصور الإسلام ستجعل كل متخصص يقف في مكانه، فالحقوقي يرى الأحكام والتشريع، والطبيب يرى الحمية والعلاج، والمعلم يرى التربية والتأصيل، والمجاهد يرى البطولة والتسامح، والفنان يرى الجمال والشاعرية، في منظومة متكاملة من الصور المترابطة لايستغني بعضها عن بعض، الألوان متنوعة ملائمة لكل ذوق، والروائح طيبة زكية، والأشكال جميلة نظيفة، وما تتغير الأشياء إلا بفساد الاستخدام، وأما الشريعة فصالحة لكل زمان ومكان.

 

(الصورة بعدسة: ريان المنصور)

صفحة 1 من 41234»