رحيل الحنان

12

– لا أستطيع.. لا أستطيع.. صدقني الأمر يحتاج إلى مدة زمنية، قد تطول وقد تقصر.. وطبيعة مرض الوالدة يحتاج إلى جراحة.. ولذلك لابد من استكمال كل الإجراءات.

– لكن يا دكتور.. والدتي مريضة وهذه حالة طارئة.. وقضية إنسانية..

– أقدر ذلك.. لكن.. لابد من استكمال الأوراق حتى أتمكن من مساعدتك.. إنما يمكنك أن تتصرف بالتنسيق مع مدير العيادة في قبول أمك.. حتى أتمكن من مساعدتك.

الزهرة

الزهرة

رفع الدكتور إبراهيم عينه ونظر إليها وابتسم.. وأخذ يحدث نفسه.. امرأة ستينية أرملة تسمى “زهرة”.. نعم ربما كانت زهرة ولكنها ذبلت الآن وألقيت فلم نعد نرى جمالها أو نشم أريجها.. وبهدوء خاطبها قائلاً: تفضلي يا أماه لكي نكمل البيانات.

وأخذ إبراهيم يفكر.. ألا يكفي أنها ذابلة لكي تحيا بعيداً عن بستانها؟ ومع حبه الشديد للورود إلا أنه شعر أن كل الياسمين، النرجس، الجوري، الزنبق، البنفسج.. وغيرها وغيرها لم تعد تحمل أي شيء من صفاتها بعد رؤيته “لزهرة”.

قبور الياسمين

grave

أخي.. أسمع صوت قلبي وهو ينبض، كأنه يقول لي انتبه لا تكتب.. صوت المطر في الخارج يصلني ضعيفاً.. ربما لانشغالي بك.. الليل ووحشته وأصوات الذئاب بعيدة في الغابات.. وأنا وشمعتي ننتظر مجيئك.

على الضوء الأصفر الباهت المتراقص أتذكرك.. تأخرت كثيراً.. انتظرتك اليوم كما هي عادتي في كل يوم.. ولما جاء الليل بقيت ككل ليلة أراقب الشمعة وأنتظرك.

يقولون إن الإنسان إذا دنا أجله تمر عليه الذكريات كومضات.. أنا أتذكر الليلة فهل سأموت؟

كفاح

كفاح

لا أدري لماذا شعرت بالرعب عندما فكرت في الكتابة.. ربما لأنني أراه في كل سطر من سطور قصتي.. ومع أنني لست بكاتب.. إلا أنني أشعر بالكلام يتدفق على الورق.. خياله المنكسر يرافقني في منامي.. وصورته أبصرها في كل شيء حولي.. من الذي عاش في الأيام ومن الذي عاشت الأيام فيه؟ الرجل المتعب الباسم.. ونظرته البراقة.. ترفعني من عالمي لتقذفني في الظلام.. أرتطم بكل شيء في الوجود.. أشعر أنها سياط تلهب أضلعي.. وكأنني لست سوى فرد من عصابة تآمرت على قتله.. ومع كل شهقة من أطفاله.. أشعر بتمزق روحي من الداخل.

أرقام

أرقام

لم تكن تفهم شيئاً من تلك الأرقام المكتوبة على المرآة.. وكان هذا الأمر يزعجها كثيراً فقد تعودت أن تقرأ كل صغيرة وكبيرة في ذهن رفيق دربها، لكنها أمام مجموعة أرقام كتبت بالكحل الأسود على مرآة غرفة النوم شعرت بالعجز عن فهم حبيبها.

كانت الأرقام تزداد يوماً بعد يوم.. وكلما واجهته بسؤال عنها يكتفي بابتسامة ثم يغير الموضوع ولا يعطيها فرصة للعودة إليه.. وهكذا تجد نفسها في النهاية وقد خرجت من معركتها بابتسامة يمكن أن تكتسبها في كل مرة فمن عادته.. أن يحدثها وهو مبتسم.

هذه المرة شعرت بتأزم الأمر.. إذ وجدته بدأ في العمود الخامس من الأرقام المتسلسلة.. كانت تعلم أن كل رقم منها يعني يوماً من حياته فتسجيل الأرقام الجديدة هي أولى مهامه في الصباح إذ يمسك بقلم الكحل ويسجل رقماً قبل أن يغادر البيت متوجهاً إلى مكتبه.. ومع حرصه على تجنب الأمور التي تزعجها إلا أنه كان يصر على هذه العادة حتى امتدت خطوط الأرقام لتشكل أربعة خطوط بطول المرآة وخطاً بدأ في الظهور هذا الصباح ليكمل مشوار الغموض الذي بدأ وعجزت عن التعرف على معالمه.

قررت هذا اليوم أ ن تفاتحه في الأمر مرة أخرى، ولكنها لن تعطيه فرصة للصمت ككل مرة.. بل لابد من معرفة هوية الأرقام ولكنها قررت أيضاً أن تهيئ نفسها.. فهي تعرفه قوي الحجة إذا أراد النقاش.. وهذا هو سبب بقائها منذ أن استيقظت في مواجهة المرآة تحاول التفكير في الأرقام.

قطع تفكيرها صوت الهاتف لكن سرعان ماعادت إلى التفكير والتأمل في الهاتف الملقى بجانب السرير ترى هل هناك علاقة بين الأرقام على المرآة وبين أرقام المصاريف المتنوعة؟ الفواتير وماشابهها. ولكنها استبعدت هذا الخاطر لأنه لم يفكر من قبل في تدوين هذه الأشياء، وبالرغم من تكاسلها وعدم رغبتها في الحديث إلا أن الرنين المتواصل جعلها ترفع الهاتف لتنهي ذلك الإزعاج،جاءها صوت صديقتها وقريبة زوجها ندى التي تعرف الكثير من عادات زوجها وعاداتها وربما تساعدها في التفكير.

وصلها الصوت مبتسماً كعادته:

–        كيف أصبحت أيتها الكسولة؟

–        بخير ولله الحمد.. ليس كسلاً أنا مستيقظة من الصباح ولكنني أفكر.

–        فيم، يبدو أنه أمر مهم!!.

–        أفكر في عبداللطيف.

–        ماذا به؟

–        اسمعي سأقول لك شيئاً وحاولي التفكير معي ولكن لا تخبري أحداً.

–        منذ بضعة أشهر بدأ عبداللطيف في تسجيل أرقام على مرآة غرفة النوم.

–        أرقام ماذا؟

–        لا أدري.. وهذا هو سبب التفكير.. أريد معرفة سر تيك الأرقام.

–        ربما كانت أرقام هاتف مهمة أو غير ذلك.

–        لا.. فالأرقام أرقام تسلسلية.. بمعنى أنه بدأ من الرقم واحد واستمر الأمر وهذا الصباح وصل إلى الرقم 145.

–        غريب.. ما معنى هذا؟

–        نعم غريب وهذا ما يحيرني. فهو يسجل كل يوم رقماً واحداً فقط.

–        هل سألته؟

–        نعم.. سألته ولكنه اكتفى بابتسامة وهذه عادته إذا حدثته عن الأرقام.. وبعد ذلك يغير مجرى الحديث.

–        هل هناك أي تصور في ذهنك عنها؟

–        في الحقيقة لا.. ومما زاد فضولي حرصه على المتابعة.

ضحكت ندى ثم قالت:

–        تخشين من وجود امرأة أخرى.

–        لا أبداً.. عبداللطيف ليس من النوع الذي يفكر بهذه الطريقة.

–        تعجبني هذه الثقة.. ستريحك كثيراً.

–    في الحقيقة يا ندى هو رجل مثالي في تصوري.. يطلعني على كل أموره.. يشاورني في كل شيء.. إلا أنه في هذا الأمر لم يخبرني أي شيء من شأنه أن يساعدني.

–        غريب فعلاً.

–        نعم غريب.. أستطيع أن أقول إنني أفكر في أفكاره قبل أن يفكر هو فيها.. ولكن الأرقام …

وندت عنها صيحة أشعرت صديقتها بمدى ضيقها وانشغال تفكيرها.

–        وماذا قررت؟

–        أريد الحديث معه.. هل توصلت لشيء بخصوص الأرقام؟

–        في الحقيقة يا غيداء لا.. ظننت أن الأمر سيكون سهلاً.. ولكن أحتاج لوقت كي أفكر.

–        حسناً يمكنك أن تفكري، ولكنني لن أنتظرك بل سأفاتحه اليوم في هذا الأمر.

–        جيد.. ولتحذري أن تغضبيه.. وإن آثر الصمت فلتحترمي رغبته.. حتى لايحدث بينكما مشاكل.

–        لن يحدث شيء بإذن الله.

ثم دار حديث بسيط بين الصديقتين عن الأطفال والمنزل والأسرة التي سيعقد اجتماعها السنوي قريباً والمواضيع التي ستطرح في الاجتماع.

انتهت المكالمة عادت غيداء إلى مكانها أمام المرآة وبقيت تفكر، ثم قامت بهدوء إلى الهاتف وأدارت رقم عبداللطيف.

وصلها صوته السعيد:

–        أهلاً حبيبتي.

–        مرحباً حبيبي.. هل ستذهب إلى أي مكان بعد عملك؟

–        لا.. سأعود إلى البيت كالعادة.. هل تريدين شيئاً؟

–        أممم… أفكر أن أدعوك لتناول الغداء في الخارج.

–        وأنا موافق.. وبعد ذلك يمكن أن نتوجه إلى البحر لنكمل اليوم.. مارأيك؟

–        ممتاز.. إذاً سأهيئ أغراض الرحلة.

–        اتفقنا..

وصلتها ضحكته ثم تابع:

-ولكن أنا لا أقبل بأي مكان.. أريد مكاناً فخماً.

ابتسمت له ووعدته بمكان يعجبه ثم أغلقت السماعة وبدأت في ترتيب الأغراض.

وصل عبداللطيف في موعده.. ووجدها تنتظره ولم يضيعا وقتهما بل توجها مباشرة إلى مطعم صغير يقع على الكورنيش.. كانا قد زاراه من قبل ومع وجود منظرا لبحر شعرت بأن الجو مهيئاً لكي تفاتحه في الأمر.

–        عبداللطيف.

–        يا عيونه!

–        أريد أن أسألك عن الأرقام.

ابتسم لها وساد الصمت.. ثم رفع رأسه ونظر إليها:

–        لماذا تشغلك؟

–        لأنها أمر محير فعلاً.. لقد حاولت معرفتها ولكن …

–        ولكن انسيها فهي ليست مهمة لأحد سواي.

–        مايهمك يهمني.

بدا على وجهه أن يفكر في كلامها.. وتركته فهي تعرف أنه يمكن أن يخبرها إذا شعر بالرغبة في ذلك. ثم سألها:

–        هل ترين أنها أفسدت حياتنا؟

–        لا..لا.. لم أقصد ذلك.. ولكن لا أحب أن أشعر بوجود أسرار في حياتنا.

–        اسمعي غيداء.. لن تصدقيني إذا بحت لك بسرها.

–        أعلم أنك لا تكذب.. قل وسأصدقك.

بدا عليه التردد..ثم قال:

–        حسناً ولكن لا تناقشيني في الموضوع أبداً..اتفقنا؟

شعرت بالسعادة وقالت:

–        اتفقنا.

–    منذ فترة حصل بيني وبين أحد الزملاء موقفاً أزعجني.. وهذا الأمر طبيعي يمر بنا كثيراً.. ولكن المشكلة هي أنني لاأملك ماأدافع به عن نفسي.. ولذلك شعرت بالظلم.. ولأنني متعود على تجاوز هذه الأمور فقد قررت أن أصمت.

–        ثم؟

–        لا شيء.. ثم بعد ذلك بدأت أسجل الأيام التي مرت على هذه الحادثة؟

–        لمه؟

رفع رأسه ونظر إليها.. كانت نظرته بعيدة شعرت أن صاحبها لم يعد في العالم معها. ثم قال:

–        لأنني أريد أن أذكر نفسي أنني ظُلمت.

–        عبداللطيف.. أنت لا تحقد على أحد.

–        ليس حقداً..ولكن هذا الأمر سيبقيني بعيداً عن الناس.. لست في حاجة إليهم.

حاولت أن تتابع النقاش..ولكنه ابتسم لها ثم قال..

–        لاتنسي اتفاقنا.

ابتسمت وصمتت.. ولكنها في نفسها كانت تفكر.. أي قسوة هذه هي التي جعلت عبداللطيف يفكر هكذا.. لابد أنه جرح جرحاً بليغاً.. كم هي الأمور التي نخسرها في حياتنا بقسوتنا على من حولنا.

انتهى الكلام في الأرقام.. وعادا يتحدثان عن أمور حياتهما.. كانت تعلم أن الأيام ستنسيه.. أو على الأقل لن يبقى في نفسه شيء.. ولكنها تعلم أن هذا الجرح سيظل ينزف في قلبه الرقيق.. وتعلم أيضاً أنه سينسحب؟ من جرحه إلا أنه سيرحل بعيداً..بعيداً عن دنيا البشر.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

عودة الطائر

Picture2

اليوم الخميس.. الساعة العاشرة ليلاً.

قطرات المطر تلمع تحت أضواء المصابيح العتيقة.. وقلب منكسر يسير وحيداً.. يعبر فوق الجسر الخشبي ويقف لينظر إلى النهر ويتأمل.. القمر يتكسر على الأمواج والمطر يفسد سكون الماء.. وتحت قطرات العاصفة الوليدة يمضي يتجرع همومه.

هل كان يتوقع أن يرحل عنه الجميع إذا كبر ليتركوه يواجه الحياة وحده في سنيِّ شيخوخته؟.. هل تصور أن قلوب من وهبهم قلبه ستقسو عليه.. تتخلى عنه وقت حاجته؟.. هل خطر بباله أنه سيعود وحيداً بعد أن كان لديه بيت وأسرة؟

أفاق من تأملاته على صدى خطوات تعبر الجسر.. لم يلتفت إلى القادم.. تلاشت الخطوات مع قطرات المطر.. وعاد إلى تأمله.. السكون والحنين وضوء مصباح يتمايل ليشعره بالوحشة أكثر.. في هذه البقعة البعيدة عن المدينة. ترك مكانه على الجسر وتوجه إلى الغابة.. هناك حيث قرر أن يقضي بقية أيامه في هذه الحياة ولن يرافقه أحد. في بقية أيامه

بدأ يعتاد على حياته الجديدة.. خروف ونعجة.. وبعض دجاجات توفر له البيض.. وكلب حراسة قوي ووفي.. ومنزل صغير وسط مساحة خضراء.. يمر بجوارها جدول صغير.. وأشجار متناثرة تزيد من عزلة المنطقة.. وكأنها تساعد الرجل في بعده عن الناس وبقائه وحيداً.

–        أوه لماذا تنبح يا قمر؟ ماذا وجدت هناك..

جرى حيث وقف كلبه يتأمل في الأرض ويشم كأنه يريد لفت الانتباه لشيء.

–        أوه.. طائر جريح.

رفع الرجل الطائر الخائف.. وتأمل في جناحه..

–        إنه مكسور لنحاول أن نعمل شيئاً من أجله.. يبدو لي أنه قوي وهذا سيساعد على شفائه.

توجها إلى المنزل الصغير وبدأ في عمل جبيرة للطائر.

–        والآن يا صغيري.. سأسميك غريب.. وسيكون هذا الاسم لك مادمت ضيفي في هذا المكان..

ثم أدار ظهره والتفت.. ولكنه عاد إلى الطائر وهمس بحزن..

–        بل أنا ضيفك.. أنت صاحب المكان الأصلي.. أما أنا …!

وترقرقت دمعة مسحها بكمه.. وخرج من المنزل.

–        هيا يا قمر.. لابد أن ننهي واجباتنا هذا اليوم.. لا تخف على غريب سيكون بخير.

الأيام تمضي سريعة.. وغريب يتماثل للشفاء في تقدم ملحوظ.

–        والآن يا صغيري.. يمكنك أن تطير خارج المنزل.. وستعود إلى عالمك الفضائي الواسع.

–        تعال يا قمر سنودع صديقنا..

جرى الكلب خلفه وهو يثب فرحاً.

وفي وسط الباحة المحيطة بالمنزل وقف الرجل ومعه الطائر.. بسط كفه.. وابتسم وهو يشير إلى الطائر المحلق.

الحمى تشتد.. والليل يطول.. وهذه الغربة لا ترحم ضعفه.. وقمر قريب من صاحبه يئن لأنينه.. ويقترب ليدفئه بجسمه في ليالي الشتاء الباردة.. والسحب تحجب القمر وعوي ذئب بعيد.. وأصوات الرياح تحرك الأشجار.. وصوت خافت ينادي.. ابني.

أشرقت شمس النهار حاملة الدفء والسعادة.. واستيقظ الرجل يربت على ظهر صديقه ويبتسم له..

–        كانت ليلة قاسية أليس كذلك؟

اكتفى الكلب بصوت يدل على الألم.

–        لقد شعرت بك بجانبي.. هانحن يا قمر غريبان في هذه الغابة.

رد الكلب بنباح.

ضحك الرجل..

–        لا تحب أن تشعر بالغربة.. نعم أنت محق.. هذا عالمك أنت أيضاً.. لايمكن أن تكون أنا.. على كل حال نحن متفقان.. لكل منا عالمه.. هيا بنا لنحضر الماء.

هل نجد صور الوفاء في كائنات لا تعقل؟ هل نراها انتهت من حياتنا؟

قطع ابتسامته صوت أجنحة فوق رأسه.. رفع رأسه وابتسم..

–        هذا أنت يا غريب.

نبح الكلب في سعادة.

–        لقد تذكرتني ولم ترحل.. إذا يا غريب عرفت مكان عشك. قالها مبتسماً.

مرت الأيام هادئة.. وفي زاوية المساحة الخضراء رقد جثمان الرجل.. وقريباً من قبره وجدت بقايا لجثة كلب ضخم.. آثر أن يموت على قبر صاحبه.. وفي المنزل عش صغير يحوي رفات طائر.

هذا كل ما بقي لجيل من الغرباء.. رحلوا عن كل شيء.. ليجدوا الوفاء في مساحة من الغابة.

 

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

الأجنبي

Picture14

لن أحاول أن أكتب الأمر وكأنه قصة قصيرة، ذلك أنني أنتقد الكثير من الشباب ممن يبحثون عن الألفاظ الصعبة ليكتبوا مقالاً أو قصة.. ولكنني باختصار أريد أن أكتب قصة صاحبي. لمن أكتبها؟ ولماذا؟ لا أدري في الحقيقة، كل الذي أعرفه أنني لابد أن أكتب عنه وأوفيه شيئاً من حقه في واقع أنكره وتجاهله.

وقف أمامي بقامته الممشوقة وأشار إلى صدره بكلتا يديه ثم قال بأسلوبه المثقف جداً:

–        لنكن واقعيين، فأنا مهما يكن “أجنبي”. وطرح يديه إلى جنبه في حركة تدل على تذمر وألم.

لم أحاول أن أقاطعه.. بل حتى الابتسامة التي أحتفظ بها حين أراه شعرت أنها قد لاتكون مناسبة. ولذلك لم أعلق بأي شيء.

–        الأولاد كبروا يا عزيزي.. ومهما يكن فلهم مطالبهم. غداً سيبحثون عن جامعة تقبلهم، ولن تتسنى لهم الفرص لأنهم “أجانب”.

مد رأسه باتجاهي ليرى تأثير كلامه علىّ.. ثم تابع كلامه بنفس الأسلوب المرير:

–        وإذا عادوا إلى بلادي ماذا سيحدث؟ سيقال لهم أنتم “مغتربون”. في بلادي يقال لي “مغترب”، وهنا يقال لي “أجنبي”، فقل لي بالله عليك ماذا أفعل؟.

لم يكن سؤاله مما ينتظر جوابه.. ولذلك بقيت محافظاً على صمتي. كنت أشعر أنني في قفص اتهام، وأنني مدان، وأن صاحبي سيقول لي في أي لحظة أنت تتحمل جزءاً مما أنا فيه، وهكذا بقيت ملامحي كلها تنتظر اللحظة التي ينفجر فيها صاحبي.

–    عاد يتابع كلامه في انفعال حزين: أنت في بلادك.. إذا ضاقت بك الأرض توجهت إلى الجبل أو إلى الصحراء وبقيت مع بعض الشويهات وانقطعت عن العالم.. من الذي سيبحث عنك؟ لاأحد.. أنا وأشار إلى صدره، أنا لا أستطيع فعل شيء بسبب كوني أجنبي.

–    سبحان الله.. بقيت أتأمل وجهه الأسمر ولحيته البيضاء، كان في العقد الرابع، في أواسطه فيما يبدو لي، وربما في أخره أو بداية الخامس.. وكنت أتعلم منه الكثير.. وأجد في صفاء نفسه صورة فريدة للماضي الجميل. ومع ذكره للجبال عدت إلى موطني.. أحقاً يمكن أن أجد فيه الاستقرار.. ولكنني تركته بحثاً عن رزقي، تماماً كما فعل هو، الفرق بيني وبينه أنني لست بحاجة لكثير  من الإجراءات التي يمر بها صاحبي حين يرغب في السفر.

أردت أن أشاركه في حزنه.. كنت أتمنى لو أستطيع فعل شيء من أجله، ليس مساعدة مني، ولكن لأن هذا واجب علي تجاهه.. إنه مكسب لابد من المحافظة عليه. أفقت من تأملاتي على صوته.

–    أتعلم أنني أتكفل بتذاكر الأولاد؟ إذا جاء أحد منهم أو جددت له أوراقه أو أي مصاريف تخصهم فأنا وحدي من يدفع.. الشركة لاتدفع لهم شيئاً.. ولذلك فأي إجازة تعني الكثير  بالنسبة لي.. واعتمدت على نسبة الأرباح في الشركة، ولكنها تتدهور. ماذا أفعل يا أخي؟

ظللت محافظاً على صمتي.. ثم رأيت أنه من اللائق أن أقول شيئاً.. ربما لاينتظر مني جواب سؤاله، ولكنني بلا شك كنت مديناً له بشيء. ماهو؟ لا أدري، ولكن شعور الاتهام ظل مسيطراً على مشاعري فحاولت التملص.. قلت له بتلعثم:

–        المهم أن تتأكد أنه ليس لي ذنب في هذا.

شعرت أن ردي ليس في محله، كان يبتسم في مرارة، ربما كان من المناسب أن أظل صامتاً.. وشعرت بالارتباك.

أشار إلي بيده، ثم مسح شعره وقال بنفس الإيقاع الحزين:

–        لا عليك.. نحن نخدع أنفسنا ببعض العبارات، “الأشقاء العرب”، “إخواننا العرب”، ولكن في الحقيقة أنني أجنبي!

 قال ذلك وأمسك بقميصه ورفعه كأنه يثقل عليه ويريد التخلص منه.

لم أرد عليه.. ظللت أنظر لأصابعي وهي تقرع الطاولة دون أن تحدث صوتاً ثم قطع علي تأملاتي:

–        أتدري، قبل شهر زوجت ابنتي.. أردت العودة بزوجتي وأولادي.. ضاقت الأمور قليلاً.. قالت لي زوجتي إلى متى؟ شعرت أنني تعبت وقتها.

أحسست به في تلك اللحظة.. ربما أكون قد مررت ببعض الظروف المشابهة ولذلك فهمته.

–        إلى متى؟، إلى متى؟ ألقى برأسه إلى الخلف وأخذ يراقب السقف.

قطع كلامه رنين الجوال.. تأمل قليلاً في الرقم، ثم رد على المتصل في مرح.. كلمات بسيطة أنهى بعدها المكالمة وحاول أن يسألني عن أمور حياتي.

عاد للوقوف ثانية، ونظر إلى الخريطة المعلقة خلفه وأشار بحركة عشوائية.. احتوت حركته الخارطة كلها. لم يقل شيئاً.. تعبيره هذا أبلغ من قوله.

تمنيت أن أقف وأعانقه، شعرت بقربه، حاولت أن أعبر، خانني تعبيري.. لم أجد عبارة تناسب شموخه.. عظيم أنت يا أخي. عظيم أنت. ابتسمت له رد عليّ بابتسامته المشرقة. ضرب فخذيه وقال:

-هيا بنا، قم بنا لنتناول الغداء معاً.

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

حديث الحقائب

112

سمعت جلبة شديدة وتعالى صراخ الصغار.. ثم فتح باب السندرة القديمة وألقيت حقيبة، وأغلق الباب بقوة وساد الصمت ثانية.

كانت السندرة القديمة تمثل مخزناً لهذه المنازل النصف قروية.. وباستثناء كوة صغيرة مرتفعة لم تكن ترى النور إلا في مرات محددة من السنة، تمثل الفترات التي تهتم فيها الأسرة بتنظيف المكان وبالتخلص من بعض الأشياء القديمة لتوفير مكان لأشياء أخرى ستلقى فيها ذات يوم.

أثارت الموجة التي مرت قبل قليل بعض الغبار.. ثم بدأت الأمور تعود إلى هدوئها ثانية.. وعاد الغبار إلى التراكم ثانية على الأشياء المكومة هنا وهناك. حقائب متعددة المقاسات، قطع أثاث، أحذية مختلفة، مرآة مكسور طرفها تقبع مائلة في ركن قصي، وصناديق فيها ملابس شتوية لم يحن موعد استخدامها، وجرائد قديمة كانت مهمة ذات يوم، ومعاطف الصقيع معلقة على مسامير حديدية وقد علاها الغبار وبدأ العث يرتع فيها.

قطع السكون صوت ضحكة فتية.. فيما تململت الحقيبة الملقاة وبدأت تعدل من وضعها.. ثم التفتت إلى مصدر الصوت وسألت بغضب:

–        لمً تضحكين؟

ارتفعت القهقهة دون اهتمام بالسؤال.. فيما تململ صوتٌ عجوز مستنكراً الضجة..

–        ماالذي يجري هنا؟ لماذا ترتفع أصواتكم.

سمع صوتاً من الزاوية المظلمة في السندرة يقول:

–        يبدو أن هناك ضيفاً نزل علينا.. أهلاً بك أيتها الحقيبة الصغيرة لماذا تبدين غاضبة؟

ردت الحقيبة الصغيرة:

–        أريد أن أعرف لماذا تقهقه هذه الملونة؟

أجابت الملونة:

–        أهلاً بك.. اسمي ليلى، أنا حقيبة ألعاب الطفلة هناك في الأسفل. ضحكت لأنني شعرت بحالك.

–        وما المضحك المضحك في حالي؟ ردت الحقيبة بغضب.

–    كلنا هكذا حين نصل إلى هذا المكان.. نشعر بالغضب في البداية لأننا لم نتعود على الغبار.. ثم نألف الأجواء وسرعان مايصبح شعور الغضب نوع من اللامبالاة.

أخذت الحقيبة تسمح أثار الغبار عن جلدها وهي تغمغم بكلام لم يفهمه أحد.. ثم رفعت رأسها بنوع من التكبر وقالت:

–    ولكنني لست كالآخرين.. الأمر لا يعدو ظروفاً خاصة تمر بها الصغيرة، وسرعان ماستفتقدني وتعود لتبحث عني وتخلصني من الأشخاص غير المحببين.

ضحكت الحقيبة الملونة.. فيما رد الصوت العجوز بنبرة فيها عمق التجربة:

–    جميل، جميل أن يعيش الإنسان بالأمل.. وجميل أيضاً الثقة بالنفس. ولكن الأهم من الإحساس بالأمل هو أن نستمر نحيا به.. ونشعر بقدرتنا على العطاء بالرغم من كل الظروف.

رد صوت خافت من داخل أحد الصناديق..

–        لا عليك يا أماه.. هكذا كنت أقول في البداية، ولكنني اليوم سعيد باستقراري داخل هذا الصندوق..

ثم فتح الصندوق وأطل رأس صغير يشبه فردة حذاء طويلة العنق.. وتابع كلامه:

–    أتريدين الحقيقة.. الرضى بالصندوق أفضل من أسنان كلب تقبض علي، وتجري بي في الشوارع والمزابل، وتلقي بي في النهاية عند بركة ماء خلفتها الأمطار بجوار رصيف قذر.

ثم عاد وأغلق الصندوق.

–        ما الذي يجري هنا؟ ماهذا الكلام.. صاحت الحقيبة برعب.

–        ضحكت الحقيبة السوداء بحنان ثم قالت:

اقتربوا مني يا صغاري وأنصتوا إلي أقص عليكم قصة هذا المكان.

بدأت الحقائب والصناديق تلتفت إليها مصغية إلى قصتها.. فيما أخذت العجوز تروي.

–    في الماضي كان لهذا المكان وزن وقيمة.. لأنه كان محطة مؤقتة.. ففي الصيف توضع فيه أغراض الشتاء، وفي الشتاء تحفظ فيه أشياء الصيف، حتى يحين موعد استبدالها.. وكان الناس وقتها يهتمون باقتناء ماينفعهم.. ولأنهم يعيشون على الأرض فهم يقتصدون في كل شيء.

عالم الناس كعالمنا تماماً.. فلكل شخص مهمته أو وظيفته في الحياة.. تماماً كالوظائف التي نؤديها.. فالحقيبة التي تصلح للمدرسة لا تصلح لحفظ طعام الرعاة.. وهكذا لكل قيمته.

مع التطور بدأ يتغير هذا المكان.. وأصبحت تلقى فيه أشياء عديمة النفع، ثم يتم ترتيب المكان لتلقى في المزابل وتنسى.. وأصبح من يأتي هنا لأول مرة يشعر بالتذمر، ثم لايلبث أن يتعود فتخمد ثورته، ثم يصمت حتى يأتي يوم يعاد استعماله، أو يلقى خارجاً.

–        وماذنبي أنا؟

–    ليس لك ذنب يا صغيرتي.. كما أنه لا أحد لم أفهم؟ ذنب في هذا.. لقد تغير كل شيء.. فليس لكم قوة الأسلاف.. كما أنه ليس لنا منظركم البراق.

–        وهل.. هل.. سيرمون بنا؟

–        هذا يا صغيرتي يتوقف عليكم.

–        ماذا نفعل؟

–        حافظوا على جمالكم.. خيوطك الصغيرة إذا تمزقت من الحزن سيفسد مظهرك، وستفقدين قوتك.. وسيلقون بك حين تصبحين عديمة النفع. ولكنهم سينظفونك ويعززون خيوطك بخيوط أخرى إذا رأوا أنك لازلت صالحة للعمل، وأنك تحافظين على عطائك.

لم تظهر علامات الرضا على الحقيبة الصغيرة.. وفي الوقت نفسه سمع صوت اصطدم طائر صغير بالنافذة، حاول العبور ولكنها كانت موصدة.

قالت الحقيبة الكبيرة:

–    هذا الطائر على سبيل المثال، لم ييأس من محاولات الدخول هرباً من الشتاء.. مع أنهم هدموا عشه ثلاث مرات.. وسينجح حتماً.. على الأقل وجد لنفسه مكاناً تحت قرميد المنزل، ولن يلبث أن يجد طريقه من خلال الأخشاب. إن الحياة لاتنتهي.. هي هكذا دائماً.. تمنح من يجتهد فيها.

–        لكنها أنانية.

–    لا يا صغيرتي.. ليست كذلك.. هم من صنعك.. ويريدون الاستفادة منك.. قدمي لهم شيئاً مقابل الساعات التي عملوا فيها بين الآلات لأجل أن يخرجوك بمنظرك الحالي.

–        ولكن لنا الحق في الحياة.

–        نعم.. صحيح، وهم أيضاً يريدون الحياة.. وكلانا يكمل الآخر.. لكل منا قيمته.

قالت حقيبة زرقاء كبيرة:

–        أوه يا جدتي.. لازلت تكررين نفس الكلام.. ليس لهم من الخبرة مالك.. الأيام كفيلة بتعليم الناس.

ردت الحقيبة الصغيرة:

–         وماذا تفعلين أنت؟

–    أنا حقيبة الجد.. حين يسافر فإنه يتذكرني.. يأخذني، ينظفني، وأحياناً يصبغني لأبدو بمظهر الصغيرة. لقد جبت معه عديداً من البلدان، ورأيت كثيراً من الأشياء.

–        وهذه الملونة؟ أشارت إلى ليلى

–        ليلى حقيبة قماشية.. إنها للزينة أكثر منها للاستعمالات العملية. حين تقام الاحتفالات يأتي مقامها.

–        فاشلة..!! قالت ذلك بترفع.

فتح الباب فجأة واندفع صبي وطفلة يتعاركان:

قلت لكَ لاترم حقيبتي مرة ثانية.

–        وأنا قلت لكِ اتركيني وشأني.

–        أين ألقيتها أيها المتوحش؟

قال الصغير بتكبر..

–         لا أدري، حاولي أن تجديها بنفسك.

التفت الصغيرة إلى حيث تجمعت الحقائب بجوار الجدة.. ثم صاحت بفرح..

–        أوه ما أجمل هذا. انظر كل حقائبي هنا.

جرت نحو الحقائب ثم رفعت ليلى وشرعت تنفض عنها الغبار..

-لازالت جديدة، فقط تحتاج إلى تنظيف.

ثم أمسكت بالحقيبة الصغيرة:

– وهذه حقيبتي لقد وجدتها، لن تستطيع أن ترميها ثانية.

التفت الصبي إلى الصندوق وهناك لمح الحذاء البني.. لمعت عيناه في لهفة:

وهذا حذائي.. لقد وجدته..

سحبه بعنف وضربه في الجدار لينفض عنه الغبار.. فيما ارتفعت صيحة الحذاء المتألم. وقبل أن يخرج فتح النافذة ليجدد الهواء.. وليدخل الطائر الصغير.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

 

 

أول يوم دراسي

أول يوم دراسي copy

وقف بسيارته بجوار المبنى وأخذ ينظر في صمت حزين إلى الباب الأسود الكبير.. شعر بضآلته أمام هذا المارد.. أيعقل أن تمر الأوقات بهذه الصورة المرعبة في نفوسنا فتقتل كل لحظة جميلة عشناها؟.

التفت إلى الباب ثانية، لم يكن ينتظر خروج الأطفال فهو يعلم أن المدرسة مغلقة في هذا الوقت.. كانت الساعة الواحدة ليلاً والشارع خال من المارة.. رجع بذاكرته إلى الوراء وتذكر مدرسة القرية.. اليوم أول يوم دراسي له.. تذكر ابتسامته وهو يجري في الحديقة.. تحديه له في سباق يبدأ من مكان أمه وينتهي بنهاية الشاطئ.. المرور بين العربات في المحلات التجارية وهو يرتدي حذاء التزلج.. وكلما رجع لعربته يضرب ظهره في ابتسامة بريئة تعجز كل ريشة عن تصويرها.

تذكر أنه لم يأكل شيئاً منذ الصباح.. تحرك بالسيارة وتوقف أمام مطعم للوجبات السريعة.. نظر إلى المقعد الفارغ بجواره وابتسم ودمعة تنحدر من عينيه وخاطب المقعد.. ماذا ستأكل؟

لم يكن ينتظر الرد.. لكنه فعل كما كان يفعل دائماً معه.. لم يكن يراه مجرد طفل.. بل كان طفله وزميل عمله وكل شيء في حياته.

أوقف السيارة ثانية على الشاطئ المظلم.. سكنت نفسه لصوت الأمواج.. وعادت الصور في ذهنه من جديد.. حمله على كتفه.. وضع يده الصغيرة على رأسه.. ووضع ذقنه فوق يده.. وبدأ يكلمه.

أبي.. أريد هذا القلم.. وأريد هذه الأوراق الملونة لأرسم فيها.. واو أبي أريد هذه الحقيبة الصغيرة لأضع فيها أوراق ميدو.. ميدو الدب الصغير الذي لا يفارقه حتى في منامه. ويلتفت إلى ميدو المرتبط بصدره.. تريد هذه؟ سأشتريها لك.

أبي هذا اللون لا يصلح.. لابد أن تغيره لي.. أنظر لدي هنا ملابس كثيرة تشبهه لماذا اشتريته.. المرة القادمة أنا سأذهب معك لأشتري بنفسي.. يتركه يركض إلى غرفة مجاورة.. يعود إليه مبتسماً ويختطف قبلة تطبعها شفتاه الصغيرتان.. أشكرك أبي.

–        أبي.. أنت كبير؟

–        نعم يا بني.

–        يعود لذهوله المفاجئ.. وأنا.. كبير، أم.. صغير؟

–        أنت رجل كبير جداً.. انظر. ويقف الأب على ركبتيه ويقترب من الابن الجالس على السرير.. يساوي الرأس ثم يقول انظر.. أنا أصغر منك.

–        ويبتسم الابن.. وسأذهب إلى المدرسة؟

–        نعم وستكون أفضل مني.

–        وأشتري حذاء تزلج جديد؟

–        تريد حذاء جديد؟.. لديك اثنان.

–        أريد الفضي.. أعجبني ويصلح مع هذا القميص..

وترتسم الابتسامة ثانية.

–        حسناً سأشتريه لك غداً بإذن الله.. هيا الآن للنوم.

التفت إلى السماء.. النجوم تزهر.. وعادت ابتسامته ثانية..

–        بابا.. أعطني حبل.

–        لماذا؟

–        الشمس ستختفي في البحر.

–        ولماذا تريد الحبل؟

–        سأرميه عليها وأرفعها فوق.. ليزداد النور.

آهـ لو علمت بما حدث لأبيك يوم رحيلك يا بني.. عاد لليل والبحر يتأمل في سكونهما.. وصوت الأمواج الخفيف يضرب الشاطئ في لطف.. وأضواء صغيرة بعيدة على امتداد الأفق توحي بالمشاركة في هذا الملكوت.

–        خلاص.. يكفي كلام.

–        ما بك يا بني؟

–        أتعبوني بالكلام.. أوجعني رأسي.

يبتسم ثانية ابتسامة أقرب ما تكون للبكاء.. هذا الصغير … واختفت الكلمات من شفتيه.. وعاد ثانية لمكانه.

نزل من السيارة وبدأ يمشي.. الرمل ناعم.. ورجله تغوص فيه.. عادت الذكريات لنفسه.. أبي انتبه لا تتسخ وإلا ستغضب أمي.. امش هكذا ويتحرك بهدوء على الشاطئ.. يعود مسرعاً إلى سيارته.. يرتمي على المقعد.. كل شيء، كل شيء يذكرني به.

يتحرك بالسيارة الوقت قارب على الفجر.. يصل إلى بيته وقت الأذان.. يصلي الفجر ويعود إلى غرفته.. يمكنه أن ينام قليلاً قبل أن يذهب إلى عمله.. يغمض عينيه وصورة الصغير ترتسم أمامه.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

رحلة إدارية

رحلة إدارية

كان المكان يشبه منتجعاً ريفيًّا بسبب كثرة الخضرة والأشجار وخاصة حول الوحدات السكنية وتحت الشرفات الرئيسة للمباني.. ولو تخيلنا المكان لعرفنا أنه صمم بطريقة تدل على ذوق تجاري لطيف.. ففي يمين الداخل إلى المجمع أقيم صف أبنية علاه قرميد أخضر، ولم يكن في الحقيقة سوى مبان متعلقة بالخدمات العامة، وقد أقيم طريق صخري لطيف طليت أطرافه باللون الأبيض، ثم يتفرع الطريق بطرق أصغر تؤدي إلى المباني ذات الدور الواحد.

واهتم البستاني بتزيين هذه المنطقة إذ إنها مسئولية الإدارة، ولذلك بدت غاية في التشذيب والجمال.. وعلت في الأقصى اليمين نخلة استوائية أعطت المكان مزيداً من الشاعرية.. وفي أسفلها مجموعة كراس شمسية ومكان معد للشواء.

وفي الأمام ومباشرة بعد وحدات الصيانة والخدمات، صف طويل من الوحدات السكنية الرائعة التصميم، والمغطاة بقرميد أحمر نقشت عليه أرقام الوحدات.. وكل وحدة لها مدخلان يؤدي كل واحد منها إلى دور مجهز بغرف نوم وغرفة طعام ومطبخ وغرفة ألعاب وبعض المنافع المهمة وصالة داخلية وشرفة خارجية تصلح لجلسات الشاي والقهوة التركية المشهورة في هذه المنطقة.

وينتهي الصف الطويل بمسبح أولمبي في صالة زجاجية يلحق به ملحق خشبي تغطيه الأشجار ويقع فيه النادي الصحي و السونا والعلاج الطبيعي وغير ذلك مما يهتم به أهل الرياضة.

في الجهة المقابلة تماماً للوحدات السكنية تقع صالة اجتماعات كبيرة مجهزة بأحدث المعدات من وسائل عرض، وخرائط، ونظم معلوماتية وغير ذلك.. وبالقرب من المدخل الرئيس على يسار القادم حديقة استوائية رائعة يتوسطها مبنى صمم على شكل معبد صيني، واتخذته إدارة المجمع مقرًّا لها، وبجانبه وضعت بعض الأقفاص المرتبة على هيئة حديقة حيوان صغيرة وضع فيها بعض الحيوانات النادرة.

هذا هو المكان الذي قررت البعثة إرسالي إليه للاجتماع السنوي لعلماء الإدارة والتخطيط.. وكنت أرى في وجه الرجال نوعاً من الرفاهية المقيتة التي هي في حقيقتها كسل وجبن وتعلق بأسباب الحضارة المادية.. لم أكن متمسكاً تماماً بإسلامي ولكن المكان أعطاني شعوراً بتميزي، وتوقعت أن تطول فترة إقامتي، لذا أرسلت لأخي في طلب مجموعة من الكتب الشرعية التي تتعلق بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم.

انتهى الشهر الأول في برامج مملة نوعاً ما.. ولأن الجميع حضروا بأهاليهم عداي فقد كانت لديهم برامج تخص الأسرة ولكن لم يكن لي مكان كبير فيها لاختلاف الثقافة.. وبدأت أعد مشروعي الذي سأتبناه في هذا المؤتمر الذي هو أقرب لورشة تنظير إداري، وأنهكت نفسي في البحث والتأمل والدراسة والترتيب.. حتى حان موعد إلقاء أطروحتي الإدارية.

–        أنت مجنون يا أحمد؟

–        لا.. لست مجنوناً.

–        كيف لا.. وهذه هي أطروحتك.. أتدري من ستقابل هنا؟

–        نعم.. كل أقطاب الصناعة والإدارة في مختلف دول العالم.

–        جميل.. جميل.. إذاً أنت تعرف حقاً من ستقابل.. ومع ذلك فأطروحتك لا تدل على فهمك.

–        لماذا يا دكتور؟

–        ما دخل الدين في الإدارة والاقتصاد؟

–    … سادنا لحظة صمت ,, ثم قطعتها بردي عليه، ومن قال لك إنني سأتكلم عن الدين.. أنا أتكلم عن الإدارة في عهد رسول الله صلى الله عليه والشيخين.

رد علي مستهزئاً.

–        وهل كانت هناك نظم إدارية في ذلك الزمان؟

–    ربما لم تكن مكتوبة.. ولكن السياسات التي مشوا عليها تعطي عمقاً إداريًّا قويًّا في حياتهم.. وإلا ما قامت الدولة الإسلامية بهذه الصورة القوية والمبدعة في ترتيباتها وتقسيمات المهام فيها.

كنت متحمساً للفكرة بشدة.. وبذلت جهدي طوال شهرين كاملين في دراسة بعض المقاطع التي رأيت فيها قوة إدارية وخاصة المعارك، والعلاقات العامة.. ومنها استطعت أن أرسم الخطوط الكبرى في العلاقات الإدارية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته.

 وبعد كلام رئيس الاجتماع أدركت أنني سأخوض حرباً لإثبات صحة نظرياتي.. وإن كان هذا المسلم واجه الأمر هكذا فكيف ستفعل الشعوب الحمراء والصفراء.

–        معنا الآن الدكتور أحمد..

هكذا أعلن اسمي أمام الجميع وتقدمت أحمل حقيبة وضعت فيها جهاز الحاسوب الخاص بي.. ومجموعة قصاصات دونت فيها أهم المحاور التي سأتطرق إليها.

–        ألقيت التحية.. وساد الصمت.

–    ليس المهم أن أقف هنا أنا أو غيري لطرح نظريات خيالية لمعالجة أوضاع الاقتصاد.. والتصدي للنكبات والأزمات. وتوفير مستويات معيشية مناسبة للمجتمع.. ومن ثم وضع صور مثالية للتطوير. بل المهم أن آتي لكم بسبب يعالج كل ما ذكرته من سلبيات.

–    منذ أكثر من 1424 سنة خرج دين جديد على مجتمع صحراوي لا يعرف من صور الحضارة شيئاً سوى الخمر والنساء وبعض عادات فيها نبل كالكرم والشجاعة مع ما خالطها من الرغبة في المدح وغير ذلك.. ولكن رجلاً خرج من هذه البيئة قاد هؤلاء إلى تحقيق أروع الصور في السلوك والتعامل، مع معطيات الحياة لصنع النجاح من خلالها.. إنه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

سرت همهمة في القاعة الكبيرة.. ولكنني لم التفت إليها بل تابعت حديثي.. وأخذت أسرد في صور سريعة ملامح من الواقع الجاهلي، وبالمقابل صور التغير التي حدثت في المجتمع بعد إسلامه، وكيف تعامل معه أعداؤه بشدة ولكن بالمقابل وثقوا فيه ليقينهم من صدقه.

–    كانت أول صور الإدارة هي ضبط النفس في مواجهة العداء ومقابلة الإساءة بالإحسان، ومع أن العربي يرفض الضيم إلا أنهم امتثلوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف أي منهم بأي تصرف يخالف أمره، ولم يقاتل أحد منهم، وما كانت تنقصهم الشجاعة ولكنه التغير الذي حدث في النفوس.

–    وكانت الزكاة تؤخذ من الأغنياء لتعطى للفقراء لعمل توازن في المجتمع، ثم فتح باب الصدقة لسد ثغرة أكبر، ثم كان التآخي في صورة لم يعرف التاريخ كله مثلها.. إذ كيف نتصور أن يحل أهل مدينة ضيوفاً على مدينة أخرى فيتقاسموا معهم كل شيء ويشاركونهم في حياتهم حتى لا تكاد تعرف من أهل البلد الأصليون. ..وبدأت الفتوح.. فإذا بالبدو ينتظمون في جيوش ويقاتلون في صفوف في سابقة تاريخية ما عرفها الناس وظهرت صور من الإدارة فريدة توِّجت بانتصارات في بدر، وأحد، و القادسية وغيرها. وأما بيت المال فكان مخزن الدولة.. ينتفع به الجميع تحت إدارة الخليفة.. وتكلمت عن مهام الخليفة وطبيعة العلاقة ومعالجة المواقف التي قابلوها.

كنت أتحدث في سعادة ونشوة.. ومع أن الوقت انتهى إلا أن أحداً لم يغادر مكانه أو يقاطعني، بل كان الكل مندهشاً لعرضي للجوانب الإدارية في كل المواقف التي ذكرتها، في الوقت الذي كان البعض ينزوي خجلاً من تاريخه، وقف أقطاب الإدارة في العالم يصفقون ويثنون ويعجبون كيف لم يعرض أحد هذا الكلام من قبل.. وكيف يفرط المسلمون في هذا التراث المجيد.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

صفحة 1 من 3123»