العجوز

بدا لي أن صديقي كان خبيرًا بهذه الطرقات المظلمة.. ولولا أن الجو كان ممطرًا لاستطعت أن أرى أن الطريق متسخة جدًا.. كنت مستمتعًا بالرحلة على كل حال.. لم تكن هذه زيارتي الأولى لتلك المدينة.. لكنها كانت بلا شك زيارة متميزة.. تعرفت فيها على إبراهيم.. الذي بدا للوهلة الأولى غريب الأطوار.. ولكنك بمجرد أن تتعرف عليه ستعلم أنه ذو قلب أصفى من الماء.. وأرق من النسيم.. لم أعد أستغرب حديثه الدائم عن الجدة فوزية.. تلك المرأة الثمانينية التي كان يتكلم عنها بحماس غريب، فقد كان يجد عند تلك العجوز نوعًا من الراحة والأنس لم يستطع أن يعبر عنه بأكثر من حركات منفعلة من يديه.. ودمعة تترقرق كلما تحدث عن هذه الأسر البسيطة.

–         إبراهيم.. أتعرف الطريق جيدًا أم أنك تقود بشكل عشوائي.

ابتسم لي، وأخذ ينشد كلمات حزينة.. كان لصوته الخشن أثرًا من الرهبة في نفسي.. ومع قطرات المطر لحظت انعكاس بعض الأنوار المتفرقة هنا وهناك.. ونظرة ساهمة دامعة في عيني صديقي.

–         أتعرف يا عبدالله.. العالم في الخارج محروم.

–         لماذا؟

–         لم يعرفوا الجدة فوزية.

–         ألا ترى أنك تبالغ في هذا الموضوع يا عزيزي؟

–         أنت أيضًا لم تفهم ماتعنيه بالنسبة لي.

ابتسمت له.. مشجعًا على البوح..

–         أكمل قل لي ماذا تعني لك؟

.. كنت أحب الاستماع إليه.. طريقته في الوصف تجعلني أعيش تفاصيل الموقف.

–         اسمع.. هذه المرأة بقايا جيل.. جيل بدائي عرف صفاء القلب ونقائه.. ولم يتلوث بالحضارة الزائفة.

كانت السيارة قد بدأت في التقليل من السرعة.. ربما يعني هذا قربنا من منزل الجدة.. وكان إبراهيم يتكلم في صوت أقرب إلى الهمس..

–     أعني أن هناك قلوبًا إذا رأيتها شعرت أنها تعيش خارج هذا العالم.. ترضى من الدنيا بالفتات.. وتسير على .الشوك بكل إيثار وتضحية بينما يدوس الماشون بكل صلف وعنجهية على جسدها الطاهر.

انشغلت بالرد عنه بتفكير عميق في طوايا حديثه سارحًا في مراقبة قطرات الماء وهي تسقط على الزجاج ولم أفق من تأملاتي إلا مع توقّف السيارة، فخرجت منها واضعًا يدي على رأسي لأحتمي من المطر المتساقط.. فاجأتني حينها ضحكة خفيفة صدرت عن إبراهيم الذي بدا سعيدًا للغاية.. ثم جرينا في اتجاه بناء قديم يتألف من طابق واحد.. قرع صديقي بابه، فجاء من الداخل صوت امرأة عجوز:

–         من؟

–         هذا أنا يا جدة.. إبراهيم.

فتح الباب وأطل وجه امرأة كنت أصفها بالعجوز.. ولكن التجاعيد التي شكلت وجهها كانت تعني أشياء أخرى.. شعرت لأول نظرة بقشعريرة تسري في جسدي.. ونسيت المطر والهواء.. وبقيت أتأمل في الوجه الذي أمامي.. والابتسامة الخالية من الأسنان التي تشكلت على وجهها يوم رأت إبراهيم.. والدعوات العامية التي أخذت تنطلق من فمها.. ومزيج غريب من المشاعر.. كأنني واقف أمام تاريخ أمة.. يكشف عنه منظر امرأة مكافحة خطّت الأعوام الأليمة توقيعها في غضون وجهها وتجاعيده، وملامحه الطيبة.. تلك التجاعيد كانت ثمرة بضع وثمانين عامًا.

دخلنا وعرفها إبراهيم بي. ولكن بدا لي أنها لم تستوعب من أكون.. بقيت أتأمل في منزلها.. كان عبارة عن حجرة مربعة توسط الباب جانبًا منها يطل على الشارع مباشرة.. وعلى يمين الباب تقبع خزانة ملابس حديدية قديمة.. وسرير مخصص للتوم والاستراحة وضعت فوقه عدة طبقات من القطن، وبجواره طاولة صغيرة صُفّت فوقها أنواع من الأدوية.. وفي الجزء الأيسر من الغرفة ترى الجدار وقد قُسِّم قسمين ووضعت ستارة على قسم منه ليكون دورة مياه، وبقي الجزء الأخير من الغرفة، لبعض الأواني القديمة إضافة إلى موقد غاز من النوع الذي يستعمل في الرحلات.

انتهت الزيارة بسيل متدفق من الدعوات الصادقة نفحتنا بها تلك الأم الرؤوم في وداعنا كما كانت في استقبالنا ليبقى ندى صوتها الأثير وسحائب دعواتها الصادقة مددًا ينبت أفنان الطمأنينة في نفوسنا.. وبقيت الجدة توصي إبراهيم أن يبلغ السلام لأمه الميتة.. وهو يجيبها إن شاء الله فقط اهتمي بنفسك وسأمر عليك في وقت آخر.. وخرجنا في حين كانت قطرات المطر في الشارع المظلم بدأت تخف فيلامس رذاذها بشرتي ليحملني إلى عالم بعيد ..حالم.

–         لماذا لا تتكلم؟

–         .. .. اكتفيت بنظرة إلى الشارع المظلم.

–         أين وصلت؟

–         لم أكن أتوقع أن يكون وضعها بهذه الصورة.

–         أتدري يا عبدالله.. هناك أناس آخرون ربما كانوا أسوأ وضعًا منها.

–         كيف؟.. وأين أهلها؟

ابتسم إبراهيم في أسى..

–         أهلها؟. اسمع يا أخي.. للجدة فوزية ابنان.. أحدهما فقير مشغول بحاله.. والآخر…

–         والأخر مابه..؟؟

–         الآخر يخجل منها.. وبناته لا يريدونها بينهم.

صعقتني الكلمة.. فلم أكن أتصور أن يكون لها أبناءً ويتركونها.. فكيف إذا كان سبب الترك الخجل منها لأنها فقيرة.

–         ماذا تقول؟

–         أقول لك لا يمكن أن أصدق أن هذا هو السبب.. ولا يمكن أن يفكر أحد أن يترك أمه لأنها فقيرة.

–         ضحك إبراهيم.. أنت طيب يا عبدالله.. بعض الناس لا يفكرون كما تفكر أنت.

لم أرد عليه.. وبقيت أفكر في المرأة العجوز..

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

3 تعليق على ” العجوز

  1. طرح بحر

    صورة من صور الحياة .. نقابلها احيانا بعضنا يلمحها والبعض يمر بها بدون اهتمام
    لا احد يتفكر فى انعكاس صورته وما ترسمه السنوات على ملامحه وروحه زيادة او نقصانا .. ما يمكن ان يكونه بيوم ما من صور تمر به لعلها تكون عظة او عبرة
    :::
    ما اتوقف عنده بكتاباتك دوما انك لا تبحث عن خوارق الطبيعة لتذكرها او تعلمنا اياها بل تعلمنا الاحساس بالموجود الا نفقد القدرة على الاحساس بما يمر بنا من احداث وأشخاص ….التعمق فى النظرة اليها .. بين كلماتك دوافع خفية لتنشيط حواسنا التى كادت ان تتبلد
    تقديرى لك ،،،

اترك تعليقاً