بائع الحلوى

وضعت الصواني في شكل جذاب.. وفي نفس الوقت يدل على تمرس في المهنة، فأصناف الكنافة تجاورت لتعطي صورة شهية ترغم الواحد على الشراء.. وبجانبها البقلاوة وأنواعها.. وفي الزاوية وضعت علب حلوى مختلفة الأحجام على شكل هرم وقد علقت فوقها لوحة كتب عليها بخط نسخ جميل عبارة “العروض الخاصة”.

–          محمد.. تعال ساعدني لننقل هذه الطاولة إلى الخارج.

ويتحرك محمد الغلام الأشقر ذو الخمسة عشر ربيعًا ليساعد والده في نقل طاولة بدت كبيرة جدًا بالنسبة له.. ويرفعها في مجهود ظاهر ليمشي مترنحًا.

–          يا محمد.. انتبه ألا زلت طفلًا؟.. أحمل الطاولة جيدًا.

وفي صمت من تعود على العتاب يضغط محمد على شفتيه.. ويحمر وجهه وتتكون حبات عرق صغيرة على جبهته الحمراء.

–          أنت لا تصلح لشيء.. انتبه للزبائن هناك.. يا لله كن رجلًا.

يعيش محمد مع أسرته الكبيرة في المهجر، كغيره من الأسر التي تركت وطنها بعد الحرب لتستقر في معظم دول العالم.. مبقين على هويتهم الأصلية في مجتمعات متعددة الهويات.. ولشهرتهم في صناعة الحلوى فقد عرفوا بين الناس بعائلة الحلواني.. وهي المهنة التي تناقلوها أبًا عن جد.. وعرفوا أصولها وفنونها.

ومحمد هو الابن الأوسط في الأسرة الكبيرة.. طالب يقسم وقته بين مدرسته ومحل أبيه وقضاء متطلبات المنزل.. ثم إن بقي وقت وهذا نادر صرفه بين أقرانه ولم يكن له صديق مقرب منه سوى مهاجر آخر اسمه سعيد.

اقترب شهر رمضان.. ولابد من بعض التغيرات التي تناسب المحل في هذا الشهر.. ولانشغال الإخوة في المحلات الأخرى فقد بقي محمد مرافقًا لوالده متحملًا التعب واللوم.. وكان يتأثر بذلك ويتمنى لو يتوقف والده عن انتقاصه وخاصة أمام الناس، ولكن الخوف كان يلجمه فيصمت.. لم تكن حدود محمد تنتهي عند باب المحل.. فقد كان كغيره ممن تركوا أوطانهم ورحلوا يفكر في العودة إلى مرابع أجداده.. وأصول أسرته، وهذا الهم أعطاه مظهرًا ساهمًا حزينًا يشعر الرائي بانكساره.. ويقرأ في صفحاته تاريخ معاناة أكبر من سنه الصغير.

بعد صلاة العصر يبدوا الكل متعبًا.. ولكن سعيدًا بقدوم الشهر.. وأمام كل باب تسمع مناديًا يدعو إلى بضاعته المعروضة في بساطة تدل على ذوق وطيبة قلب.. وقبل الإفطار يتحرك الكل في عجلة ليدرك الإفطار مع أسرته وليجتمع الكل حول عميد الأسرة. وفي الليل تتغير الدنيا في رمضان.. فليل رمضان حياة وأنس. لكن قلبًا صغيرًا كان يرتجف في رمضان.. يشعر بالأنس أكثر من أي وقت مضى.. يرغب في العودة لبلاده عله يصيب فيها لحظات تربطه بماضٍ يحن إليه.

–          ما بك يا محمد؟

–          لا شيء يا أمي.

–          وما بك متغير هذه الأيام؟ قل لي يا بني لا تخفي عني شيئًا.

–          أماه.. متى سنرجع إلى ديارنا؟

–          آيه يا بني.. هذا الشيء في علم الله وحده.

–          لماذا لا نعود يا أماه؟

–          ليس هذا في يدنا يا بني.. بل ليس هذا في يد أحد غير الله.

تنقضي الأيام سريعة.. والشهر يعقبه الشهر.. والطفل يصبح شابًا. والشاب يصبح رجلًا كبيرًا.. يتم محمد دراسته، ويتخصص في إدارة الأعمال رغبة منه في تحقيق حلمه الذي سعى إليه طوال حياته.. دون أن يشاركه أحد همه إلا صديق العمر.. سعيد.

–          ماذا تنوي يا محمد؟

–          سأسافر للاستثمار في بلادي.. لقد كونت رأس مال لا بأس به ويمكنني أن أبدأ أي مشروع هناك.

–          ولكنهم لن يسمحوا لك بذلك.

–          ابتسم محمد في ثقة.. لا تخف هم يريدون المال.. وسيحصلون عليه.

–          وأهلك؟

–          ما بهم.. سأعود إليهم بعد فترة يا سعيد.. فكل الذي أريده أن أمشي على أرض الأنبياء.. وأستنشق عبير بساتينها.

–          أنصحك بالتروي.. وعمومًا سأبقى هنا.. وسأحضر مشروعًا نشترك فيه حين تعود من سفرك.

ويقف سعيد ودمعة تصر على الخروج ليعانق محمد الذي أبت ابتسامته إلا أن تظهر على شفاهه.. وفي سرعة تتم مراسم الوداع بين الأهل والأصدقاء.

وصل محمد إلى الحدود مع بلده.. وبدا له الطريق مألوفًا.. فقد تخيل نفسه يمشي فيه كثيرًا ليعود إلى منزله في قرية أجداده.. ومع أنها المرة الأولى التي يسير فيها حقيقة في هذه الممرات إلا أنه شعر أنه خبير بها.. فأنطلق يسابق الوقت والأشجار ليصل سريعًا. بدا له تجمع الناس وشريط الحدود الممتد أمام ناظريه.. ورجال الجيش يحرسونه.. وشعر بألم يعتصر قلبه.. هذه كلها أرضه يحرسها عدوه من أبناء بلده.. وسمع صوت الجندي يصرخ في الناس.

–          ممنوع.. قلنا لكم لن تعبروا اليوم.. هناك إصلاحات على طول الطريق.

–          وماذا سنفعل؟

–          يمكن أن تأتوا الأسبوع القادم.

–          ومزارعنا؟

–          ويبستم الجندي ابتسامة صفراء.. لا تخافوا عليها.. هي في الحفظ والصون.. وتعلو قهقهة الجنود.

لم يعد بين محمد وبين حلمه سوى بضع خطوات.. يعبر هذا المدخل ليكون في قريته. ويقترب من الجندي ليحاول معه.. يراه الجندي قادمًا نحوه.. يتملكه الخوف.. يبتعد ويصرخ في وجه محمد.

–          ابتعد عني.. ماذا تريد مني؟ إذا تقدمت سأطلق النار.. ويجري نحو السواتر المنتشرة على طول الحدود.. ويواصل محمد تقدمه.

–          يصرخ الجندي.. إنه هجوم.. يريدون قتلنا.

يتعجب الناس.. ويعبر محمد شريط الحدود.. ويفتح الجنود النار ليسقط الشهداء.. وعلى ثرى أجداده يسقط بائع الحلوى.

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

تعليق واحد على ” بائع الحلوى

اترك تعليقاً