قراءة في خارج الجسد

قراءة في خارج الجسد

عبدالله السعد

منذ فترة قرأت “خارج الجسد”، ستنقلك عفاف البطاينة بين موجة وأخرى، ستعترض وترفع يديك ملوحاً بالكتاب، ثم ستهدأ وأنت تضم منى بطلة الرواية في محاولة لاستيعابها، منى الطفلة والمراهقة والعجوز التي لم تتعدى العشرين ليست طائراً في قفص، بل سجين في غرفة نحاسية وحولها النار من كل مكان ويستمر احتراقها بلا توقف وعذاب لاينتهي.

البيئات التي حولها تشترك في الضغط عليها، ترى أهو الفقر؟ أم الجهل؟ أم مستوى التدين والفهم؟ أم عادات القبيلة وارتباطاتها؟ أم الخبث والطبع السلبي في أصله؟ أم كل العوامل مجتمعة أدت إلى ظهور شخصيات الرواية؟

منى كانت النموذج الأبرز باعتبارها بطلة الرواية، وأتقنت الكاتبة الصياغة لدرجة أنك ستجزم أن هذه التجربة الإنسانية شيء كان في محيط الكاتبة في أقل تقدير، إن لم تكن الرواية جزءاً من سيرة ذاتية.

في قراءتي كنت أحاول تخيل الأحداث بصورتها الحقيقة، ربما سيكون الأمر سهلاً في تصور البيئة المادية لأنني عشت بعض منها في مرحلة من حياتي، كنت أتخيل الأسرة والازدحام وشيء من طباع البشر والقرية ومجالس النميمة البسيطة، ولكن لايمكن أن أتخيل الصورة كاملة لأنني لم أر في حياتي صورة قاتمة تفرز حقداً وبغضاً كالتي ذكرتها الكاتبة، البطاينة اختزلت العالم ليكون محيطاً ذو نماذج متكررة لم ألفها حقيقة وتخالف ماعرفته، ولكنها نظرة أفرزت “منى” على كل حال فسأمررها دون أن أحاول تقييمها أو الدفاع عنها.

منى في تصوري “مريضة نفسية” تعاني من تأثيرات المحيط من حولها، ولكن علاجها ليس صعباً، مشكلة العلاج أن بعض مساحاته تحتاج إلى صبر وزرع ثقة والتركيز على أصالة العلاج لتتقبله منى ويثمر في تغيير نفسيتها، الحب والاحترام يحتاجان إلى صدق وصبر وشخص لاينتظر المقابل، والعلاقة بين الرجل والمرأة شائكه ولذلك لن تتوفر في حالتها إلا من طرف خارجي يحبها لذاتها ويهبها الأمان، وهذا باختصار يكون في زوج كريم صبور صادق حنون. الحقد النابض في قلب منى سيجعل العلاج صعباً في البداية، ولكنها كروح هائمة تشعر بالجنون وتتعطش للاحترام. كان يمكن أن تعالج لو وجدت حولها من يحرص على علاجها، لابصفتها مجنونة، بل إنسانة منكسرة، لم تر الصورة الصحيحة يوما من الأيام.

في قراءة البعض لن تتوقع عمره، حجم التجربة سيكون أكثر من عدد الأيام، العملية معقدة قليلاً كعملية الضرب تتضاعف وليست كعملية الجمع، يتجاوز البعض الأربعين قبل أن يصل إلى العشرين، بل قد يقارب الستين منذ مراهقته، مشكلة التجربة الإنسانية التي يمر بها هؤلاء أنها منغلقة، لذلك تصبح مستنقعاً قذراً موبوءً وليست محيطاً رحباً متنوع الأحياء والأحوال.

سيتألم القارئ وسيشعر بمعاناة هائجة طائشة يتمنى أن يوقفها ليكون مع منى، لا أقول ليوجهها فلن تسمع نصحه، خاصة أن مصادر النصح في محيطها كانت مؤذية وسببت لها جراح نفس وجسد، الأسرة، الرمز الديني، أساتذة الجامعة، وحتى الدكتور الجامعي الطيب كان أكاديمياً فوجهها بصورة محاضرة ظلت تبحث عن تطبيقاتها في الحياة فلا تجدها.

كانت منى أقوى من أن تتعلق بقشة، لأنها كانت سفينة في محيط متلاطم، من عادات وجهل وأطماع، ولذلك غرق الكثير ممن يحملون صفات خير ولم يكن عندهم القوة ليواجهوا التيار ويكونوا معها، ليوفروا لها قوة وأماناً.

منى لم تكره الأسرة، ولم تكره الدين، ولم تكره الدراسة، بل أحبت أن تشعر بإنسانيتها وحقها في التعبير والقرار، من مثّل المسارات حولها لم يكن مؤهلاً، الأب كان قاسياً لم يتكلم معها كإنسانة أبداً، لم تكن ابنته في يوم من الأيام، حتى يوم مات ودعت القسوة ولم تودع أباها كما عبرت عن ذلك. الأم لم تكن بعيدة عن ذلك، بالرغم من ضعفها ولكنها حكمتها بنفس القسوة ونفس المعايير، لم تكن قريبة منها لتضمد جراحها ولتقف معها، والاخوة كانوا كذلك، كل في عالمه. الرمز الديني ضربها بحجة التلبس، وهل كانت متلبسة؟! ربما، لايوجد شيء قطعي. الدكتور الجامعي لم يكن بعيداً عنهم، مساومة رخيصة، وتعاون مع الآخرين لتغطية فساده، ثم انتقاله لمكان آخر بعرض أفضل، لذلك لم تكن لتثق فيهم أبداً.

في خارج الجسد ستخرج بلوحات تحذير كثير تخص الأسرة والحب والعلاقات الزوجية، ستكون مثقلاً بالجراح والمسئولية، مخططاً وداعماً، وواهباً روحاً لعناصر متعددة كلها تطلب منك قلبك وقالبك، ستكون حذراً متشككاً في المسارات والنتائج، متهماً نفسك ومن حولك، مبعثراً بين من فعل؟ ومن يفعل؟ ماذا تريد؟ وماذا يريدون؟ ولن تكون مثل منى هارباً من محيطك بل ستعود له باحثاً عن توجيه أب وأم وعقلاء قبيلة وخبرات حياة افتقدتها منى في خارج الجسد.

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقاً