أنا والتاريخ

كلما اقتربت من تاريخ الدولة العثمانية شعرت بالخوف من الفراق، خوفاً من رحيل أعلم نهايته، أرى الأطلال فاتشبث بها ويجرني التاريخ ممزقاً ملابسي وأظافري، افتح عيني لأعيش واقعي، أقف أمام درجات القلعة الصخرية الشاهقة، ألمس الجدار وأشعر بالحنين يشدني أكثر، اقترب من الجدار برغم برودته، وأرفع رأسي لأرى شموخه ومعانقته للسماء.

أصعد للبرج في حذر، وأخفي رغبتي في البكاء عن مرافقي، حين صعدت للقمة رأيت المدينة الغارقة في الضباب، وعرف سبب تسميتها، نظرت لأسفل ورأيت أصدقائي، أشار لي أحدهم فرددت عليه بالتحية وجهزت كاميرتي، المآذن المتناثرة في الأسفل زادتني من شعور الحنين والرغبة في البكاء، تركت دمعة تنطلق وغرقت في عملي.

في التاريخ لايصيبني الشعور بالألم نتيجة الدماء التي أريقت، قسوة الرجال تحركها المصالح والأهداف، المصالح الشخصية الغير مبررة والأهداف الاستراتيجية المبررة، أفصل تماماً بين المنهج والسالك، وأنظر للخريطة أمامي في حنين لمجد بعثرته الأهواء.

لي طريقتي في القراءة والتحليل والربط، أصنف المعلومات في مجموعات خام يحكمها عوامل مشتركة، حين أواجه موقفاً يحتاج إلى قرار أبحث في المخزون عن التطبيقات وأستورد المعلومة الملائمة، أقارن في النتائج وأتعرف على تطبيقات جديدة للمعلومات الخام.

في التاريخ انشغل أكثر بدوري في الفريق بدلاً من انتقاد العاملين، أعلم أن هناك الكثير من المواقف الدامية السيئة، لكن يقابلها فتح ونصر وتمكين للإسلام. أعمالهم أمرها إلى الله، وواجبي هو مايهمني في التعرف على التاريخ وقراءته.

أؤمن بأن السنن الكونية تتكرر في كل العصور، لايمكن أن تصنف السنن في مجموعات جامدة، لتستفيد من التاريخ تعرف على الموقف وادرس نتائجه، وسترى نتيجته حين تعاد المعطيات من جديد، في أي مجال كانت الأحداث ستجد أن السنة ستنطبق متى ماتوافرت مقومات البيئة اللازمة لظهورها.

لو رسمت خط زمن سأجعله رصاصياً، بعد قليل ستنتشر حوله الألوان، انشغال الخلفاء بالحدود الخارجية لن ينهي محاولات الأعداء في بث الفتن الداخلية، سيحاولون تشتيت الجهود، لذلك سيرعون الأصوات النشاز في الداخل، الأصوات التي تطالب بمخالفات للدين والعرف، أمة ليست منا تتكلم بلساننا، هذه هي السنة الكونية حتى يكثر التذمر من الحق وإظهار الانبهار بصفات العدو سينساق الكثير من الضعفاء وسيبررون وجود الدخيل، الأمر ليس للتعددية فقط ولكن لبداية تغيير على المدى البعيد، وفي العشر سنوات القادمة سينحسر مد الأصالة وتبدأ التغييرات في الملامح والهوية.

عشر سنوات فقط هي عمر التغيير، لايعني ذلك هوية بديلة، ولكن يعني نواة غريبة ستنمو وستظل تنمو يرعاها قلة العلم وغياب المنهجية وضياع الهوية.

في الدولة العثمانية كنت أعيش صورة الخلافة، أمير المؤمنين والفتوحات، تركيتهم لاتعني أنهم استعمار، لأنهم يقرأون نفس قرآننا، ويصلون نفس صلاتنا، ويعبدون الله الذي نعبده، لافرق عندي بين التركي الخليفة وبين العبد الحبشي الذي رأسه كالزبيبة وتجب طاعته متى ماتحققت شروط ذلك.

 

(الصورة بعدسة: niekverlaan)

 رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقاً