بين المشارقة والمغاربة

قبل عدة أعوام كتبت أول كلماتي عن المغاربة، وقتها كنت أتكلم عن التسويق وصفات المسوقين، ووضعت تقييمي بناءً على مشاهداتي للمغاربة في سوق العمل واحتكاكي القريب والبعيد بالكثير منهم، وقلت وقتها ماملخصه أن المغربي يمتاز بهدوء وانفتاح على العالم، وهذا ساهم في بناء معرفة نوعية لدى المغاربة وثقافة تنعكس على سلوكهم. ووقتها لم ألاحظ -بل ولم أربط- هذا كله بطبيعة المالكية، وسمة الإمام مالك ومعاييره وشخصيته، وتأثير ذلك كله على المغربي.

ثم سافرت للمغرب وتكلمت عنها كلاماً كثيراً فاجأ حتى المغاربة أنفسهم في حديثي عنهم وحكمي عليهم، واليوم وبعد انقضاء عام على زيارتي الأولى. توقعت أن أنشغل عن المغرب وتكون دولة عابرة كغيرها. وفوجئت أن قلبي اغترب وأصبح يحن إلى وطنه، فكل مدينة مغربية قشة في عش أشتاق أن يحتويني، كل يوم كان نقشاً يؤكد حبي للمغرب وأهله..

رسائلي عنهم أثارت الكثير من المداخلات معظمها كان ملمحاً ومصرحاً بزواجي من المغرب، والحقيقة أنني لم أتزوج ولم أذهب لذلك وإن كانت المرأة المغربية نموذجاً متميزاً للزوجة، وأصدقائي برغم مستوياتهم الثقافية المتقدمة إلا أنهم لم يروا المغرب بعيني، بل بعيونهم، وملاحظاتهم نتاج تصوراتهم.

نعم أود الذهاب ثانية للمغرب، ولكن رحلتي القادمة بإذن الله لابد وأن تكون مختلفة، يمكنني ترتيب الرحلة لأقطع المسافات بين مدنها مشياً على الأقدام، سأحتاج إلى أمرين، دليل يعرف الطرق والمسافات والناس، ونقاط استراحة بين المدن للمبيت والراحة.

المغرب كلها حب، والرحلة ستكون جميلة بإذن الله. وفي الرحلة إما أن أقطع المغرب طائراً وأراها من الأعلى وأكون جزءاً من أحلامها، أو سائراً وأعيش كل خطوة وأمتزج بروحها ونبض مدنها وأكون جزءاً من صخبها.

بعض الأصدقاء أشار للسحر، نعم صدقت يا صديقي وهو سحر قلته منذ الوهلة الأولى، فالتعامل الراقي يسحرك حتماً لتعود لهم مرة بعد مرة. ولكن الشيء الذي لم يناقشني فيه إلا نسبة ضئيلة من صفوة الناس هو التاريخ والحضارة والعلم والأدب والدين وحبه ونصرته، حين زرت المغرب رأيت أرضاً مباركة ترتاح لها النفس، وحين مررت على الآثار رأيت التاريخ وسمعت التفاصيل، التاريخ كعادته يؤذي بقدر نشوته، تستحي منه بقدر فخرك، تتألم بقدر شوقك، ولكنك سترى محطات مشرقة اختصرت في “ابن تاشفين” وكانت منهجية تؤكد أن ولاء المغرب للمشرق منشأه الدين واللغة، والولاء لآل البيت سمت بارز في الحكومات والدول التي مرت على المغرب، وسترى كذلك الناس، الموطؤون أكنافاً يألفون ويؤلفون، وترى شيوخاً وعجائز يشتاقون لك فقط لأنك مشرقي أتيت من بلاد يحن لها كل مسلم في شتى بقاع الأرض، فقل لي بربك كيف لاتحبهم؟!

نظرتي للبساطة في الحياة وعدم تعرضها لكثير من عوامل التغيير قد تكون مفاجأة للكثير كذلك، فالمغرب صورة من أوربا في كثير من الممارسات، ولكنه ثوب لبسه المغاربة ولم يؤثر كثيراً على أرواحهم، استفادوا من طرحه وايجابياته، وبقي البيت المغربي، والطعام المغربي، واللبس المغربي على حاله، بل وبقي المذهب المالكي وقراءة وورش واللغات عربية وأمازيغية، وأحسب أن بعض منتقديهم لو مر عليه عشر ظروفهم لانسلخ من هويته، بل قد سبقني غيري في الحديث عن إشكالات الهوية عند دول كثيرة ولكن المغرب لم يكن منها في يوم من الأيام.

وهاهي رسائل المغاربة تنهال مرحبة بزيارتي الثانية، رأيت حفاوتهم من قبل ولذلك أسروا روحي، محيطاً وجبلاً وسهلاً وصحراءً مدناً وقرىً وبشراً، مساجدها وشوارعها ونبض التاريخ في كل حجر، أي أرواح تسوي فيها، أراقب خيول المرابطين تنطلق غازية براً وبحراً وأهيم بهم حباً.

هنا المغرب يا صديقي، حتى تحبها مثلي يجب أن تراها بعيني، ووقتها ستعيش فيها أعزباً أو متزوجاً باذلاً في عمل يقربك إلى الله، أو طالباً لعلم وأدب، أو مقتدياً بسلوك حضاري تراه في المثقف وفي عامة الشارع، أو رحالة متأملاً في جمال المكان والزمان والبشر والمشاعر والتاريخ. تحية لصديقي دكتور الجامعة، وللمعلم والمتفرغ للعمل الإنساني، وموظفي الفندق وللإسكافي والطباخ وبائع البرتقال في الشوارع، ولعربات الطعام والمحلات البسيطة الممتلئة بالكرم وبالابتسامات المرحبة، ولكل مغربي التقيته أو لم أسعد برؤيته، ولقائمة طويلة من البشر ارتبطوا بي وكانوا امتداداً لي عبر تاريخ انطلق بأذان فجر هذا الدين.

 

الصورة من موقع جريدةالشروق

 

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقاً