فريد الأنصاري.. الأصولي رجل القرآن

 

خرجت مع الصديق والأخ محمد بو دكيك ذات ليلة للمشي في شوارع مراكش، وأثناء سيرنا أدركتنا الصلاة في مسجد من الطراز الذي تأنس الروح به، والمساجد في المغرب لها مميزات برغم بساطتها وقدمها ومن ذلك على سبيل المثال:

* تخصيص سجادة صلاة للعامل الذي قد تبقى منه رائحة غير طيبة حتى تبقى رائحة السجاد الأصلي للمسجد كما هي.

* وضع أماكن مخصصة للأحذية ومن أراد إدخالها معه يوفر له كيس بحيث يضعها فلا تزعج المصلين بمكانها ولا منظرها ولا رائحتها.

* البناء والطراز العربي القريب من الطراز الحجازي الذي نشأت عليه من أسطوانات وتقسيم.

وغير ذلك مما له علاقة بطبيعة المغربي والمذهب المالكي.

تلك الليلة مررنا على مكتبة، فقلت له أريد أن أقرأ لعالم مغربي، لا تعطني كتاباً مشرقياً، فسألني: هل تعرف الشيخ “فريد الأنصاري” رحمه الله، قلت لا. فأهداني بعض كتبه.

قرأت بعض كتبه قراءة لم يبق منها شيء في ذهني سوى صورة عن رجل مهتم بالقرآن، وبعد سنة سمعت مقطعاً للشيخ فريد الأنصار، ونسيت أنه ميت، وبحثت عن مقاطع أخرى وأخرى حتى أتيت على ماقاله رحمه الله، ثم اتصلت بصديقي بودكيك لأخبره بأن من أهداف زيارتي للمغرب بإذن الله زيارة الشيخ فريد، فذكرني بموته.

عدت لأبحث عن الشيخ، وفوجئت بمستواه العلمي وربطت بينه وبين المذهب، وفوجئت بعمقه وربطت بين هذا وتخصصه في الأصول، وفوجئت بروحانيته وسمته ثم تذكرت طبيعة الزهد في المغاربة.

خجلت من نفسي، بالأمس رحل الشيخ الشعراوي، ورحل الشيخ فريد، وخسرت مصدرين لتفسير القرآن والشعور بحروفه ومعانيه، الشيخ فريد عالم رباني مرتبط بالوحي وممتلئ قلبه بالنص الشرعي، كتب رسائله الخمس في القرآن ليحاول توجيه الناس إلى تدبر القرآن والعيش بروحه، نبرة الصوت الهادئة للشيخ تملئك بتواضعه وهو يخاطبك بكلمات بسيطة محاولاً أن يضعك في الصورة لا أن يرسل لك كتاباً منمقاً لا يأخذ بيدك ولا تشعر به. ومع ذلك فهو صاحب حرف عذب يصور لك أجمل الصور كروائي بليغ ينقل لك المكان والمشاعر والأشخاص، بل ينقل لك نبض قلبك وسكينة نفسك، بل ينقلك إلى الشعور بصوره كمجسمات ثلاثية الأبعاد فترحل روحك بين المآذن والمنازل حتى تصل إلى المغرب تبحث في شوارعها عن رفيق الروح الذي عانقت روحه.

تركني الشيخ فريد غارقاً في بحر صوته ومتابعاً للخطوط التي رسمها أمامي حول معاني التدبر للقرآن وطرق الوصول إلى كنوزه وهي بسيطة، كن معه، اقرأه، تدبره، تعرض له، اقرأه لأنه كلام الله، افتح المصحف للتعرف على الله وخطابه لك، الوحي انقطع عن النزول ولكن الطريق إلى السماء يبدأ من هنا.

كمية الحزن في قلبي برحيل الشيخ لا يمكن التعبير عنها، كنت أرحل مع كلماته في تدبر القرآن في روحانية عالية، وكنت أقول لنفسي هذا أصولي وليس بواعظ، فالأصولي يؤطر بعقل ونص وليس بعاطفة مجردة وهذا هو الحال هنا ثم تحققت من ذلك في سيرته، وكنت مع رجل مروءة وعزيمة ودعوة ولو لم أقرأ لأقرانه عنه لكنه بعض مواقفه وضحت مستوى العزيمة عنده. لله أنتم يا أهل المغرب.

رحم الله الشيخ فريد وأموات المسلمين، وغفر الله لي جهلي بعلماء الإسلام، وجمعنا به في مستقر رحمته، ورزقني العلم والخشية والتوفيق.

 

صورة الشيخ من موقع: (رسائل النور)

 

 رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقاً