عند طبيب الأسنان

لا أرى أن لزيارة طبيب الأسنان علاقة بالشجاعة أو بالجبن.. فالأمر هنا خارج عن كل الحدود الطبيعية في التقييم. كنت عنده هذا الصباح..

* هذه هي العيادة الوحيدة التي لا يهمني أن يتأخر فيها دوري.. وأجد أنني أقدم كل شخص ولا يهمني حتى لو تأخرت.

* وهي العيادة الوحيدة التي يعرض فيها الطبيب أدوات لا تمت إلى الرحمة بصلة.. هاهنا آلة حادة، وهنا آلة قاطعة.. دون أن يراعي أي اعتبارات إنسانية، ولم يفكر في المريض الناظر إلى هذه الأدوات.

* وهي العيادة الوحيدة التي أرى ضرورة توفر مجموعات من الاستشاريين فيها إضافة إلى الطبيب الأساسي (طبيب الأسنان)، فلا بد من وجود طبيب نفساني يهدئ من المريض، وطبيب يرى مستوى ضغط المريض ويتابع حالته، وطبيب باطنية لفحص المعدة جراء الألم المتوقع، وهكذا.

* وهي العيادة الوحيدة التي يخرج منها المريض وهو صامت لا يشتكي من شي.. بل ربما خرج ساهماً ينظر إلى الفراغ.. ويفكر في المجهول، ولا يشعر بأحد ممن حوله.

* وهي العيادة الوحيدة التي لا يمكن أن أفكر في زيارتها وأنا مواصل للسهر إلا في حالة الضرورة القصوى.. فإنه بمجرد أن أستلقي على الكرسي الطويل ويبدأ الطبيب في معاينة أسناني، أشعر أنني أهوي في هوة سحيقة.. وأشعر بأن أنفاسي تنتهي، وأنني أسقط.. أسقط.. وامسك بيدي في جسدي علي أدرك شيئاً مني. ثم يزداد الأمر سوء لو فكر في استخدام آلة الحفر.. إذ سرعان ما سأشعر بالألم والرغبة في الصراخ حتى لو لم يكن هناك ألم فعلي. وليس بمستغرب أن أمد يدي لأمسك بيده.. وأشد عليها في رغبة صريحة بأن يتوقف عن الحفر ويعطيني أي شي، أو يخلع الضرس بسرعة.

* وهي العيادة الوحيدة التي إذا دخلتها تمنيت أن ينشغل الطبيب بأي شي.. أو يخرج ليسير قليلاً في طرقات المستشفى.. وربما داهمتني رغبة في الصمت أو إخباره أنني عامل صيانة جاء ليفحص الهاتف، أو الكهرباء.. وربما قلت له أنني صحفي فقط أتيت لأجري معه لقاءً حول عيادته.. وتمنيت أن ينتهي الألم لأتمكن من مواصلة حديثي الصحفي معه دون أن يبدأ في عمله.

* وطبيب الأسنان هو الطبيب الوحيد الذي لو قدر لي تكريمه فلن أكرمه، ولو اضطررت فلن يكون تكريمي له أمام العامة.. لأنني أرى في نظرته فحصاً.. وفي أصابعه آلة.. قلت لطبيب أسنان شيئاً من هذا الكلام.. فقال بما أنك كاتب فأكتب أننا منبوذون من مجتمعاتنا.. ولو جلست في مجلس عام لرأيت طبيب الأسنان أكثرهم انطوائية.

* هذا الكلام كله.. كان بعضاً من الخواطر التي خطرت في ذهني وأنا في الانتظار.. طرحت همسة مبتسمة مع مريض إلى جواري لأجد الكل بدأ يشارك ويبتسم.. وفي نظرات العيون الهلعة كنت أقرأ الكثير.. بل حتى من لا يحسن العربية بدأ يوافقنا في الكلام، ويبدي امتعاضه من هذه المراجعات المستمرة والمتكررة.. ويشتكي من همه.

لطبيب الأسنان مودتي.. فهو قريب من نفسي قرب أسناني من فمي.. حفظنا الله من كل مكروه.. آمين

 

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقاً