جدل الهويات

عبدالله السعد

هل أوحي سليم مطر الصديق العراقي المقيم في جنيف لي بهذ العنوان من خلال كتابه “الذات الجريحة”؟ ربما، ولكن العبارة “جدل الهويات” تدور في ذهني كالنول فتضرب في كل ضلع من صدري لافتة النظر إلى العديد من الصور الدالة عليها.

نعود لجدل الهويات، اشكالية الجذور والأفكار، الصراع بين المبادئ والاختيارات، تشدنا الاسماء والملامح لجذور نحاول التفلت منها، نرتبط في أحسن الأحوال بمحميات نزرع انفسنا فيها، جاهلين أن جذورنا لن تمتد خارج الأصص،

وأن فرصنا للبقاء محدودة، يحكمها وهم نسجناه من حولنا وأتقنا تنظيم خيوطه، وحين تتآكل المساحات نقف فزعين نحاول رأب الصدع والعودة من جديدة لواقع قد تخطانا، أو نسج رقع ستنهار يوماً ما تاركة لنا مصيراً مجهولاً للأسرة وللهوية.

الظاهرة الغريبة في حالتنا هذه هي التناسب العكسي بين مستوى الثقافة “والوعي الافتراضي” وبين إشكالية جدل الهوية، وبت تلاحظ أن “أمية المتعلمين” تسود وهي مصطلح أطلقته على ذوي الشهادات الجامعية والعليا وكثير من اصحاب الظهور الثقافي والإعلامي ممن يعانون من أمية في العلوم الشرعية وأثر هذا على المنهجية وأدى بالتالي إلى ضياع الهوية.

هل الهوية مرتبطة بالدين؟ كإنسان يحكمني التوجه أرى أن الجواب نعم، فالدين أعطى الأساس للهوية، ولذلك فالتناقض في الهويات قد يحمل طعناً في الدين في بعض صوره، وبسبب الأمية التي أشرت لها فإنه من المتعذر أن يلاحظ هؤلاء إشكالية البدعة والإلحاد والطعن في الدين الذي يقعون فيه من حيث لايشعر كثير منهم.

نعم هناك بعد عن الدين، وهذا أمر يمكن علاجه، ولكن المشكلة أن يكون البعد مبنياً على تأويلات تحكمها الفلسفة والعقل في مواجهة نصوص، وبسبب من الصراع بين التوجهات أو بسبب الحرص على سماع الرأي الآخر وتقديم التنازلات لإرضاء البعض وجذبهم للصفوف بدأت هذه الأصوات تبتعد شيئاً فشيئاً عن الجوهر لتقع في منطقة مجهولة لايمكن تصنيفها، واكتسبت شعارات “كالإسلاميين الجدد”، أو “الصحوة الجديدة”، أو غير ذلك من المصطلحات التي يحاول أصحابها أن يكسبوها الشرعية من خلال الانتساب للدين، “الهوية”، وتروج لها بعض وسائل الإعلام لأنها وجدت عندها فرصاً يمكنها من خلالها الدخول والتأثير في الأجيال.

صحيح أن القرآن خالٍ من التحريف، وأن الحديث محفوظ الأسانيد، ولكن إشكالية الفهم والتأويل والتطوير والإبداع والتجديد والمصالح والحرية والحقوق وغير ذلك من النداءات، طالت النصوص فأصبح قياساً في مواجهة النص فاسد الاعتبار يجد طريقه لعموم طبقات “أمية التعلم” لأن ذلك أخف في تكاليفه ويحقق لأصحابه بعضاً من رغباتهم التي لاتخرج من حمىً مشتبه سيقع أصحابه في الحرام بصورة من صوره إن عاجلاً أو آجلاً.

وبسبب هذه الأمية بدأ جدل الهوية، فالكثير ينادي بنفس المطالب ويستشهد بنفس النصوص دون أن يتفقوا على كلمة، والأدهى أن كل طرف يقف في جهة متهماً خصمه بالردة والبعد عن الدين واستغلاله لتحقيق مصالحه، وبدأت صور الطرح الغريبة القاسية حد الألم في الإفراط أو التفريط تطغى على لغة النص العذبة.

إن التأصيل والرجوع إلى النصوص على فهم السلف رضي الله عنهم دلالة إيمان في تصوري، فبكل بساطة ثبوت النص يعني بالنسبة لي التسليم الكامل، وإعمال العقل بعيداً عن عالم يوجهه سيؤدي إلى مقارنات ينقص صاحبها القدرة على الحكم بسبب الجهل بالأصول واللغة والتفسير ومراد الشارع وثبوت نصوص وردت بطرق أخرى تقوي أو تضعف المسألة.

كل هذه الأمور أثرت على ظهور الهوية التي تجمعنا فبتنا نقف معاً في صف واحد كأننا أمم شتى في مظاهرنا وأفكارنا وتوجهاتنا ولا يكاد يجمع بيننا سوى بعضاً من ملامح لم تطلها يد التشويه ولم تسلبها جذورها الأصيلة.

 

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقاً