ألوان وظلال

“جزء من هذا الكلام حقيقة”، وجزء حقيقة أخرى لا أتذكرها، نوع من التلبس تختلط فيه الأوراق على الكاتب، يقولون للشاعر شيطان يمنحه الإبداع، وللكاتب كذلك حالات، إذا كنت تبحث عن الكلمة فلست كاتباً، الكلمة هي من تبحث عنك، سجل تراكمي من الأحداث يعاد تشكيله في حروف تزدحم لتخرج بحجم جنون الحياة من حولك.

الحياة مليئة بالمرح من حولنا، ومزيج الألوان الذي نراه ينعكس على البشر كذلك، فما بين الأبيض المتفائل الواسع الأفق كامتداد سهوب الجليد، والأحمر القاني المشبع برائحة الموت والجراح، والأصفر بتدرجاته الموحية بالجهد والمشقة ونهاية الحياة، والأسود القاتم الداكن الكئيب حيناً والمخيف حيناً.

أحاول توزيع الألوان على الأرض، التبتيون أفسدوا علي المعادلة، كدت أن أقول أن خط الاستواء يرمز للأحمر، الأراضي المتناثرة على طوله يحبون ذلك، وبالصعود إلى الأعلى تجد الألوان تتجه إلى التدرجات الباردة، ولكنك على قمة الهملايا ستقف متأملاً في التدرجات النارية، هنا أحمر وبرتقالي وأصفر.

لست من المهتمين بالتبرير والدفاع، التروس لاتقف لتتأكد من اندماج الأسنان، كل فرد سيكون في مكانه الصحيح دون تكلف، وفق خطة ثابتة، ومع قيادة تثق فيها حتى لو تأخرت بين فترة وأخرى. ذات يوم قلت لرجل يطلب التبرير لكل التصرفات: لست ملزماً بالاستماع لكلامي، سأذهب واتركك وبعد سنين ستدرك صحة قراراتي وستحاول أن تلحقني وسأكون قد سبقتك وقتها، انطلقت مرات عديدة في الحياة وكانوا يلحقون بي بعد أن ينضجوا.

التقيت ببني ذات يوم، دلالات البني لها إيقاع مألوف.. اكتسب شخصيته من لونه.. لاتجد فيه فرحة الربيع ولا هدوء الشتاء ولا اشتعال الصيف.. مشكلة الخريف أنه يشغل كل ورقة بنفسها.. يعطي نماذج متنوعة من الكآبة، حاولت اقناع أوراقه أن هذا جزء من دورهم ولكن لابد من نقل أرواحهم للبراعم الجديدة.. الحياة لاتتوقف، من أصر على الوقوف سقط مع النسمات الرقيقة..

قال لي البني أنه حريص على نصيبه من التجربة، التجربة تحوي الصواب والخطأ، من حقق الصواب من أول مرة لن يكتفي بنجاحه، سيدفعه الفضول المصحوب بالخوف إلى التكرار، مع النجاحات سيطمع، وسيقع الفشل الأول، وسيكون الثاني عناداً ثم الثالث والعاشر سعاراً لاينتهي حتى تمل وتلقي التجارب من يدك وتنطلق تبحث عن شيء من السكينة.

خريف العمر يابني مؤلم، لم أحب الخريف كثيراً، يمكن أن تراه كمحطة عابرة، لاحره مقبول ولا برده ولا ألوانه، ستمل منه برغم قصره، وستجد نفسك وقد تغير كل شيء فيك، ترهلت عضلاتك وانكمش جلدك وبقيت تبحث عن مساحة تقضي فيها ماتبقى من عمرك دون أن تكون ثقيلاً.

 

الصورة بواسطة FWStudio من Pexels

 

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقاً