جيل.. بلا وطن

لم أتعود الكتابة بأسلوب أدبي، فسنوات عمري المهنية كانت بين الإدارة والأرقام، وأسلوب التقارير الذي أبتكرته وتشهد لي الشركات بالتميز فيه كان بسيطاً فقد كنت أعرض نجاحي في أرقام خالية من العواطف. أرقام مرتبة في جدول يمثلها رسم بياني ملون يعطي انطباعاً بالحالة المالية للشركة. حتى شلبي الدب الملون القماش الموضوع فوق مكتبي يشبه ألوان الإحصاء التي أستخدمها في عرض نتائجي، ولكن التجربة الجديدة لايمكن أن تعرض في أرقام فقط، فعلامات الارتقاء في الأداء والمبيعات لن تظهر الصورة الإنسانية لأصحابها.

فريق العمل كان مزيجاً من عدة لهجات وتوجهات عامة، لامكان لانتماء فكري أو ديني بينهم، وقد لا تعبر اللغة الفصحى عن الكلمات التي يستخدمها أصحابها، رانية اللبنانية بشعرها الفاحم المربوط على شكل ذيل حصان وابتسامتها المنطلقة. وأحلام العراقية المناقضة لشخصية رانية، الجادة بابتسامتها، تصف نفسها حين تقول ابتسامتي تشبه العراق عميقة كالتاريخ، جريحة كنزف الحضارات بعد الاحتلال، جمال المصري بطوله الفارع وسيجارة الحشيش التي يدخنها وهو يطلق تعليقاته اللاذعة على علي اليمني صاحب ثقافة الفهارس كما يسميه. وعبدالمنعم سوداني مثقف جداً ومطلع جداً جداً، فيلسوف في الأدب والسياسة. وأخيراً أنا، أو بوذا كما سماني بعضهم، وإن كنت لا أدري من الذي أطلق علي هذا اللقلب، ولكنني أذكر المناسبة.

–        سيد عبدالله، تعرف بماذا نفكر تجاهك؟ هكذا قالت لي رانية وهي تبتسم.

–        ابتسمت لها وقلت آمل أن يكون الانطباع ايجابي.

–        لا أثق كثيراً وآمل ألا يصدمك الأمر، قالت ذلك وضحكت ثم اضافت نسميك بوذا لأنك تمثل التيار المتدين.

–        قلت مغمغماً، ولكنني لست متدين بالمعنى المفهوم من الكلمة.

–        أوه صحيح.. ولكن بلا شك جنسيتك ستعطي هذا الإيحاء إذا أضفت لها العوارض التي تزين ملامحك.

–        ومن الذي سماني؟

–        لايهم.. المهم هو أن تنصهر مع المجموعة.. الفريق يحترمك ويشعر بالاندماج معك.

–    ألقيت يدي خلف ظهري وابتسمت وأنا أنظر إلى العوارض الخشبية في المظلة الوحيدة على الشاطئ. ثم التفت إلى عبدالمنعم السوداني وسألته دون أن ابتسم: مارأيك؟

–        رد عليّ ببساطته: في؟

–        بوذا.

–        هذا ليس اسماً بقدر ماهو إيحاء.

–        أذاً توافقهم؟

–        ليس تماماً، ولكنني أعرف الفريق لن ينفعك شي في التعامل معهم سوى أن تتقبلهم.

–        إذاً فأنا مكره على القبول.

–        ردت رانية: ليس إكراهاً ولكنك الآن نلت شرف الانضمام إلى الفريق.

–        وصلت أحلام ورمت بعض الأوراق على الطاولة وقالت: تقسيمات المجموعات الواردة، ستصل بعد يومين.

–        انسيها قليلاً وتعالي نستمتع بوقت من الراحة. قلت معلقاً على جديتها وعمليتها. ثم سألتها مارأيك أنت في مسمى بوذا؟

–    ابتسامتها صادقة.. هكذا شعرت بها منذ أن التقينا في حفل التعارف في يومي الأول مع الفريق، وقالت: لكل ثقافة بوذا، ولكن هم يريدون المحافظة، لاتنظر إلى الأمر بسوء

–        أوه، إذاً أنت تؤيدينهم.

–        أؤيد أنك رجل محافظ، ولا اهتم كثيراً بالمسميات.

–        شعرت بالرغبة في الجلوس مع البقية، سألتهم: أين جمال وعلي.

–    ضحك عبدالمنعم وقال: هؤلاء مثل القط والفار.. لايمكن أن يجتمعا دون ضجة، ولايمكن أن تفرق بينهما، حياتهما في حركتهما. أنظر هم هناك على الشاطئ يجهزان ناراً كبيرة.. جمال خطير يعرف كيف يغري علي بالأفكار.

–        أوه.. حفلة حشيش.

–        لا، ليس بالضبط، ولكن أي سيجارة في يد جمال مشكوك فيها، خاصة إذا كان منشرحاً.

–        هل ترون أن ننضم إليهما؟ قلت ذلك وأنا أقف متوجهاً إلى النار التي بدأت ترتفع وبدون تعليق شاركني الجميع.

–        ألقيت التحية وجائني رد جمال السعيد.. يا مرحباً يا مرحباً سعادة المدير.

–        ماذا لدينا؟ قلت مستفسراً.

–        لاشي.. سعداء بهذه الأمسية ذات النسيم الجميل، رد علي.

وجلس كل واحد مكانه، أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ تتناغم في سلاسة، وارتفع صوت المذياع الذي يحمله جمال.

–        هذه المرأة رائعة، قال جمال معلقاً على أغنية السهرة لأم كلثوم.

–        ابتسمت فلا أحد سيخالفه في كوكب الشرق، قال عبدالمنعم: يا سلام على الجيل القديم.

–        رد علي بأسلوب استفزازي.. تحاول أن تبدوا بصورة المعاصرة. تعرف ياعبدالمنعم لايوجد في السودان قديم وحديث، كلكم قديم.

–    أسكت بالله، فلاأحد سيتصور أن في اليمن تطور، هي باختصار حضارة وحضارة فقط. زرتها ياأستاذ عبدالله شعرت أنني رجعت ثمانمائة سنة للخلف، كل شي يسير بسرعة، الناس، السيارات، الزمن، شعرت أنني أنظر إلى صورة ليس لي علاقة بها، كأنني في الخارج أراقب الأحداث ولست كائناً حياً معهم.

–        يعني أنت لست كائن بمعنى كائن، أنت تاريخ ياعم عبدالمنعم. غمز علي بعينه وهو يبتسم.

–        رد جمال بلهجته المرحة: خلاص يا علي.. أتركه، اليوم يوم سلام.

–        قالت رانية بالنسبة لي كل العروبة تاريخ، في الحقيقة لايوجد واقع. آخر واقع أراه هو الجيل الثقافي الذي عاصر كوكب الشرق.

–        عن نفسي أنا سعيد. قال جمال.

–        ردت أحلام انتمائك لمصر ضعيف.

–        لا.. ليس ضعيفاً، ولكننا تعلمنا الاغتراب. المصري مرتبط بالعالم كله.

–        العراقي غريب أيضاً.

–    ولكنه بقي في ثوبه، لم يخرج عنه. في مصر يا ست أحلام نلبس أنواع الثياب في الشارع، ونخفي خلفها كل الثقافات. شوفي العم عبدالمنعم يلبس ثوبه وعمامته في الإجازات مع أنه يعاني منها في السفر والحضر، قال ذلك وأخرج سيجارة جديدة وأشعلها.

–    والله صادق، ياأخي قبل شهر سافرت للسودان، كل شي يختلف معي، حتى في الطابور أقف لوحدي، هناك ينادونني مغترب وهنا ينادونني أجنبي. شعرت أنه ليس لي مكان.

–    هذه ثقافة مشتركة، قالت رانية. حين سافرت لبنان شعرت بنفس الشي، لم يعد لي وطن بمفهوم الوطن. المشاعر التي تدور في صدورنا لاتتعدى أغراضنا الشخصية، أما شعور التملك لوطن كبير فلم أعد أشعر به.

نظرت إلى أحلام الصامتة ولم أحاول التعليق بشئ، أصوات الأمواج كانت رتيبية أشعرتني بالبرد، بالرغم من صوت تكسر الحطب أمامي.

–        قال علي: كلنا نتشابه في هذا، أخيرأً التقينا في شي مشترك غير العروبة. مارأيك يا.. وكاد أن يقول يابوذا ولكنه سكت.

–        ليس لي خبرتكم قلت وابتسمت له. أنا أتنقل في العمل والسياحة فقط.

–    كلنا نتنقل في العمل ولكن كموظفين وليس مدراء، لكل منا عالمه الخاص. أنظر الحياة لاتساوي شيئاً دون الشعور بالرضا. حين أسافر لبلدي يتوقعون أنني أحمل الكنوز.

–        ألست كذلك؟

–        لا.. أنا شمالي أجيد الانفاق كما أجيد العمل. يعني ضايعه ضايعه واشار بأصابعه بحركة توحي بالنقود.

–    لم يضيعها شي سوى القات الذي تستهكله، اسمع يا أستاذ عبدالله عظام هذا الرجل ليست سوى حزم من القات. بالرغم من أنه مثقف جداً على رجل يقضي أربع ساعات يمضغ أعواداً خضراء.

–        أشعل حشيشة أخرى واصمت، قال علي راداً على جمال.

–        حاضر.

–        التفت إلى أحلام، لم تشارك كثيراً في التعليقات، شخصيتها جادة، قلت لها: لماذا الصمت؟

–    ماذا أقول؟ التجربة ستكون مكررة، الكل هنا يشعر بنفس الشعور مع اختلاف التعبير. هم عندهم وطن على الخارطة في أقل التقديرات، ولكن أنا بدون.

بقيت أفكر في الكلام وضحكاتهم تصلني، التجربة الإنسانية الضخمة لكل واحد منهم أشعرتني بالضآلة تجاههم، أصوات الموج المتكسر.. ونسمات الليل اللطيفة.. وجذوة النار الحمراء.. وذكريات المكتب والطريق.. ليس لي وطن سواها.

(الصورة بعدسة: ديبو)

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

3 تعليق على ” جيل.. بلا وطن

اترك تعليقاً