ملحمة المتهم.. أدب ينبض بالجراح

“من مقالاتي السابقة.. ويستحق النشر لتميز العمل الذي قدم”

ضمن فعاليات هذا الصيف في المنطقة الشرقية ومدينة الدمام تحديداً قدمت اللجنة الثقافية بنادي الاتفاق والتي يرأسها الأستاذ عامر العنيزي مهرجاناً إنشادياً بعنوان: مهرجان الكلمة الطيبة الثاني. وقد تنوعت فقرات المهرجان كما هو المعتاد في مثل هذه الأحوال بين الفقرات الإنشادية والمشاهد المسرحية والمسابقات المتنوعة والسحب على العديد من الجوائز الفورية. وساهم في إحياء برامج المهرجان عدد من الفرق الإنشادية المحلية والخليجية واستمرت العروض لمدة ثلاث ليالٍ ، إلا أن اليوم الثاني فجّر مفاجأة أسعدت الحضور فقد شاركت عشائر جوالة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بملحمة رائعة بعنوان “المتهم”. الملحمة عبارة عن قصيدتين الأولى للدكتور الشاعر عبدالرحمن العشماوي ، والثانية للمهندس عبدالمعطي الرحيلي. وهي من إخراج الأستاذ محمد الحكمي ، وساعده في الإخراج الأستاذ محمد عبيدالله  ، ومن ألحان وإنشاد الأستاذ عبدالله الضحيان الذي برز كنجم واعد وطاقة شبابية تحتاج إلى توجيه واستغلال ، وشارك فيها كل من الأستاذ عبدالعزيز باروم والأستاذ محمد عسيري والأستاذ معتز الحلو والطفل إبراهيم المقيط. واستمرت الملحمة لمدة خمسة وعشرين دقيقة حملت المشاهدين إلى فضاء واسع وتركت أثرها في كل النفوس.

تميزت الملحمة بعدة نقاط كانت كالآتي:

–   الديكور والإضاءة الذي قامت بتوفيره اللجنة الثقافية بالنادي  تحت إشراف ومتابعة مساعد المخرج وكان الديكور يصور الأمة الإسلامية من جهة وهي واقعة تحت الضغوط العالمية وأعدائها من جهة أخرى وقد رفعتهم الدنيا ليكونوا فوق أرضية المسرح. وجاء دور الإضاءة بمؤثراتها القوية ليشكل نوعاً من التوازن يخرج المشاهد من الملل ويحول الصورة بين الأبطال وكأنك تشاهد عرضاً سينمائياً ، لاعرضاً مسرحياً ثابتاً.

–   الإخراج الفني وقد أبدع الأستاذ الحكمي والأستاذ محمد في إخراج الملحمة.. حتى أنسيا الحضور أن هذا مجرد حفل فتسارعت نبضات القلوب مع الأبيات القوية التي كانت تنطلق من حناجر الممثلين ، ولينافس العرض وبقوة العروض التي يمكن أن تقوم اللجان الثقافية الأخرى بإعدادها. فاتحين بذلك مجالاً رحباً لصفوف أخرى من المبدعين للاستفادة من هذه التجربة ومحاولة إثراء الساحة الفنية والمسرحية بإعلام هادف ومتميز.

–   الأداء.. تقمص كل ممثل دوره المنوط به فبدت الأدوار حية وكأنهم شخصيات حقيقية ، وكأن الأحداث التي كانت تدور على أرض المسرح كانت واقعاً وظهر هذا من تأثر الجمهور وتفاعله مع كل مقطع شعري قدمه الممثلون ، وأظهر هذا وبوضوح الكفاءة الشبابية التي تتميز بها جامعاتنا ، والقدرة على الإبداع التي لدى شبابنا.. كما أكدت الأهمية الفعلية للأنشطة الطلابية ، إذ أنها الأساس في صقل المهارات وتنميها.

–   الفكرة والمضمون.. الملاحم ليست شيئاً جديداً ولكن الدمج الرائع الذي خرجت به ملحمة “المتهم” أعطاها روحاً مختلفة ، إذ كنت تشعر وأنت تشاهد وتسمع أن روحك تكاد تغادر صدرك لتقفز إلى المسرح وتحاول أن تصنع شيئاً من التاريخ لتقدمه للأمة.. والمتهم الذي كان يرمز للإسلام كان يفند التهم التي يهاجم بها ، ومع أن محاولة إخراسه كانت قوية إلا أن صوت الحق ارتفع في الأخير وبالرغم من التآمر العالمي الذي برز في الملحمة.

ونقلتنا الأبيات التي عرضت لتجعلنا نفكر في الأدب وكيفية توجيهه لخدمة قضايا الأمة.. كما أنها اختصرت الطريق على تحليل بعض الأمور في واقعنا وهذا الشيء ظهر من خلال التهم التي كانت تلقى على المتهم “الإسلام”.

كانت بداية الملحة قوية ، فبدون إعطاء أي فرصة للإسلام فوجئ بهجوم خصومه ووصفهم إياه:

أنت لدينا.. أنت لدينا متهم..

أنت أقسى من طواغيت الأمم..

أنت كالطاعون يسري في خلايا الجسم..

كالأحجار في دار إرم..

أنت منسوب إلى فرعون.. منقوش على باب الهرم..

أنت من أنصار من يشقى به العرب.. وتخشاه العجم..

أنت جرح نازف أنت ألم..

قف هنا أنت لدينا متهم..

أنت لا يرويك ماء.. إنما يرويك دم..

أنت للإرهاب قرطاس.. وحبر.. وقلم..

وبالرغم من فضاعات هذه الاتهامات يحاول الإسلام أن يرد عليهم بابتسامة هادئة:

امنحوني فرصة يا قوم كي أدفع عن نفسي التهم..

فأنا ياقوم لم اسمع بما قلتم ولم..

وأنا يا قوم …

ولكنهم يقاطعونه وبشدة ليبقى في مكانه دون حراك:

أسكت أيها الوغد.. وقف مثل الصنم..

وتتوالى الاتهامات وتعرض الأسباب التي أدت لمثل هذا الهجوم العنيف:

أنت ما باركت شارون.. ولا باراك..

ما باركت تلك الهيلمة..

أنت لم تمدح يهود الدونمة..

أنت لم تخدع بأضواء بريق الأوسمة..

أنت لم تبكي على الليدي ديانا..

حينما حطمها العشق..

وأعطاها فتى العرب دمه..

وكان صوت الإسلام يرد على كل تهمة:

ويحكم.. لست أرى في ما ذكرتم مثلمة.

ويستمر الحوار في الملحمة بين الإسلام وبين مناوئيه لتنفد الشبه ، بل يمكننا القول أن الملحمة كانت شارحة لكثير من القضايا السياسية التي تمر بها أمتنا ، لتضعها بين يدي المشاهد في بساطة ودون تعقيد:

إننا نملك آلاف الشواهد..

أوماتسعى إلى نشر المحامد؟

أوماتسعى إلى نشر الهدى؟

أوماتسعى لتعمير المساجد؟

أوماتدعوا إلى حشمة ليلى؟

بهذه البساطة تتضح الصورة من خلال الملحمة.. فبينما يحاول الخصوم جعل مسلمات الدين سبباً للاتهام وللفساد نجد صوت الإسلام يصل بهدوء ولكن بعمق يقتلع الشبه والوساوس من الرؤوس ، مخبراً عن حبه للسلام وعن صفاء قلبه من الحقد.. لكنه أيضاً واضح فهو يكره الظلم ولا يرضى بتشويه المعالم ، وهو كذلك يقدم روحه فداء لدينه.

ويعود الحوار ليدور فما يراه الإسلام من ثوابته يراه العدو سبباً لتهمته..

أنت لم تترك صلاة الفجر يوماً..

قل نعم.

أنت لم تهجر كتاب الله يوماً..

أنت تدعو الناس للإسلام..

قل أيضاً نعم.

أنت مازلت ترى المسجد الأقصى امتداداً للحرم..

وينطلق صوت الإسلام ثانية.. ليدافع عن نفسه.. بل ليوقف هذا المد في قوة حجة..

أنا لا أرضى بتقليب الوطن..

أنا لا أرضى بترحيل الملايين..

عن الأرض ولا هدم السكن..

أنا لم أحرق سراييفو.. ولا حطمت كوسوفا..

ولا أحرقت عشاً وفنن..

أنا ما أثكلت قلب الأم.. وما أشعلت نيران الشجن..

ثم يصل صوت الطفل لينضم إلى صوت الإسلام في دفاعه.. معبراً عن الصحوة في قلوبنا وأمتنا ومجتمعاتنا..

لست أنت المتهم..

يا عم.. لست أنت المتهم..

أنت نور قد أضاء الكون فانزاح الظلم..

أنت في صفحات هذا الكون أبدع من رسم..

أنت للحب سماء.. أنت للصدق دِيَمْ..

أنت للعقل وفاء.. أنت للسلم علم..

وفي نهاية الملحمة يسكت صوت الباطل. وتظلم المساحات التي وقفوا عليها.. ويبقى نور يهدي الجموع إلى الطريق.. وتبقى هذه الملحمة شاهداً على إبداع شبابنا.. وعلى وجود الطاقات المشتعلة المحبة للوطن.. المدركة لمعاني المسئولية.. الرافعة لواء الإسلام ليكون شعاراً يقود الأمم إلى طرق النجاح.. وتبقى همسة أخيرة لإعلامنا بضرورة تبني هذه المواهب.. وفتح المجالات لها.. بل واستقطابها وتشجيعها لأداء المزيد والمزيد من الملاحم.. علهم من خلالها يوقظون من أمتنا من أدركه الوسن. لقد كانت “المتهم” فرصة لنا جميعاً لنعرف موقعنا من ديننا.. ونعيد النظر في عطائنا.

يمكنك الاستماع للملحمة

(الصورة بعدسة: ديبو).

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

5 تعليق على ” ملحمة المتهم.. أدب ينبض بالجراح

  1. faiz jamal

    جميل إحساسك أستاذ عبدالله في نقل هذه الملحمه الجميله
    وكل الشكر لمن كانت فكرته وتنفيذه وإخراجه

    بالفعل تحمست لدرجة أنني تمنيت ان أكون من ضمن الحضوور

  2. saraab alhaiat

    فبينما يحاول الخصوم جعل مسلمات الدين سبباً للاتهام وللفساد نجد صوت الإسلام يصل بهدوء ولكن بعمق يقتلع الشبه والوساوس من الرؤوس ، مخبراً عن حبه للسلام وعن صفاء قلبه من الحقد.. لكنه أيضاً واضح فهو يكره الظلم ولا يرضى بتشويه المعالم ، وهو كذلك يقدم روحه فداء لدينه.

    …..لاعدما تفكيرك الراقي المتزن الله يعافيك

اترك تعليقاً