علم النفس الحديث.. داء؟ أم دواء؟

3728767060_2039a0da51_z

علم النفس الحديث.. داء؟ أم دواء؟

في سبيل نظرية إسلامية مستقلة

كمحب للعلوم الإنسانية والتفكير والتأمل، وكمتخصص في علم النفس أجد نفسي مضطراً لأخذ بعض الخطوات التي لم تعط حقها من الشرح والتوضيح، لكي أضعها بين يدي المهتمين بهذه العلوم من ناحية، ومن ناحية أخرى أضعها بين يدي الدعاة علها تكون حافزاً لهم في ومفيدة في المجالات الدعوية وذلك من خلال التعرف على طبيعة النفس البشرية، والخطوات اللازمة للتعامل معها. وأنا أعلم أن مما يسبب عزوف البعض من أهل الصلاح عن دراسة هذه العلوم والاستفادة منها هو الارتباط بأمرين:

* الأول: وجود عقائد متنوعة النزعات فمنها المنحل الإباحي، ومنها الإلحادي، ومنها الغامض الغريب، ومنها الفلسفي الجامد، وغير ذلك مما يرى البعض أنه مضيعة للوقت وغير مفيد وليس سوى جدل وفلسفة.

* الثاني: ارتباطها بشخصيات منحلة فكرياً وأخلاقياً. فهذا ملحد، وهذا شاذ، وهكذا.

وهم وإن كانوا محقين في الكثير مما يتصورنه إلا أن هذا لايعني عدم وجود فوائد يمكن تحصيلها من هذه العلوم، وهو بالتالي لايبرر العزوف عنها، خاصة وأن كثيراً من الناس قد عميت عليهم حقيقة الدين فخاضوا في هذه العلوم وتتبعوا الفلسفة دون أن يكونوا قد تلقوا العقيدة الصحيحة من مصادرها الصحيحة. وبلا شك فجزء كبير من هذه التصورات والملحوظات التي تكونت لدى البعض تحمل نسباً متفاوتة من الصحة، بل سيلاحظ المهتم والباحث ثلاثة محاور رئيسية تصطدم معه وهي كالتالي:

* المحور العقدي.. ذلك أن الكثير ممن اشتغل بهذا العلم ينتمون لديانات أخرى كاليهودية خصوصاً والنصرانية، وبعضهم ولد لأسرة متدينة ثم ألحد هو وهكذا. وبالتالي فإن مايناسب هؤلاء ليس بالضرورة أن يكون مناسباً لنا ولمجتمعنا كونهم يشتركون معنا في البشرية. فإن الإنسان بطبعه يميل إلى التدين، ويضع من أفكاره مايناسب توجهه، ويرتبط بالدين بصورة من الصورة على الأقل لأخذ الحماية من الله والتوفيق، وهذا يعني إنه مهما حاول أن ينسى تدينه وقت التنظير فإنه لابد وأن يضع أفكاره تحت تأثير معتقده، تماماً كما يحدث مع المسلم الملتزم الذي يراقب الله في أقواله وأفعاله.

* المحور الاجتماعي.. فالمجتمعات التي أجريت عليها التجارب لا تشبه مجتمعنا المحافظ في الكثير من اختياراته. بل هي مجتمعات منحلة انتشرت فيها الرذيلة وكثر فيها الفساد بدرجاته، وهذا من شأنه أن يؤثر حتى على سلوك العينة التي يمكن أن تجرى عليها دراسة أو بحث، وبالتالي يعطي نتائج خاطئة لاتصلح لمجتمعنا ولا تقوم عليها نظرية سليمة.

* المحور الأخلاقي.. فبعض أعلام هذه الفنون كان عليهم مآخذاً فيما يتعلق بسلوكهم، فبعضهم لم تكن أوضاع أسرته كما ينبغي، وبعضهم ارتبط اسمه بالأفكار الجنسية المنحلة وهكذا. وبلا شك أن لهذه الانحرافات تأثيرها في النظريات التي وضعها أصحابها.

ونتيجة لهذه المحاور الثلاث وجدت العديد من النظريات التي تعارض الدين في كثير من جوانبه وتهاجمه صراحة، أو تسعى لنشر الفساد والرذيلة، ولو أردنا أن ننسى أدوار اليهود التاريخية في هذه الأمور لأولنا ذلك كله بأنه قناعات قامت على التجربة أو على التفكير دون أن ترتبط بأي أهداف أخرى. ولكننا وبالرغم من الموضوعية الزائدة التي نتعامل فيها مع هذه الأفكار والنظريات إلا أننا لن ننساها لأننا قد نحتاج إليها مستقبلاً ونحن نقارن بين النظريات تحت تأثير مؤسسيها.

إن الناظر إلى البحوث والدراسات والكتب والنظريات التي طرحت سيجد فيها فائدة بلا شك.. لكون العديد منها قام على التجارب والمتابعة والملاحظة. ولكون بعض علماء الفلسفة وعلم النفس تفانوا في خدمة العلم من أجل العلم. ولكن وحتى مع هذه الحالة فإنه لابد من التنبه للآتي:

– أن يتصدى متخصصون ممن عرفوا بالتوجه والصلاح لهذه العلوم، فيدرسونها ويعرضونها على الكتاب والسنة فما وافق منها أخذ، وما عارض منها ترك.

– أن يهتم هؤلاء المتخصصون بضرورة التأصيل الشرعي قبل أن يخوضوا في هذه العلوم. ذلك أن الشبه التي يمكن أن تدرس سهلة التعلق بالذاكرة، وقد يظهر أثرها بعد حين، وقد تكون تعارض أصلاً من أصول الدين دون أن يعلم الدارس بذلك لضعفه في العلم الشرعي.

– أن يتم التواصل بينهم وبين أهل العلم لسؤالهم عن المستجدات من الشبه المتعلقة بالبدع القديمة منها أو الحديثة، مما قد يمر معهم في دراستهم، وبذلك تتجدد المعلومات لديهم، ويطلع العلماء الثقات على المستجدات في هذه العلوم الإنسانية.

–   أن يدرس هؤلاء سير أرباب هذه العلوم قبل الخوض في نظرياتهم، لأنه ومن خلال معرفة السيرة الذاتية لأصحاب هذه العلوم سيتمكن الدارس من التعرف على الآتي:

* المعتقدات الدينية لهم أو على الأقل معرفة الديانة الافتراضية التي كان يمكن اكتسابها من خلال ديانة الوالدين. وستجد هنا أن كثيراً من الحركات السياسية والعلوم الإنسانية كان يقف ورائها يهود.

* الطفولة التي عاشوها ومعرفة أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، لما في ذلك من أخذ تصور على الجوانب التي ساهمت في تكوين الشخص، كالفقر، والغنى، والتسلط، واليتم، والحاجة، وغير ذلك من الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل شخصيات الناس عموماً والأطفال خصوصاً.

* التعليم ومدى براعتهم فيه، وماهي الروابط بين تخصصاتهم الأكاديمية، وبين التخصصات العملية.

* مدى تأثير العقائد على حياتهم.. سواء أكانت العقائد دينية، أو قومية، أو غير ذلك.

* ماهي نظرياتهم؟ وماهي طبيعة المجتمع الذي وضعت فيه هذه النظريات لمعرفة الفوارق بين الشعوب ومدى تأثير هذه الفروق على الأفكار؟

وبالتالي سيمكن معرفة مقاصدهم وأبعاد نظرياتهم.

–   الإطلاع على مصادر هذه النظريات بلغتها الأصلية قدر المستطاع لأن الترجمة قد تغير بعض المعاني، مما يؤدي إلى تكون أفكار جديدة قد تصنف على أنها نظريات مستقلة.

–       أن يهتم الباحث بسير علماء المسلمين ويحاول التحلي بالصفات الآتية:

* فهم النصوص التي يقرأها لكي يستنبط منها الفوائد والأفكار.

* التعرف على أبعاد المواقف النفسية والتربوية في السيرة النبوية، ويدون أسماء جديدة من الصحابة رضي الله عنهم أو من التابعين ومن تبعهم.

وهو بهذه الطريقة سيعطي نماذجاً مقبولة سلوكاً وأخلاقاً بدلاً من النماذج النفسية السيئة التي قد يتعرض لبعضها في دراسته.

إن الحركة العلمية الحديثة نقلت لنا الكثير من الأفكار الغريبة والشاذة، ونتيجة لكثرت طرحها وتكرارها فقد بدأت النفس تألفها ولا تحدث الأثر الذي يفترض أن يحدث. فقد يمازح أحدنا صديقه بقوله أنت سادي، ولكن ماذا يعرف عن السادية وصاحبها؟ ويذم بعضنا نظرية فرويد الجنسية ثم يقف مبهوراً أمام نظرية التحليل النفسي دون أن يعلم أنها لنفس الرجل ودون أن يعرف إيجابياتها وسلبياتها. وغير ذلك من المواقف المتنوعة التي تدلل على الغفلة عن أثر هذه النظريات على سلوك وأفكار المجتمعات المسلمة التي بدأت تذوب وتتأثر بما يدور حولها. ومن أسباب انتشار هذه الأفكار:

* مشاكل الترجمة ومنها:

– الترجمة التجارية التي اقتطعت أجزاءً كبيرة من النصوص لتوفير التكاليف فذهبت بالعديد من المعاني التي قد تكون نافعة.

– عدم وجود أكفاء متخصصون في هذه العلوم يقومون بترجمة النظريات. وبالتالي قد يحدث إبدال كلمة بأخرى فيتغير المعنى دون أن يشعر المترجم بذلك أو قد يكون المعنى ناقصاً لايعطى الانطباع المطلوب.

– عدم وجود نقد عند الترجمة، بل ينقل النص كما هو دون تمحيص، ودون الإشارة إلى المخالفات التي قد توجد فيه.

– الترجمة الغير متوجهة، والتي يقوم بها أفراد يسعون إلى تحقيق أهداف أصحاب النظريات.

* التأثير الإعلامي ودوره في نشر هذه الأعمال.

إن البعض قد يعتذر بالأمانة العلمية، وهي نقطة صحيحة بلا شك.. ولكن هدفنا ليس نقل النظرية، بل تمحيصها ووضع نظرية إسلامية مستقلة تعالج السلوك وترسم نماذج التعامل السليم والعلاقات المفترضة بين أفراد المجتمع، وفق ضوابط شرعية تراعي النصوص وتقدر المصالح والمفاسد، وتعتمد على نصوص الوحي المعصومة من الخطأ والنقص والزلل.

(الصورة بعدسة: سديم البدر)

أغلى من الشعر

image_1367080395236178

 ولأنني أحب الشعر سألتني: أينا أغلى.. أنا أم الشعر؟ وقرأت في سؤالها الكثير

أغلى من الشعر من حرف يمزقني … ويـسـتـبيح الحمى قتلاً وتشريداً

لأن روحـك درعــي حـيـن نـازلـتـي … كم تـحـتـويني إذا ماخفت تهديداً

وهـبـتـك الـروح يا قـلـباً يـؤرقـــنـي … فلترحمينـي فليلي طال تسهيداً

هنا حروفـي.. هنا دمـعي ونازلتي … هنا المشاعر جـاءت تطلب الغيدا

أقـــــول حـبـك والـدنـيـا بأكـمـلـهـا … مـني تـغـار فـأجـري أطلب البيدا

أنا الـمـحـب.. أنا الـمجنون أتعبني … شـوق الـرحـيل وأدماني مواعيدا

(الصورة بعدسة: هنادي الصفيان)

في الصورة: ابنتي جود..

خيارات

6041756408_10120acdcb_b

15/6/2011م

المنزل (الصالة).. الساعة 11:00 مساءاً

الإنسان يسير في مدى الخيارات المفتوح، من أقصاه إلى أقصاه.. من التسليم والتخاذل إلى التمرد والتسلط، يمكنه أن يلزم حقلاً ويعمل أجيراً مقابل طعامه ونومه، ويمكن أن يحمل سلاحاً ليغتصب الأرض ويقتل مالكها، يمكنه أن يقْتُل ويقُتل، أن يكون مظلوماً أو ظالماً، لايمعنه شي سوى مايضعه من ضوابط لنفسه، وضوابط الإنسان تتكون بسببين هما:

1. الإيمان.. وهو العامل المؤثر لو تبناه صاحبه، ولو فقد العلم فقد يعطي أثراً عكسياً ولذلك فأصعب الحروب هي التي يحركها الدين.

2. العلم.. ويكون فيه بصيرة وبعد نظر حتى في بعض مستوياته البسيطة.

لي صديقة أفريقية سوداء خشنة الشعر على حد وصفها، تختلف عني في كل شيء، التوجهات والجنسية وكافة التفاصيل، ولكننا نجتمع في المنطق، قالت لي رأيها في الثورات القائمة، تقول بأن هذا الأمر كان لابد وأن يتم منذ زمن، وأنه بسبب تأخرهم في الحصول على حقوقهم سلط عليهم من يتمادى في طغيانه ويسلبهم حقهم، لم أعلق على كلامها، فمن يقضي وقته بحثاً عن وظيفة يعيل منها صغاره ويحلم بفرصة العمل في قطاعات الدولة ذات الاستقرار الوظيفي العالي والمرتبات البسيطة، لو يسّر له التعيين في قطاع الجيش فسيكون هو نفسه من سيواجه الثورة، اللذين يقفون في الميادين لو كانو في الزي الرسمي لواجهوا الميادين.

لماذا نفكر أننا نُظلم لو لم نجد حجزاً في الخطوط؟ لماذا نفكر أننا نُسرق لو وجدنا فاتورة الجوال مرتفعة؟ لماذا نفكر أننا محرومون إذا لم نعط منحة أرض؟ لماذا نفكر أننا نُهان ونُقهر لو صادنا الرادار وحرر مخالفة سرعة؟ لدينا خيار آخر في كل حالة مما سبق، ولكننا نقارن أنفسنا بالآخرين في كل مرة، فلماذا يجد الآخرين حجزاً وأرضاً ولاتحرر لهم المخالفات ويسرقون خطوطاً هاتفية بينما لا نتمكن من ذلك.

بعض من ينتقد السرقات يبحث عن فرص التحايل، يفرح لو أضاف شيئاً مجانياً لنفسه، وليته يمتلك الأشياء النوعية، غالباً مايمتلك الصغار من اللصوص الرخيص من الأشياء. بينما تذهب التحف الثمينة للصوص الكبار. بمقياس ما ستكون الأرض التي مساحتها 2000 متر مربع كبيرة جداً، ولكنها في مقياس آخر صغيرة لاتزيد عن أن تكون موقفاً للسيارات، في النهاية لو راجعنا حساباتنا فسنتمنى العودة لنقطة السلامة، نقطة الصفر، حين تكون الخياريات كلها متاحة ونحاول أن نغير من أنفسنا ومن مصيرنا، وقتها سيكون الأمر قد انتهى ولا يمكننا العودة من جديد.

(الصورة بعدسة: Ash)

بين الزجاج والحديد

8175524526_5ceef1141b_b

بين ذوقياتنا ومواصفاتنا نعيش.. يحدد هذا جزءاً من اختياراتنا، ويحدد الآخر شيئاً من سلوكنا وتصوراتنا، لكل عنصر في الطبيعة ابتلاء يلائمه، مجموعة عوامل ومؤثرات بعضها يرفعه ويقويه، والآخر يحطمه ويقتله، فالنار التي تذيب الحديد تعيد تشكيل الزجاج، والضرب الذي يحطم الزجاج يساهم في تشكيل الفولاذ، وهكذا لايوجد قوي وضعيف، فلكل عنصر خصائصه.

يكون البعض رقيقاً كالزهرة، يهتز للصدمة، ولكن سيل الصدمات يتحول إلى كتلة نار تهبه الأمل وتعيد تجميعه، الأمر نفسه نراه في مصانع الزجاج، فتحت الضغط يتحطم الزجاج، وتحت النار تعاد لحمته، لا يأس مع الأمل. الزجاج المحطم يتحول إلى غبار، ولكنه ليس ضعيفاً ليناله الصغار، فهو سم يمزق الأحشاء لو حاول أحد العبث به، وهو كذلك يمزق الأطراف الممتدة له طامعة فيه، ومانتوقع أنه ضعف في المرأة قد يكون قوة لانقدر على مواجهتها ولا نحسن التعامل معها. فكلما زادت جراحها زادت حدتها وأصبحت أكثر شراسة.

يتمدد الخشب بالرطوبة، وتقضي عليه النار، بينما يتمدد الحديد بالحرارة، نكون خشباً أو حديداً لاباس في ذلك، المهم أن نقوم بدرونا المفترض، حتى الشجرة التي تهيأ لتكون حطباً في الشتاء ستظل محفوظة في الذاكرة لتضحيتها، كما أنها مراحل وخبرات تنتقل من جيل إلى جيل لتكمل بعضها، بدأت السفن بالأخشاب وانتهت بالفولاذ، مالانقدر على مواجهته نترك من يشاركنا الطريق ليتصدوا له.

المخلوط يعاد فصله بطرق فزيائية، ولكن الأمر يكون أكثر تعقيداً مع المركب، فلا بد من طرق كميائية لفصله، تماماً كالعلاقات التي تبنى على أخطاء متراكمة، تغيب الخواص الأصلية ولايعود بالإمكان معرفة البدايات ولا النهايات، كتل مشوهة بنيت على زور.

للبحر كائناته، وللبر مخلوقاته، الأسد ليس ضعيفاً لأنه لايعيش في الأعماق، وحوت العنبر ليس قوياً لأنه يغوص في المحيطات، ستتمزق رئته من قلة الضغط لو حاول منافسة الصقور، كما ستسحق رئة الكواسر من ضغط المياه.. لكل منا بيئته، متطلباته، قدراته، ومجالات عطائه، كل مسخر لما خلق له، إذا أردت المنافسة فنافس بطبيعتك، نافس بنفسك، كنت أنت ولا تحاول أن تلبس ثوباً آخر.

لايهم ماذا نكون زجاج أم حديد، فكل مادة تؤدي دورها بطريقتها، منازلنا تحوي كل الفروق، تماماً كالفروق بين أبنائنا، ولكل مادة موسم تميز تماماً كحالاتنا في علاقاتنا، لو كنا زجاجاً براقاً فهذا لا يعني أننا وصلنا القمة، فقد نؤذي الآخرين بانعكاس كل المتغيرات علينا. ولو كنا حديداً فقد نؤذي كذلك. نحن نكتسب الجمال من مواقعنا، من استخدام المادة المناسبة في الوقت المناسب، فحين نحتاج الحديد سنكون حديداً، وحين نحتاج الزجاج يجب أن نكون زجاجاً.

 

(الصورة بعدسة: إياس السحيم)

رجل ومطارات

رجل ومطارات

اكتشفت لاحقاً أن الذين هاجمونا هم إخواننا وبسبب خطأ من أحد الأمراء أصيب بعض الأخوة وانتهى الموضوع.. عدنا نحمل جرحانا ونحمل ابتساماتنا ونخفي آلامنا. الأيام تمر.. وبدأ البعض يرحل، ورحل مرافقي مع الذين رحلوا.. وجاء أناس جدد، في كل يوم يأتي أخ ويرحل أخ وأبقى وحيداً. حين تقرأ كلامي هذا لا أدري هل ستقول عني رحل مع الآخرين أو أنني لن أحظى بكلمة وداع.

وحان موعد الرحيل.. ودعتهم وتحركت القافلة من جديد لتمر ببعض أهوال الوصول..

لا أدري أخي شعرت أنني رحلت بغير النفس التي أتيت بها.. الدنيا مدرسة نتعلم فيها الكثير وفي كل يوم نبني شيئا في شخصياتنا ونرمم شيئا وبعض الأحيان ننقض بناءاً لنقيم شخصية جديدة.

أوقفوني في المطار.. تحرك الجميع وبقيت هناك وحيداً. بدأ رجال الأمن يتنادون.. جاءني رجل منهم بدا لي أنهم متخصص.. في ماذا متخصص؟ لا أدري ولكن شعرت أن مثل هذا الرجل لا يأتي إلا إذا أتى مثلي.

طلب مني أن أفرغ حقيبتي من محتوياتها.. أخرجت حقيبتي وأفرغتها.. ووقفت أنتظر.

–        الديك أمتعة أخرى؟

–        لا.

–        تعجب وتغيرت نظرته.. فقط هذه؟

–        نعم.

نظر إلى كثيراً.. وتلاقت نظراتنا في شئ من التحدي.

–        ماذا تفعل هنا؟

–        سياحة ودعوة.

–        ومخدرات؟

بدت لي الفكرة مضحكة.. فضحكت.. شعرت بنوع من الاطمئنان.. بدا لي أنني آمن فهو لم يخمن السبب الحقيقي من مجيئي إلى هنا.

–        أجبته مبتسما هل يبدو علي هذا الشيء؟

–        سائهُ برودي.. رد علي: نعم.

–        إذاً: لا.. لم آتي من أجل هذا.

ركز نظرته علي.. ابتسمت وركزت نظرتي عليه.. أخذ جواز سفري وتركني وحيداً.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: قافلة الجرحى> يتبع > الحلقة التالية: محطات)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

بين الثورة والكفاح

7298037144_b64591a1d0_b

 حين يقوم الإنسان بتجربة جديدة يشعر بأنه أصبح خبيراً، يستعجل الثمرة ويرغب في العطاء، بحسن نية أو بسوئها المهم أنه ينطلق في كل مكان محاولاً تعليم ماتلقاه في الحياة، هذا النشاط قد يسبب ضرراً حين يقف أمام الأغزر والأعمق تجربة ليحاول تطبيق حلولٍ غير ملائمة لم يسعفه الوقت وضيق التجربة لتلقيها. قوانين الرياضيات تعلمنا المعنى التراكمي للخبرة، كلما أنهينا مرحلة من القانون واجهنا عقبات تحل بقانون إضافي، وفي الرياضيات تنتهي وجهات النظر أمام القانون، تعويضات ضرورية لتصل إلى حل صحيح، وهذه ماتفتقده التجربة الإنسانية الخاضعة لقانون النسبية.

حين ننضج ننظر إلى خبراتنا بتواضع، تكون عبارة عن قصاصات من تجارب، وننظر للكبار على أنهم خبراء، نتتبع أدائهم لنقلدهم ونتعلم منهم، نبحث عن الجديد ونحرص على الاضافات النوعية، وأحياناً نتابع حتى غير النوعي على أمل أن نجد شيئاً يستحق التأمل، ندرس التجارب الجديدة والقديمة خارج الحدود، ومالم يكن لدينا ثوابت ننطلق منها فإننا سننقل كل شيء دون تمحيص أو دراسة. لن نفكر في مدى تطابقها مع معاييرنا، مدى ملائمتها لواقعنا، وسننبهر بالخارج وننظر له بإعجاب، سنذم مجتمعنا وقيمنا، وننظر إلى صورة الطبيعة الجميلة في إطار مزخرف دون أن نشعر بالحرارة والرطوبة في المكان الذي التقطت فيه الصورة.

التجارب الجديدة تشعرك بالحماس، هتافات الثوار تدل على حرمان من التعبير مر على أجيال وأجيال، يحاول البعض أن يثبت نفسه أمام الآخرين وأنه قادر على المطالبة، وأن زمن الأولين قد انتهى وجاء زمن الشباب. العقلاء يبدئون في القيادة بمطالب واضحة، ولكن المستويات التربوية ليست واحدة، الشارع يجمع كل المستويات، وكل التخصصات، وكل الأديان، وكل الأجناس والجنسيات، فمن الطبيعي أن يظهر تفلت من هنا وهناك لايقوم على المنهجيات، بل يريد تحقيق فرصته الشخصية.

تختلف الهتافات وتبدأ المطالبات الغير منطقية، يراقبها أهل الخبرات في قلق لعلمهم أن النهايات موصدة، بل قد يكون العاقل أول من يقف أمامها لمخالفتها الفطرة والدين والعقل، وليحاول أن يوقف تداعيات أشد خطراً من الواقع الذي أراد الثورة عليه.

الكلمة تطير في الآفاق، ليس بمراد القائل، ولكن بمراد ألف سامع ينقصه العلم والتجربة، وألف فاسد له مصلحة ومصلحة، وألف مصلح يريد الحق ويُستغل لتحقيق الحق والباطل، وألف تائه سيطير مع أقوال من حوله في الايجاب والسلب. كلمة تقال سيرددها كل الأطراف، القاتل والمقتول، وذات المبادئ سينادي بها كلا الطرفين دون تمييز بين هذا وذاك.

الكفاح مختلف عن الثورة، فالصورة هنا واضحة، والرؤية واضحة، تريد حرية تؤخذ من عدو متفق عليه، ويحاربك بنفس القوة، لايوجد فرص للحوار بينك وبينه لاختلاف الثوابت، والمتغيرات كذلك. في الثورات يحاول الخائف مواجهة الطوفان بتلبية متطلباته، في الكفاح سيقف العالم مع المتضرر مالم يؤمنوا بقضية الرجال. وسيتمايز الجمهور إلى صفين.

الثورة تعني قبول مبدئي بنظام ثم الخروج عنه، الكفاح يعلن تمرد من لحظته الأولى وإصرار على التصدي، في الثورة نخرج في صف واحد لنعود في صفوف متفرقة مزقتها وجهات النظر، في الكفاح نخرج في صفوف جمعها مبدأ لنجتمع في صف واحد في النهاية.

في الثورة فرصة لظهور الغوغائية وتوقف المصالح العامة لتحل مكانها الرؤية الشخصية المقنعة بألف قناع للمصلحة العامة، في الكفاح يجتهد الناس في التنظيم المؤدي للنتيجة المطلوبة.

في الثورة يواجه الرموز بعد فترة بالتفرق، سيقال أنهم قد تغيروا، أنهم يميلون للنظام السابق، أنهم يريدون تحقيق مصلحتهم، وسيجد البعض ألف فرصة للطعن في كل نزيه خالف مايريده. في الكفاح سيشار للرجال بالتقدير والانبهار، سيكونون شهداء في نظر الكثير، لن يطعن أحد في أمانتهم مع أنهم قد يلومونهم على استعجالهم وعنادهم في مواجهة القوة.

في الثورة فورة سرعان ماتخبوا ليبقى ضررها على أطراف الزجاجة، يمتلئ المكان بسكر دبق تلتصق فيه الأيدي وتحمل من أثاره مايتلف الملابس والمكان، لن يذوق الناس حلاوته لأنه أفسد ووقع في المكان الخطأ. وفي الكفاح جهاد يقاوم العدو، بارود يزكم الأنوف ودماء تملأ الجو بعبق المسك.

 

(الصورة بعدسة: Rutger Spoelstra)

البعد النفسي في التخصص الهندسي

7000433419_f5eec31d7e_b

في البشر كما في الهندسة.. أنماط ومواصفات.. لايشترط التطابق، ولكن يمكن أن نكون نموذجاً هندسياً بصورة من الصور.. لنتعرف على المواصفات:

المهندس الميكانيكي: تماماً كآلته، كخط الانتاج، يقف المهندس الميكانيكي متزناً ثابت الايقاع، منظم وجاف ومادي يتعامل مع معطيات واضحة، مواصفات دقيقة يمكن قياسها بسهولة وتمييز الخلل فيها، وأدائه عمليات يمكن قياسها ولذلك نراه ثابت الأداء. في قاموسه هناك دائماً نسبة مقبولة من الخسارة، ولذلك يمكن أن يحتمل الخسارة مالم تتجاوز النسبة المحددة.

صمت وثرثرة

SONY DSC

9/6/2011م

المنزل (الصالة).. الساعة 12:30 مساءاً

الصمت أبلغ تعبير.

أبجدية الصمت تتشابه لكل الانفعالات.

انكسار الشفة السفلى وإطباق العليا تساوي معاجم البلاغيين.

الصمت حوار طويل تتم فيه تصفية الكلمات التي يمكن الاستغناء عنها، هذه الكلمات تغذي الضجيج بمداد لاينقطع من الضوضاء البعيدة عن المنهجية.

كل صامت ملك عرضت عليه الكلمات فرفضها.. ليست ثمينة بما يكفي ليهتم بها.

الثرثار يعجز عن الصمت .. الصامت يرفض أن يكون عاجزاً.

الصمت بلاغة التجارب.. لا يحوي حروفاً.. بل إجراءات.. هو أكبر من مساحات الجسد.. تجده في ساحات الأعمال.

الصامت يعمل في هجير التكاليف.. ليغطي مكان ثرثار الظل.. سيستظل بما بناه حين تزول الشمس عن جدار الثرثار.

في ابتسامة الصامت جواز عبور للأرواح.. في ابتسامة الثرثار أمر طرد من القلوب.

لن أفقد حروفي القليلة حين يفقد الثرثار مصداقيته بسبب وعود لم ينفذها.

ستشرح ابتسامة الصامت ما يحاول الثرثار شرحه بالكلام.

حين يموت الصامت يذكرون صمته ضمن محاسنه.. حين يموت الثرثار يذم بكلامه.

سيفقدون ما كان الصامت يقوم به.. كان ينهي الأعمال بدون ضجة.

حين يرحل الثرثار سينتهي الضجيج ونعمل في صمت وهدوء.

أكتم نفسك.. ركز نظرك.. اجمع قوتك.. انطلق لتحقيق هدفك.. الثرثرة ستفقدك كل ذلك.

أبي صامت في حياته وموته.. علمني وأنا أراه أكثر مما سمعته من المتحدثين.

حاولت الثرثرة وضحكت.. لم أفهم معنى الحروف.. اللغة مختلفة تماماً.

أخذت نفساً عميقاً وأغمضت عيني في رضا .. لقد ثرثرت كثيراً.

(الصورة بعدسة: ريان المنصور)

جراح

6817857292_80e939fc0b_b

هـذي الـجـراح.. وكـلـنـا مـجـروح..
نـغـدو عــلــى آلامـــنـا ونــــــروح..
نـرجـوا مـن الأيام ضـمـة راحــــم..
نـشـكـو لـه بـث الـجـوى ونــبـوح..
لـكـنـنـا نـرتـد مــن ألـم الـلـظـى..
وعـلـى مـبـاسـمـنـا الجراح تنوح..
مـن ذا يـسـامـحـنا إذا كثر الخطا..
ومـن الذي مـن فـقـدنا مــجـروح..
أدمي من الذكرى فكل مواجعي..
نــصـبـت بأبــواب الـفـنـاء صــروح..

 

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

الشمس والغبار

5489359656_3cd51fb6f3_b

  ألفنا الظواهر الطبيعية حتى أننا قلما نتسائل عن سر حركاتها وطبيعة أدوراها، والشمس وضوئها على الأرض لايكدره سوى سحابات الغبار التي تحجب ضوئها أحياناً فتغرق الأرض في ظلمة تحوي الأمرين (الظلمة والاختناق)، صورة أخرى من صور صراع الطبيعة، يراها أهل البراكين في اللابات الملتهبة المتكسرة في أعماق المحيط ويراها أهل الصحراء في الشمس والغبار.

هذا الصراع يكاد يشبه صراع العاملين في المجال الواحد من بني البشر، فللشمس رأيها وللغبار رأيه كذلك.. وكل عنصر يرى صحة توجهه.. الفرق أن عناصر البيئة تتكامل.. بينما تتعارض العناصر البشرية لتشعل القتال.. متناسين إيجابيات الطرف الآخر، ودوره التكميلي في منظومة العمل.

الحقيقة موجودة كالشمس ولكن الغبار يشوهها، أو هكذا تنظر الشمس للأمر، بينما يرى الغبار أنه يقوم بأدوراه الفذة في التصدي للآفات المنتشرة في المحيط الهوائي من حولنا.. والأمر لايخلو من صدق في موقف كل طرف، فكل عامل يرى الحق معه وأنه صاحب السبق والأقرب للمنهج السليم إن لم يكن صاحبه.. ولا تخلو هذه الاعتراضات والأعمال العشوائية في ظاهرها من إزعاج للصف وتعريض أفراده للخطر ومنها أن الصدر يضيق والنفس يتأثر بموجات الغبار العازمة على الإصلاح مخطئة في الأسلوب أو الوسيلة، تماماً كما يحدث في مناصحة أو مواجهة تقع بين طرفين وصفهما الله “طائفتان من المؤمنين”.

وبالمقابل فتميز كل عنصر بخصائصه سيغطي الاحتياجات الإنسانية، فالشمس تبعث الدفء لتنمو كائنات دقيقة يقتلها الغبار قبل أن تتسبب في انتشار الأمراض.

هكذا يبدوا صراع العمل التربوي الطبيعي، بين عناصر متفرقة مختلفة المميزات تأبى التكامل وتصر على الاستقلال، ولو تأملت قليلاً لعلمت أن للشمس مداراتها وللماء بحاره وللغبار أجوائه.. وكل عنصر منها سيؤثر في موقعه ولكنه لن يؤثر في العنصر الآخر مهما طال الصراع.. وسيبقى الضرر الوحيد في ضياع القوت وغفلة المهتمين عن ايجابيات العاملين.

 

(الصورة بعدسة: أسيل الغنام)