ضاع الأثر

الــشــوق أرقــنـي وأضناني السهر … والحب يقتلني فقل لي ما الخبر

والـنـبـض بـركان يـمـزق داخـلـي … يــلـهـو بأعماقــي ويرمي بالشرر

والـذكـريـات خـنـاجـر تـجـتـاحـنـي … لا كـف يـمـنعها سوى كف القدر

لا خــل يــذكــرنـي فـيـذرف دمـعـة … كلا ولا الأشـبـاح في تلك الصور

أمــضــي أقــلــب عالماً قــد عــفته … قد تاهت الأعيان ، بل ضاع الأثر

وأراقـب الـذكـرى تـداعـب خــاطـــري … فـأفـيـق ملتاعاً يعاتبني القمر

والليل يــحـضـنـنـي ويـذرف أنـــــــجـمـاً … فأصوغ أنجمه قلائد من درر

لا القلب يرحمني وينسى ودكم … والوصل ينكرني ، لأبقى في سفر

 

(الصورة بعدسة: سديم البدر)

أفكار صغيرة (003).. المزيج الترويجي

العملية الإدارية ترافقنا في كل مكان..

سهلة إذا عرفنا كيف نتعامل معها..

وهذا دورنا في صدارة..

من هنا:

أفكار صغيرة 003

مع التحية..

 

(الحقوق الفكرية ملك لمؤسسة صدارة)

للمزيد من الإصدارات يمكنك زيارة الموقع: www.sadarah.com.sa

الرحيل الجديد

لم يتوقف الثلج منذ البارحة، رجعت لطاولتي ثانية، أحتاج لشراء كمية من الشموع، نظرت للأوراق أمامي مرة أخرى، لاحظت أمراً غريباً، لماذا لم أتكلم عن حياتنا في الجبهة؟. كنت أشير فقط للألم فيها. ربما لأن الأيام السعيدة تنقضي بسرعة، أتذكر أول وصول لي للمعسكر والتعرف بالأنصار هناك، كان مدربنا رجلاً عجيباً، أحببته، أحببته بعمق. قال لي أنه يحبني وأسعدني ذلك، ورحل كما يرحل الآخرون، ليتركني وحيداً.
كنت من أشبه الناس به، يظن الناس أنني أخوه، وقد كنت كذلك فعلاً ولو لم تجمعني به رابطة الدم، كان أبو الشهداء، وكان قائد القادة، أكرمه الله بلياقة بدنية عالية فسخرها لطاعته، وكتم عن الناس الآم قلبه النفسية بسبب غربته والعضوية بسبب مرضه. حدثني كثيراً عن رغبته في الشهادة، وعن ألمه بسبب تأخرها، كان يروي لي مايراه الأنصار فيه من أنه سيقتل ، يتحدث معي في سعادة الأطفال وصفائهم، وحدث أمر دفعني للرحيل.

 

– لماذا سترحل وتتركنا؟

– لا أريد أن أرحل، ولكن هذا هو قرار القائد، وهذه هي المصلحة.

– ستعود؟

– بالتأكيد، وسنلتقي، هنا أو في مكان آخر.

– اسمع، منذ زمن لم أقل هذا الكلام.

– …..

– أحبك في الله.

– فرحت بكلمته، فقد عنت لي الكثير، أحبك الله الذي أحببتني فيه، أجبته وأنا مطأطئاً رأسي.

– أريد أن أهديك شيئاً، لاأعرف ماذا أعطيك، ثم تلعثم ولم يجد شيئاً يقوله فارتبك وقال: فقط… خذ ابني هدية لك.

– …..

– علمه كل شي تعرفه.

– وافترقنا وهذا هو الحال في كل مرة، كانت الأيام تمر علينا سريعة كحال لحظات الوداد، فإذا بنا نعد الثواني واللحظات، أتذكر الشهداء الذين قابلتهم، كانت الحياة محطة يرتاح فيها الشهيد قبل أن توافيه منيته، بحث عن الشهادة حتى كل وتعب، ولكن الله كان يدخره لأمر أكبر.. تمناها ولكن لو رحل من سيعد العشاق
لمصارعهم.

جاءت فترة الرباط الشاقة، بحرها وبردها، وبقي ثابتاً كالجبل مع الأنصار. اليوم إن مررتَ من هنا، سترى النهر جارياً بقوة، يخبر صوت هديره أنه من بطون الموت التي ضمت الشهداء، ويعلن أنه صورة من صور المنية المعدة للأحرار.

نعم رحل مع الأمواج مرابطاً غريقاً مبتسماً، وبقي ابنه الشهيد مجاوراً لقبر أبيه، وبقيت أراه يوماً من بعد يوم، أتذكر هديتي مبتسماً، وأودع أباه الشهيد.
أتذكر يوم رحيلنا إلى الجبهة.. ودعنا الذين سيبقون وهم يبكون، يريدون الذهاب، وكنا سعداء نحاول غرس الصبر والأمل في نفوسهم، مرت أيام جميلة في التدريب، صعود الجبال وفك السلاح والحراسة وتعلم أمور الحرب، ولكن كان للرحيل للجبهة طعم خاص، أخذنا نضحك وننشد طوال الطريق ويذكر بعضنا البعض بالنية، نضحك كالأطفال، الكل يتمنى الشهادة والكل يتوقع أن يقتل.. وقتل الكل إلا.. أنا. أتذكر يوم أن قلت لأحد
الأنصار أنني سأقتل، فضحك وقال: بل أنا من سيقتل، وأتذكر يوم أن قال لي أحدهم ستقتل وقلت: بل أنت الذي ستقتل.. وقتل فعلاً. رحلوا جميعاً.

 

أتذكر الشيخ الكبير، والطفل الصغير، أتذكر الجبهة والمعارك، أتذكر خندقاً صغيراً ينام فيه أربعة وكلب شريد يأتي من الغابة يلتصق بهم طلباً للدفء والطعام، أتذكر طعم القهوة تحت القصف، أتذكر الخبز الأسود، أتذكر ولكن لماذا لا أكتب عنها. دعها أخي في صدري فالذكرى تقتل قلبي.
لم أطق القعود عند عودتي، نقص وزني كثيراً وبكت أمي كثيراً، كانت حبيبتي جاهزة تنتظر الرحيل، وحان موعد الرحيل الجديد.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: وصول ورحيل> يتبع > الحلقة التالية: غرباء)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

أفكار مجنونة

24/4/2011م

المنزل (غرفة النوم).. الساعة 3:55 عصراً

 

سأظل أتأرجح عند البعض بين الجنون والغرور.. أو هذا هو ما أتوقعه بسبب رسائلي هذه.. والسبب في رأيي أننا لانتصور مفهوم المحاسبة إلا كصورة للجنون أو الغرور..

مخاطبة النفس لاتخلو من صور إدارية وحضارية، فهي سريعة الاتصال وتوفر عناء البحث عن متلقي الرسالة، كما توفر تكاليف البحث.. والتكاليف تتقلص لحد كبير، كما أن الآلآت المستخدمة ستقل، وبالتالي وبلغة إدارة المشاريع سأكون قد حققت مميزتين رئيسيتين، وميزة فرعية وهي:

– تقليل التكلفة.

– استخدام الوسيلة الملائمة.

– استخدم الشخص الأنسب.

كما أنني سأحقق نتائج لايستهان بها من خلال مخاطبة نفسي ومنها على سبيل المثال:

– ضمان وصول رسالتي لمن يقدرها.

– ضمان أداءً وجهداً ملائماً، حتى لو لم يتحقق ما أريد.

ثم هل هناك من سيفهمني كنفسي؟ فهي الكائن الوحيد الذي يفهمني بدون أن أبرر، ويعرف مخططاتي دون الافصاح عنها، ويقف معي حين يتخاذل الناس.. فكيف لا أخاطبها بأعز ما أملك، وكيف لاأهدي لها مساحات الظل.

افتقدها كثيراً.. ففي الأحوال العادية أحتاج إلى ساعات الصفاء والاتصال بها، واليوم تتسارع الأحداث
من حولي فأشعر بحاجة أكبر لملاقاتها والحديث معها.

 

(الصورة بعدسة: سديم البدر)

نبات الظل والأشجار

 

في مكتبي هناك نوعين من الأشجار، نباتات ظل تزين أرجاء المكان. وأشجار تحيط بالمبنى تعطي شعوراً بالتأثير الزمني. في فخر يخاطبني الرجل الذي أحضرها، يقول: أنا الذي أقنع الإدارة بزراعة هذه الأشجار، كانت كلها عصيِ صغيرة، زرعتها بيدي، وأفرح حين أراها كبيرة، وهو أمر يشير من خلاله إلى مدة خدمته في الشركة، وخبرته التي أكتسبها في إدارته.

في حياتنا الإدارية هناك نوعين من النباتات أيضاً.. نبات ظل وأشجار.. فالأولى شتلات صغيرة توضع لإضفاء منظر يزين المكاتب، قد لاتكون ذات رائحة طيبة، بل ربما لاتعرف أهي حقيقية أم صناعية، وهي لاتثمر فليست للإنتاج، كل الذي تقوم به تغير جو المكان، وهي تستمد حياتها من مصادر أخرى خارجية، فجذورها محدودة الامتداد، تشغل مساحة الإناء الذي وضعت فيه، وأوراقها قصيرة تكون محيطاً صغيراً من الظل.. بل حتى الحشرات قد لاتعيش فيها، لا أدري بسبب العناية الفائقة بها، أم لأنها لاتمثل أي قيمة غذائية أو منفعة بالنسبة لها.

وهي فوق ذلك كله لاتحتمل الشمس، ولا تريد تيارات الهواء المختلفة، وتتأثر بالعوامل فلا تكاد تغير مكانها.

والثانية أشجار ضاربة الجذور، تمتد أحياناً حتى تفسد المكاتب والمباني وبعض مرافق البنية التحتية كتمديدات الماء والكهرباء، وهي بهذا الامتداد تعطي صورة عن خبرات الموظفين العميقة حين لاتسعها مجالات العمل في المنظمات الحكومية والخاصة، تتعامل هذه الأشجار مع مختلف عوامل الجو، تغيراته وتقلباته، وتعطي نوعين من الإنتاج:

– إنتاج غذائي، من خلال ماتطرحه من ثمار.

– وإنتاج لنسميه اجتماعي، وهو إنتاج خدمي يتمثل في الظل.. إضافة إلى نواحي الجمال التي تقدمها.

النوع الأول يشبه تماماً أنماطاً من الموظفين نتعامل معها ونراها ومن صفاتهم:

– أنهم لايمثلون شيئاً أكثر من المنظر اللامع الجميل، الذي يستمد لمعانه وجماله من إدارات أخرى وموظفين آخرين يقومون بتلميعه، وذلك من خلال القيام بعملهم وتقديمه له ليقوم برفعه بنفسه للإدارات العليا، متباهياً بإنجازه، شاعراً بعمق خبرته وأثره في التغيير والتطوير، دون أن يتعب نفسه في تغيير أبسط الأمور أو مراجعة العمل ليتعلم طريقة القيام به مستقبلاً، أو من خلال إضفاء جو المهابة حوله كونه صاحب منشأة أو قريب لمدير أو غير ذلك من الاعتبارات الاجتماعية.

– أنهم لايكونون خبرة، لأنهم لا يعملون، وذلك لأسباب ومنها:

  • لا يحسنون القيام بالمهام. ولا يرغبون بذلك، فطالما هنام من يخدمهم فهم لايحرصون على التعلم.
  • لا يعرفون كيف يحولون المعلومات النظرية التي لديهم إلى معادلات عملية تمكنهم من تنفيذ الأعمال.
  • ليس لديهم الاستعداد للتواضع والسؤال عن طبيعة المهام وكيفية تطبيقها.

– أنهم لا يملكون أمر أنفسهم، فهم كقطعة تنتقل بانتقال الأرض التي أنبتتهم فيها، وقد لايكون انتقالاً بل يكون بحركة قوية للرياح فتذروا رمال الإدارات التي زرعتهم، وتطير معها النباتات المتعلقة بها.

– والنمط الثاني ليس ببعيد عن الإدارة أيضاً، يذكرونني بصنف آخر قابلت بعضهم في حياتي وتشرفت بالعمل معهم، ومن صفاتهم:

– التأهيل القوي، فهم ضاربون بجذورهم في تربة المعرفة يستمدون منها قوتهم.

– الشموخ في مواجهة متغيرات الإدارة من حولهم والتحديات والمخاطر.

– المنفعة التي يقدمونها من خلال النتاج والتدريب، تماماً كتقديم الثمار والظل.

هناك عنصر ثالث يكمل العملية الزراعية، وهو السماد.. وحتى هذا لاتخلوا الإدارة منه، فلو تأملت فستجد نوعاً آخر من الموظفين يلتقي مع السماد في بعض صفتين وهما:

– أنهما يوفران المواد العضوية اللازمة، والتي تشكل قيمة غذائية للنبات والأشجار. فهذا يعطي الغذاء، وذلك يقوم بالتمسح وتقديم الخدمات للتقرب من الإدارة والحفاظ على مكانته.

– أنهما قد يتشابهان أحياناً في إعطاء شعور التقزز، وذلك حسب نوع السماد.

وأخيراً.. اختر لنفسك.. فكن نبات ظل.. أو كن شجرة.. أو كن غير ذلك.

(الصورة بعدسة: أسيل الغنام)

النورس

– أراك تتأمل كثيراً في الصور بين يديك..

– ابتسمت له.. نعم، هذه صور لطيور النورس.

– لقد لفت نظري هذا الشي.. ولفت نظري أيضاً أنك تحب هذا الطائر.

– ربما.. وربما لا يكون حباً بقدر ما هو إعجاب بصفات وتأمل لحياة.

– كيف ؟

– ابتسمت له.. فكر قليلاً.. وسأخبرك لاحقاً.

أحب التأمل كثيراً.. ولربما أثار المنظر الصغير في نفسي أموراً لا يتخيلها أحد.. وأتتبع نقاط الذوق والتميز والإيحاءات الفاتنة.. والهمسات المعبرة.. وربما أجد من الدروس الكثير في شي أراه ويراه غيري كل يوم، ولكنه يقع في نفسي فيؤلمني أو يسعدني ويبهرني فأحلق في سماء وصفه.. كما حدث معي في النورس وفي الطحلب وفي الشطرنج والبيادق وبعض الأشكال الهندسية وغير ذلك.

– لونه الأبيض يوحي بالصفاء.. فالأصل فيه النقاء مهما اتسخ.. وهو سرعان ما يعود للمعانه، وهذا يعطي شعور بالعودة إلى الطريق مهما ابتعدنا.

– قوامه الرائع وما فيه من أنفة ظاهرة، وجمال ملحوظ.. يعطي تكاملاً مع اللون الأبيض والشكل الانسيابي.

– تحليقه المتميز فهو يحلق بأكثر من طريقة وفي كل طريقة منها ميزة:

  • التحليق السلس، ويعطي هذا شعور بتحكمه في الجو، وسيطرته على الفضاء.
  • التحليق عكس الريح، وهذا يعطي شعور بالتحدي.. الغربة.. البعد عن العالم حوله.. العزيمة للوصول إلى الأهداف وتحقيقها.. والنظر البعيد.. والعمل دون ملل.

أرأيت.. كأنه يطير وهو ينظر لشي أمامه.. فيقاوم الرياح ويطير ببطء ولكن يقطع المسافات من أجل تحقيق هدفه، ولو نظرت لموضع بصره لرأيت الفضاء، فتشعر أنه يرى مالا نراها ويخطط لأهداف بعيدة ويعمل بهمة من أجل تحقيقها.

  • الانقضاض، وتشعر من خلال المتابعة له بالقوة والسيطرة والدقة.. القوة في الهجوم.. والدقة في توجيه نفسه وضرباته.. والسيطرة على خصمه من جهة، ومن جهة أخرى على نفسه، وإمكانياته، ومواهبه.

– وحدة في خلطة.. فعلى الرغم من أنه يعيش ضمن مجموعة وسرب إلا أنه كثيراً ما يبتعد ويحلق لوحده.. فهو مع سربه ينفع بقدر ما يستطيع.. ولكنه إذا عاد لذاته طوى نفسه على نفسه فكأن صدره كله جراح.. وفكره كله ألم.

– مسكنه وحياته على الشاطئ.. تشعر أن كل شي يشهد على ذوق هذا الطائر.. ورقته وحياته الهادئة.

أرأيتم.. هذا كله وغيره يمكن أن يظهر لنا لو تأملنا في ما حولنا.. وأعجب كثيراً إذ أرى كل شي في واقعي يرحل.. وكل شي يبتعد.. وأرى قسوة الحياة في كل محيط.. ابتداء من موجة بحر تغرق.. وانتهاء بنسمة ريح تخنق.. مروراً بأنياب تمزق.. ومخالب تجرح.. وكل أصناف العذاب.

 

(الصورة بعدسة: براك الخالدي)

إن الموت أمنية

أتــى دربــي وحـدثـنـي بــــأن عبيرهم عطرُ..

أتـى طـيـراً وأخـبـرنـي بـــــأن حديثهم سحرُ..

رأيـت الـلـيـل مـفـتـخـراً فـوجـه أحـبتي قمرُ..

يـحـدثـنـي صـفـاء الـعـيـن.. يـخـبر أنهم بصرُ..

أهـذا الحب يا ذاتي؟.. وهـذا الوجدُ والسهرُ؟..

أيأتي الليلُ والذكرى.. ويبقى القلبُ يحتضرُ؟..

فــلا حــي يـــــسـامـرني.. ولا نـايُ ولا وتـرُ..

سـوى هــمـي وأطـيـافُ تـذوب بحرّها الصورُ..

أيـا مـن يــحـمـل الأرواح.. ملّ الراكبَ السفرُ..

أحـن إلـى مــجـالـسـهـم.. فلا ألقى لهم أثرُ..

سوى الذكـرى.. كأشباح يهز وجودها الـبـشرُ..

وأرحـلُ.. إنـنـي حــرٌ أصـون الـعـهـد.. أفـتـخرُ..

فـأطـوي الأرض في أمـل.. لعل الروح تحتضرُ..

غـريـب الـدار مـنـقـطـع.. أنيني يرسم الفجرُ..

فـوقـتـي كـلـه لـيـل.. وكـــونـي كـلـه شـبـرُ..

وقـلـبـي نـابـضٌ بـاكٍ.. وهــمـي خـطـه القدرُ..

أيـا ذاتـي.. ويـؤلـمـنـي نــدائـي إنـنـي بـشرُ..

ألا وقـت يـجّـمـعـنـا.. ويـأتــي الـغيثُ والمطرُ؟..

ويشرقُ وجهُ من أهوى.. وأبـصرُ منهم الثغرُ؟..

تـمـزقـنـي صـبـابـاتـي.. وذنـبــي أنـنـي حـرُ..

وذنـبـي أنـنـي رجـل لأجـل الــديـن يـنـتـصرُ..

وذنـبـي أنـنـي قـلـب أبـيٌ شــامـخٌ خـطــرُ..

فـقـولـي ألـف قـافـية.. يصيح لـهولها الحجرُ..

بـأن الـمـوت أمـنـيـة.. إذا الأحــرارُ تـحـتـقرُ..

(الصورة بعدسة: شيماء-kw)

وصول ورحيل

المكان الذي فيه النقطة أقرب مايكون إلى قمة جبل، لا أدري كيف أصف جبلاً بهذه الصورة، تعودت أن تكون القمة ضيقة وصخرية، ولكن القمة هنا منبسطة نوعاً ما، والأرض كلها خضراء، لم أر أشجاراً كما رأيت هنا، الدنيا كلها مخضرة، وبعض الغابات تظل خضراء حتى في الشتاء. في أعلى نقطة يقع مركز الشرطة، غرف مبنية من الخشب، يحسنون التعامل مع الخشب بصورة تدعوا إلى الإعجاب، كل حياتهم من صنع الغابات، المنازل، والأثاث، بل وأبسط أمور الحياة.

بقيت الحافلة متوقفة قليلاً، ضاق الناس وفي النهاية سمح لنا بالذهاب، لماذا نعجز عن وصف السعادة؟ وكأن اللغة لاتحوي كلمات للتعبير عنها، أم أننا من كثرة المرارة في حياتنا لم نتعلم إلا معاني الشقاء، كنت أتلفت خوفاً من أن يلحق بي أحدهم ليعيدني أو ليأسرني. بكيت؟! نعم بكيت، ودعوت كثيراً، في البداية لم ألحظ الفرق، ولكن بعد قليل بدأت أستوعب ماحدث، لقد تمكنت من الدخول. استمر الحافلة تسير، وعند الفجر وصلت، كنت متعباً ولكن لايهم، كان المحطة خالية من الناس عدا سيدة منقبة ومعها رجل كبير في السن يبدوا أنه أبوها، وراكبين أو ثلاثة غلب أحدهم النعاس فنام فوق كرسي المحطة في انتظار حافلة تقله لمكانه.

– توقفت سيارة أجرة ونظر صاحبها بابتسامة مريحة، مهاجدين؟

– قلت: نعم.

توقعت أن يكون قد أخطأ في الكلمة، ثم اكتشفت أن هذه طريقتهم في التلفظ بها، لايوجد لغة حوار مشترك بيني وبينه سوى حركات يديه، فهمت منها ومن تعابير وجهه أنه سعيد بوجودي، لم أفهم كيف حدث الأمر، وكيف وصلت إلى هنا، مشاكل الطريق المفاجئة سهلت الأمور، وقبل كل شيء قدر الله. بعد قليل وصلت لبوابة عسكرية مغلقة، توقفت السيارة وأشار إلي فنزلت، وتحركت سيارة الأجرة. في زاوية البوابة يوجد غرفة خشبية صغيرة يطل منها حارس وجه سلاحه نحوي، وكشاف قوي ينير باتجاهي ليكشف عن مساحة خرسانية أقف عليها، وصف من الأشجار يقف على طول المسافة المشكّلة لسور المكان، لم أتبين شيء مما خلف البوابة، ثم وصلني صوت الصلاة، وخرج رجل أمن آخر غير الأول وتوجه نحوي.

– بادرني بلغة غير مفهومة، وحين رأي حيرتي سألني بانجليزية ذات لكنة غريبة: ماذا لديك؟

– ألقيت عليه السلام فرد علي، ثم عرفت بجنسيتي وتلعثمت فلم أجد عبارة أقولها.

– ابتسم ومد يده مصافحاً ورد بنفس اللهجة الغريبة: لابأس عليك، لقد وصلت، أدخل لتدرك الصلاة ثم نتفاهم.

فتح الباب ورأيت خلف الباب ساحة صغيرة نسبياً، يقع فوقها في الجهة اليمنى مبنى كبير، وفي الجهة اليسرى مجموعة غرف خشبية وصفاً من صنابير المياه التي اصطف الناس حولها للوضوء. وقفت معهم وتوضأت، أتذكر ياأخي أول ماء لامس وجهي في هذه البلاد، كان الجو بارداً بالنسبة لغريب مثلي، والماء بارد، وصوت الصلاة يسري في أعماقي، وأنا أرحل عن عالمي، صوت سقوط الماء، وكلمات مبعثرة لاأفهمها، وتذمر شاب غاضب قريباً مني وهو يشير بيده لزميله، وشاب آخر لايبدوا أنه يشعر بالبرد الذي أشعر به، لبسه يدل على ذلك، وفي وسطه مسدس وسكين، كنت لأول مرة في حياتي أرى رجالاً بهذه البساطة. وأخيراً وصلت إلى ماظننته المحطة الأخيرة في رحلتي، أو بالأصح في حياتي، كنت أشعر بالنور يشرق من كل شيء، بدا لي أن الناس لم يشعروا بوجود غريب بينهم، وكنت أشعر أنهم ليسوا غرباء، ألفت كل شيء في تلك البلاد منذ النظرة الأولى. وهنا رأيتك يومها، إن كنت تذكر.

الأيام تمر بسرعة لا تشعر بانتهائها، تنتهي من عمل لتنتقل إلى الذي يليه، الأعمال كثيرة، فهناك التدريب والقتال، وهناك الدعوة والتعليم، وبين هذا وذاك هنا قلوب مؤمنة معلقة بمحبوبها تبحث عن الموت في كل لحظة وتنتظر لقاء الله. أخي..

من أراد أن يعرف معنى الأخوة فلينظر إلى الأنصار في الخنادق، يعانقون البنادق، ويقتسمون اللقمة بينهم، يضحكون، يلعبون، تدك مواقعهم وهم يصنعون القهوة وينشدون، وفي النهاية يقتلون ليبتسمون، لن أتحدث عنهم فقد عرفتهم أنت كما عرفتهم أنا، يوم أن كنا في جبهة واحدة..

أتذكر يوم أن قيل لنا انتهى القتال، أتذكر مقتل الأنصار، كان الموت خيراً لنا، كنا نتمناه ولكنها مشيئة الله يؤخرنا لنتابع الطريق ونكمل المسير، وتفرقت بنا السبل بعد أن كنا مجتمعون، وعدنا للرحيل من جديد. أتذكر موقفك يومها، لم أذرف حينها دمعة واحدة، لا أدري لماذا، كان الكل يبكي، وكنت أبتسم لأشجعك، ومن يومها “حُرِمتُ البكاء”.

لم نغادر تلك البلاد كما يفعل الناس عادة، كنا نواة إرهاب كما وصفونا بعد ذلك، فكان لا بد من خروج متميز لنا، نغادر البلاد في حراسة مشددة، لا نحمل سلاحاً مادياً ولكن أسلحتنا المعنوية أقوى من آلاتهم، لم ندخل من باب المطار ولكن أدخلونا مباشرة إلى طائرة كانت تنتظرنا لتأخذنا بعيداً عن أراضيهم، كنت وحيداً حينما دخلت هذه البلاد أول مرة، واليوم أخرج منها وحولي مجموعة من رجال الأمن كلهم مسلحون خوفاً مني حتى لا أدمر بلدهم. في الطريق مررت بعدة أنهار، زرقاء صافية تعكس زرقة السماء، الغابات الكثيفة، وقلعة عثمانية تشمخ وسط الجبال، وسكان بسطاء يلوحون لي ويشيرون بأصبعهم، أطفال واقفون على جانب الطريق، ونساء يبكين في وداع مؤلم.

أدخلوني إلى صالة صفوا فيها العديد من الطاولات، وضعوا حقيبتي في مكان، وأحضروا كلاباً مدربة لتفتشها، جاء رجل وأشار إلي ليفتشني، خلعت بذلتي، وملابسي، لم يتركوا علي سوى ملابسي الداخلية، حتى هذه أرادوا نزعها ولكنني رفضت، تأكد أنني لاأحمل شيئاً، وأرجع لي حقيبتي مرة أخرى.

صعدت إلى الطائرة، ألقيت بنفسي على المقعد المخصص لي، لم يسمح لي بالاختلاط ببقية الركاب، وضعت السماعة في أذني وسمعت الشيخ العجمي يقرأ: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) وضعت وجهي بين كفي وبكيت، فقد كانت نفس الآية التي سمعتها يوم أن قتل من إخواني الكثير…

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: في الطريق> يتبع > الحلقة التالية: الرحيل الجديد)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

ملحمة المتهم.. أدب ينبض بالجراح

“من مقالاتي السابقة.. ويستحق النشر لتميز العمل الذي قدم”

ضمن فعاليات هذا الصيف في المنطقة الشرقية ومدينة الدمام تحديداً قدمت اللجنة الثقافية بنادي الاتفاق والتي يرأسها الأستاذ عامر العنيزي مهرجاناً إنشادياً بعنوان: مهرجان الكلمة الطيبة الثاني. وقد تنوعت فقرات المهرجان كما هو المعتاد في مثل هذه الأحوال بين الفقرات الإنشادية والمشاهد المسرحية والمسابقات المتنوعة والسحب على العديد من الجوائز الفورية. وساهم في إحياء برامج المهرجان عدد من الفرق الإنشادية المحلية والخليجية واستمرت العروض لمدة ثلاث ليالٍ ، إلا أن اليوم الثاني فجّر مفاجأة أسعدت الحضور فقد شاركت عشائر جوالة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بملحمة رائعة بعنوان “المتهم”. الملحمة عبارة عن قصيدتين الأولى للدكتور الشاعر عبدالرحمن العشماوي ، والثانية للمهندس عبدالمعطي الرحيلي. وهي من إخراج الأستاذ محمد الحكمي ، وساعده في الإخراج الأستاذ محمد عبيدالله  ، ومن ألحان وإنشاد الأستاذ عبدالله الضحيان الذي برز كنجم واعد وطاقة شبابية تحتاج إلى توجيه واستغلال ، وشارك فيها كل من الأستاذ عبدالعزيز باروم والأستاذ محمد عسيري والأستاذ معتز الحلو والطفل إبراهيم المقيط. واستمرت الملحمة لمدة خمسة وعشرين دقيقة حملت المشاهدين إلى فضاء واسع وتركت أثرها في كل النفوس.

تميزت الملحمة بعدة نقاط كانت كالآتي:

–   الديكور والإضاءة الذي قامت بتوفيره اللجنة الثقافية بالنادي  تحت إشراف ومتابعة مساعد المخرج وكان الديكور يصور الأمة الإسلامية من جهة وهي واقعة تحت الضغوط العالمية وأعدائها من جهة أخرى وقد رفعتهم الدنيا ليكونوا فوق أرضية المسرح. وجاء دور الإضاءة بمؤثراتها القوية ليشكل نوعاً من التوازن يخرج المشاهد من الملل ويحول الصورة بين الأبطال وكأنك تشاهد عرضاً سينمائياً ، لاعرضاً مسرحياً ثابتاً.

–   الإخراج الفني وقد أبدع الأستاذ الحكمي والأستاذ محمد في إخراج الملحمة.. حتى أنسيا الحضور أن هذا مجرد حفل فتسارعت نبضات القلوب مع الأبيات القوية التي كانت تنطلق من حناجر الممثلين ، ولينافس العرض وبقوة العروض التي يمكن أن تقوم اللجان الثقافية الأخرى بإعدادها. فاتحين بذلك مجالاً رحباً لصفوف أخرى من المبدعين للاستفادة من هذه التجربة ومحاولة إثراء الساحة الفنية والمسرحية بإعلام هادف ومتميز.

–   الأداء.. تقمص كل ممثل دوره المنوط به فبدت الأدوار حية وكأنهم شخصيات حقيقية ، وكأن الأحداث التي كانت تدور على أرض المسرح كانت واقعاً وظهر هذا من تأثر الجمهور وتفاعله مع كل مقطع شعري قدمه الممثلون ، وأظهر هذا وبوضوح الكفاءة الشبابية التي تتميز بها جامعاتنا ، والقدرة على الإبداع التي لدى شبابنا.. كما أكدت الأهمية الفعلية للأنشطة الطلابية ، إذ أنها الأساس في صقل المهارات وتنميها.

–   الفكرة والمضمون.. الملاحم ليست شيئاً جديداً ولكن الدمج الرائع الذي خرجت به ملحمة “المتهم” أعطاها روحاً مختلفة ، إذ كنت تشعر وأنت تشاهد وتسمع أن روحك تكاد تغادر صدرك لتقفز إلى المسرح وتحاول أن تصنع شيئاً من التاريخ لتقدمه للأمة.. والمتهم الذي كان يرمز للإسلام كان يفند التهم التي يهاجم بها ، ومع أن محاولة إخراسه كانت قوية إلا أن صوت الحق ارتفع في الأخير وبالرغم من التآمر العالمي الذي برز في الملحمة.

ونقلتنا الأبيات التي عرضت لتجعلنا نفكر في الأدب وكيفية توجيهه لخدمة قضايا الأمة.. كما أنها اختصرت الطريق على تحليل بعض الأمور في واقعنا وهذا الشيء ظهر من خلال التهم التي كانت تلقى على المتهم “الإسلام”.

كانت بداية الملحة قوية ، فبدون إعطاء أي فرصة للإسلام فوجئ بهجوم خصومه ووصفهم إياه:

أنت لدينا.. أنت لدينا متهم..

أنت أقسى من طواغيت الأمم..

أنت كالطاعون يسري في خلايا الجسم..

كالأحجار في دار إرم..

أنت منسوب إلى فرعون.. منقوش على باب الهرم..

أنت من أنصار من يشقى به العرب.. وتخشاه العجم..

أنت جرح نازف أنت ألم..

قف هنا أنت لدينا متهم..

أنت لا يرويك ماء.. إنما يرويك دم..

أنت للإرهاب قرطاس.. وحبر.. وقلم..

وبالرغم من فضاعات هذه الاتهامات يحاول الإسلام أن يرد عليهم بابتسامة هادئة:

امنحوني فرصة يا قوم كي أدفع عن نفسي التهم..

فأنا ياقوم لم اسمع بما قلتم ولم..

وأنا يا قوم …

ولكنهم يقاطعونه وبشدة ليبقى في مكانه دون حراك:

أسكت أيها الوغد.. وقف مثل الصنم..

وتتوالى الاتهامات وتعرض الأسباب التي أدت لمثل هذا الهجوم العنيف:

أنت ما باركت شارون.. ولا باراك..

ما باركت تلك الهيلمة..

أنت لم تمدح يهود الدونمة..

أنت لم تخدع بأضواء بريق الأوسمة..

أنت لم تبكي على الليدي ديانا..

حينما حطمها العشق..

وأعطاها فتى العرب دمه..

وكان صوت الإسلام يرد على كل تهمة:

ويحكم.. لست أرى في ما ذكرتم مثلمة.

ويستمر الحوار في الملحمة بين الإسلام وبين مناوئيه لتنفد الشبه ، بل يمكننا القول أن الملحمة كانت شارحة لكثير من القضايا السياسية التي تمر بها أمتنا ، لتضعها بين يدي المشاهد في بساطة ودون تعقيد:

إننا نملك آلاف الشواهد..

أوماتسعى إلى نشر المحامد؟

أوماتسعى إلى نشر الهدى؟

أوماتسعى لتعمير المساجد؟

أوماتدعوا إلى حشمة ليلى؟

بهذه البساطة تتضح الصورة من خلال الملحمة.. فبينما يحاول الخصوم جعل مسلمات الدين سبباً للاتهام وللفساد نجد صوت الإسلام يصل بهدوء ولكن بعمق يقتلع الشبه والوساوس من الرؤوس ، مخبراً عن حبه للسلام وعن صفاء قلبه من الحقد.. لكنه أيضاً واضح فهو يكره الظلم ولا يرضى بتشويه المعالم ، وهو كذلك يقدم روحه فداء لدينه.

ويعود الحوار ليدور فما يراه الإسلام من ثوابته يراه العدو سبباً لتهمته..

أنت لم تترك صلاة الفجر يوماً..

قل نعم.

أنت لم تهجر كتاب الله يوماً..

أنت تدعو الناس للإسلام..

قل أيضاً نعم.

أنت مازلت ترى المسجد الأقصى امتداداً للحرم..

وينطلق صوت الإسلام ثانية.. ليدافع عن نفسه.. بل ليوقف هذا المد في قوة حجة..

أنا لا أرضى بتقليب الوطن..

أنا لا أرضى بترحيل الملايين..

عن الأرض ولا هدم السكن..

أنا لم أحرق سراييفو.. ولا حطمت كوسوفا..

ولا أحرقت عشاً وفنن..

أنا ما أثكلت قلب الأم.. وما أشعلت نيران الشجن..

ثم يصل صوت الطفل لينضم إلى صوت الإسلام في دفاعه.. معبراً عن الصحوة في قلوبنا وأمتنا ومجتمعاتنا..

لست أنت المتهم..

يا عم.. لست أنت المتهم..

أنت نور قد أضاء الكون فانزاح الظلم..

أنت في صفحات هذا الكون أبدع من رسم..

أنت للحب سماء.. أنت للصدق دِيَمْ..

أنت للعقل وفاء.. أنت للسلم علم..

وفي نهاية الملحمة يسكت صوت الباطل. وتظلم المساحات التي وقفوا عليها.. ويبقى نور يهدي الجموع إلى الطريق.. وتبقى هذه الملحمة شاهداً على إبداع شبابنا.. وعلى وجود الطاقات المشتعلة المحبة للوطن.. المدركة لمعاني المسئولية.. الرافعة لواء الإسلام ليكون شعاراً يقود الأمم إلى طرق النجاح.. وتبقى همسة أخيرة لإعلامنا بضرورة تبني هذه المواهب.. وفتح المجالات لها.. بل واستقطابها وتشجيعها لأداء المزيد والمزيد من الملاحم.. علهم من خلالها يوقظون من أمتنا من أدركه الوسن. لقد كانت “المتهم” فرصة لنا جميعاً لنعرف موقعنا من ديننا.. ونعيد النظر في عطائنا.

يمكنك الاستماع للملحمة

(الصورة بعدسة: ديبو).