كلمة ودلالة.. 002

“العمل للدين كالسفينة:

الشباب وقوده، الكبار دفته، العلماء بوصلته، التجار أشرعته، الدولة مرساته، المجتمع ركابه، الجرذان أعدائه، المؤسسات بحارته، الواجبات حمولته، العقيدة هيكله.

وفي بحر الحياة سفن لو انتظمت شكّلت أسطولاً قوياً، ولو نسقت كوّنت فريقاً متكاملاً، ولو وحدت قيادتها نجت من الغرق”

 

(الصورة بعدسة: ريان المنصور)

رسالة لأمي

كل شي يذكرني بك.. حتى مرضي..

 

أفراحي ترسم أفراحك..

وبثغرك حبات اللؤلؤ..

ينظمها كفي يا أمي..

 

بسماتك تأخذ فرحتها..

من ثغري..

من ضحك عيوني..

من بسمة آمالي..

نظراتك ترسم عاطفة..

وعيونك مرآة شجوني..

 

في صدري ألم الأعوام..

أطويه وأطوي أيامي..

وأخادع عينك يا حبي..

كي أخفي عنك الآلام..

 

كالطفل أغوص بأحضانك..

أبتسم لأخفي أحزاني..

أملأ بيتك بالضحكات..

وتزيد بصدري الحسرات..

 

أشتاق لكفك يا أمي..

أشتاق لعطرك ننشقه..

وبصوتك يملأ أعماقي..

يترعها خيرا يا قلبي..

يالحناً يرقص في شفتي..

يا عقداً في جيد الأيام..

 

آه ياحسرة أفراحي..

تبعدني عنك الأميال..

في بعدك نار تحرقني..

وبقربك تزداد النيران..

 

(الصورة بعدسة: أسيل الغنام)

حقيبة الأدوات

لكل مهنة أدواتها، والتعبير بحقيبة يأتي على نوعين:

  1. أن تكون حقيبة حقيقية.. ويراد بها الأدوات التي يحملها الطبيب، النجار، الميكانيكي، وغيرهم.
  2. أن تكون حقيبة مجازية.. وهي تعني في هذه الحالة المؤهلات التي يتمتع بها أصحاب المهن وتميزهم، كالدقة في الساعاتي، والقدر على التحليل عند الاقتصاد.

من مميزات الحقائب المهنية الآتي:

– الوجود والخصوصية.. فلا بد من وجودها سواء المحسوس منها أو المعنوي، فلكل صاحب مهنة أدواته التي ترافقه، بل قد يتطور الأمر ليكون له حقيبة خاصة لايسمح لزملائه بالاستفادة منها، وذلك لضمان الجودة والسلامة والعناية وغير ذلك.

– التقدير والسمت.. فبدون هذه الأدوات لايستطيع الفرد أن يمارس مهنته، ونجد كل مهنة تعرف أنواع الأدوات فتختار أجودها، وتتأكد من المصنعين والمواصفات. ولا يتطاول أصحاب مهنة على أخرى، لينتقص من
أدواته، فلم نر طبيبياً يعيب على كهربائي أنه يحمل أسلاكه معه، ولم نشاهد مهندساً يستهزئ على طاولة الخباز. بل يترك الأمر لكل إنسان ليحدد محتويات حقيبته، وإذا لزم الأمر اتصل المتضرر بأصحاب الاختصاص، ونقده ثمن الخدمة التي يقدمها.

– التصنيف والترتيب.. فلكل أداة مكانها في الحقيبة، ولكل أداة مواصفاتها في العمل والتصنيف.

أمر واحد اختلط على الكثير من الناس وأصبح أصحابه يعانون من تدخلات الآخرين فيه، وهو العلم الشرعي والفتوى، فالبعض لم يراع ضرورة توفر الأدوات الشرعية.. ومنها على سبيل المثال:

1. العلم بالعقيدة ومعرفة التوحيد وتجنب الشرك ومنها الآتي:

  • معرفة الله سبحانه وتعالى وأسماء وصفاته، والفرق بين الألوهية والربوبية، وما يترتب على
    ذلك.
  • معرفة الأنبياء وحياتهم، ودعواتهم، ومايحتاج إليه.
  • معرفةاليوم الآخر والجنة والنار والبرزخ والحياة الآخرة بشكل عام.

2. العلم بالقرآن الكريم من حيث:

  • حفظه واتقانه.
  • معرفة أحكام تفسيره وأشهر مفسريه، ومناهج التفسير، وأثر ذلك على الحكم الشرعي.

3. العلم بالحديث النبوي من الناحيتين:

  • الأولى: نص الحديث واتقان حفظه.
  • الثانية: العلم بالمصطلح، ومعرفة رجاله وأحوالهم ودرجاته، وأحكامه، وثبوته، والعلم.

4. العلم بالفقه وأصوله والاستنباط والقدرة عليه، والربط بين المختلف، والاختلاف في الأحوال والأحكام.

5. العلم بالعلوم المكملة، كالتاريخ، والرجال، والدول، وماوجد فيها من بدعة، والحركات الهدامة وتواريخها، وارتباطها ونشاطها، ورجالها.

وغير ذلك من الأدوات الشرعية.. هل نتصور أن هذه الأدوات سهلة؟ عن نفسي لا اعتقد، وبالرغم من تخصصي في العلوم الإنسانية، ثم في العلوم الإدارية، وبالرغم من كوني طالب دراسات عليا، إلا أنني لازلت أتمنى أن أتمكن من دراسة العلوم الشرعية واتقانها، وذلك لتشعبها وصعوبة وحاجة الإنسان إلى
قوة حفظ واستحضار ذهن ليتمكن من استخدام الأدوات المناسبة اللأحداث.

البعض قد لايشعر بحجم الأمر، ولكن التصدي للفتوى والعمل عليها ومتابعة حديث للتثبت من رجاله ومعرفة صحته أمر فيه مشقة لاتقل عن دراسة تخصص علمي والسهر للتعرف على خواص كائن في المحيط.

لكل تخصصه، ولكل إمكانياته، ولذلك أؤمن أن الفتوى ليست من حق إعلامي يجهل أبسط الأمور الشرعية مما يقام به الدين، وليست من حق طالب علم تخرج من كلية الشريعة مكتفياً بما درسه، متخيلاً أن في ذلك كفاية فلم يتحمل طلب المزيد.

وليست من حق من عرف بالفساد والانحلال، والبحث عن فتوى تحقق رغبته الشخصية فيأخذ من عالم هنا، وعالم هناك، ويضرب الأقوال ببعضها، ليخرج برخصة تبيح له كل مايريد ولو كان في ذلك الحرام أو مقاربته.

بل من حق أئمة العلم، اللذين عرفوا بالصلاح في سيرهم، والجد في طلبهم للعلم، والدين وصحة المعتقد في تعبدهم. والثبات في نصحهم وجهادهم.

حقيبة الأدوات ليست حكراً على أصحاب المهن، بل هي لجميع التخصصات. وكما نتعامل بتقدير مع مفك، أو منشار، فلابد أن نفهم معنى أن نقول على الله بغير علم، أو نتأول بجهل كلام الله وكلام رسوله صلى الله
عليه وسلم.

لله العلم وأهله، غفر الله لهم، وكتب لهم الأجر على مايلاقونه من ضعاف النفوس ممن يريدون الدنيا على حساب الآخرة، أو ممن جهلوا وظنوا أن مالديهم من علم يكفي للوقوف أمام طوفان المتغيرات. ورحم الله
أمةً ابتليت بهولاء.

(الصورة بعدسة: ريان المنصور)

ضاع الأثر

الــشــوق أرقــنـي وأضناني السهر … والحب يقتلني فقل لي ما الخبر

والـنـبـض بـركان يـمـزق داخـلـي … يــلـهـو بأعماقــي ويرمي بالشرر

والـذكـريـات خـنـاجـر تـجـتـاحـنـي … لا كـف يـمـنعها سوى كف القدر

لا خــل يــذكــرنـي فـيـذرف دمـعـة … كلا ولا الأشـبـاح في تلك الصور

أمــضــي أقــلــب عالماً قــد عــفته … قد تاهت الأعيان ، بل ضاع الأثر

وأراقـب الـذكـرى تـداعـب خــاطـــري … فـأفـيـق ملتاعاً يعاتبني القمر

والليل يــحـضـنـنـي ويـذرف أنـــــــجـمـاً … فأصوغ أنجمه قلائد من درر

لا القلب يرحمني وينسى ودكم … والوصل ينكرني ، لأبقى في سفر

 

(الصورة بعدسة: سديم البدر)

أفكار صغيرة (003).. المزيج الترويجي

العملية الإدارية ترافقنا في كل مكان..

سهلة إذا عرفنا كيف نتعامل معها..

وهذا دورنا في صدارة..

من هنا:

أفكار صغيرة 003

مع التحية..

 

(الحقوق الفكرية ملك لمؤسسة صدارة)

للمزيد من الإصدارات يمكنك زيارة الموقع: www.sadarah.com.sa

الرحيل الجديد

لم يتوقف الثلج منذ البارحة، رجعت لطاولتي ثانية، أحتاج لشراء كمية من الشموع، نظرت للأوراق أمامي مرة أخرى، لاحظت أمراً غريباً، لماذا لم أتكلم عن حياتنا في الجبهة؟. كنت أشير فقط للألم فيها. ربما لأن الأيام السعيدة تنقضي بسرعة، أتذكر أول وصول لي للمعسكر والتعرف بالأنصار هناك، كان مدربنا رجلاً عجيباً، أحببته، أحببته بعمق. قال لي أنه يحبني وأسعدني ذلك، ورحل كما يرحل الآخرون، ليتركني وحيداً.
كنت من أشبه الناس به، يظن الناس أنني أخوه، وقد كنت كذلك فعلاً ولو لم تجمعني به رابطة الدم، كان أبو الشهداء، وكان قائد القادة، أكرمه الله بلياقة بدنية عالية فسخرها لطاعته، وكتم عن الناس الآم قلبه النفسية بسبب غربته والعضوية بسبب مرضه. حدثني كثيراً عن رغبته في الشهادة، وعن ألمه بسبب تأخرها، كان يروي لي مايراه الأنصار فيه من أنه سيقتل ، يتحدث معي في سعادة الأطفال وصفائهم، وحدث أمر دفعني للرحيل.

 

– لماذا سترحل وتتركنا؟

– لا أريد أن أرحل، ولكن هذا هو قرار القائد، وهذه هي المصلحة.

– ستعود؟

– بالتأكيد، وسنلتقي، هنا أو في مكان آخر.

– اسمع، منذ زمن لم أقل هذا الكلام.

– …..

– أحبك في الله.

– فرحت بكلمته، فقد عنت لي الكثير، أحبك الله الذي أحببتني فيه، أجبته وأنا مطأطئاً رأسي.

– أريد أن أهديك شيئاً، لاأعرف ماذا أعطيك، ثم تلعثم ولم يجد شيئاً يقوله فارتبك وقال: فقط… خذ ابني هدية لك.

– …..

– علمه كل شي تعرفه.

– وافترقنا وهذا هو الحال في كل مرة، كانت الأيام تمر علينا سريعة كحال لحظات الوداد، فإذا بنا نعد الثواني واللحظات، أتذكر الشهداء الذين قابلتهم، كانت الحياة محطة يرتاح فيها الشهيد قبل أن توافيه منيته، بحث عن الشهادة حتى كل وتعب، ولكن الله كان يدخره لأمر أكبر.. تمناها ولكن لو رحل من سيعد العشاق
لمصارعهم.

جاءت فترة الرباط الشاقة، بحرها وبردها، وبقي ثابتاً كالجبل مع الأنصار. اليوم إن مررتَ من هنا، سترى النهر جارياً بقوة، يخبر صوت هديره أنه من بطون الموت التي ضمت الشهداء، ويعلن أنه صورة من صور المنية المعدة للأحرار.

نعم رحل مع الأمواج مرابطاً غريقاً مبتسماً، وبقي ابنه الشهيد مجاوراً لقبر أبيه، وبقيت أراه يوماً من بعد يوم، أتذكر هديتي مبتسماً، وأودع أباه الشهيد.
أتذكر يوم رحيلنا إلى الجبهة.. ودعنا الذين سيبقون وهم يبكون، يريدون الذهاب، وكنا سعداء نحاول غرس الصبر والأمل في نفوسهم، مرت أيام جميلة في التدريب، صعود الجبال وفك السلاح والحراسة وتعلم أمور الحرب، ولكن كان للرحيل للجبهة طعم خاص، أخذنا نضحك وننشد طوال الطريق ويذكر بعضنا البعض بالنية، نضحك كالأطفال، الكل يتمنى الشهادة والكل يتوقع أن يقتل.. وقتل الكل إلا.. أنا. أتذكر يوم أن قلت لأحد
الأنصار أنني سأقتل، فضحك وقال: بل أنا من سيقتل، وأتذكر يوم أن قال لي أحدهم ستقتل وقلت: بل أنت الذي ستقتل.. وقتل فعلاً. رحلوا جميعاً.

 

أتذكر الشيخ الكبير، والطفل الصغير، أتذكر الجبهة والمعارك، أتذكر خندقاً صغيراً ينام فيه أربعة وكلب شريد يأتي من الغابة يلتصق بهم طلباً للدفء والطعام، أتذكر طعم القهوة تحت القصف، أتذكر الخبز الأسود، أتذكر ولكن لماذا لا أكتب عنها. دعها أخي في صدري فالذكرى تقتل قلبي.
لم أطق القعود عند عودتي، نقص وزني كثيراً وبكت أمي كثيراً، كانت حبيبتي جاهزة تنتظر الرحيل، وحان موعد الرحيل الجديد.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: وصول ورحيل> يتبع > الحلقة التالية: غرباء)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

أفكار مجنونة

24/4/2011م

المنزل (غرفة النوم).. الساعة 3:55 عصراً

 

سأظل أتأرجح عند البعض بين الجنون والغرور.. أو هذا هو ما أتوقعه بسبب رسائلي هذه.. والسبب في رأيي أننا لانتصور مفهوم المحاسبة إلا كصورة للجنون أو الغرور..

مخاطبة النفس لاتخلو من صور إدارية وحضارية، فهي سريعة الاتصال وتوفر عناء البحث عن متلقي الرسالة، كما توفر تكاليف البحث.. والتكاليف تتقلص لحد كبير، كما أن الآلآت المستخدمة ستقل، وبالتالي وبلغة إدارة المشاريع سأكون قد حققت مميزتين رئيسيتين، وميزة فرعية وهي:

– تقليل التكلفة.

– استخدام الوسيلة الملائمة.

– استخدم الشخص الأنسب.

كما أنني سأحقق نتائج لايستهان بها من خلال مخاطبة نفسي ومنها على سبيل المثال:

– ضمان وصول رسالتي لمن يقدرها.

– ضمان أداءً وجهداً ملائماً، حتى لو لم يتحقق ما أريد.

ثم هل هناك من سيفهمني كنفسي؟ فهي الكائن الوحيد الذي يفهمني بدون أن أبرر، ويعرف مخططاتي دون الافصاح عنها، ويقف معي حين يتخاذل الناس.. فكيف لا أخاطبها بأعز ما أملك، وكيف لاأهدي لها مساحات الظل.

افتقدها كثيراً.. ففي الأحوال العادية أحتاج إلى ساعات الصفاء والاتصال بها، واليوم تتسارع الأحداث
من حولي فأشعر بحاجة أكبر لملاقاتها والحديث معها.

 

(الصورة بعدسة: سديم البدر)

نبات الظل والأشجار

 

في مكتبي هناك نوعين من الأشجار، نباتات ظل تزين أرجاء المكان. وأشجار تحيط بالمبنى تعطي شعوراً بالتأثير الزمني. في فخر يخاطبني الرجل الذي أحضرها، يقول: أنا الذي أقنع الإدارة بزراعة هذه الأشجار، كانت كلها عصيِ صغيرة، زرعتها بيدي، وأفرح حين أراها كبيرة، وهو أمر يشير من خلاله إلى مدة خدمته في الشركة، وخبرته التي أكتسبها في إدارته.

في حياتنا الإدارية هناك نوعين من النباتات أيضاً.. نبات ظل وأشجار.. فالأولى شتلات صغيرة توضع لإضفاء منظر يزين المكاتب، قد لاتكون ذات رائحة طيبة، بل ربما لاتعرف أهي حقيقية أم صناعية، وهي لاتثمر فليست للإنتاج، كل الذي تقوم به تغير جو المكان، وهي تستمد حياتها من مصادر أخرى خارجية، فجذورها محدودة الامتداد، تشغل مساحة الإناء الذي وضعت فيه، وأوراقها قصيرة تكون محيطاً صغيراً من الظل.. بل حتى الحشرات قد لاتعيش فيها، لا أدري بسبب العناية الفائقة بها، أم لأنها لاتمثل أي قيمة غذائية أو منفعة بالنسبة لها.

وهي فوق ذلك كله لاتحتمل الشمس، ولا تريد تيارات الهواء المختلفة، وتتأثر بالعوامل فلا تكاد تغير مكانها.

والثانية أشجار ضاربة الجذور، تمتد أحياناً حتى تفسد المكاتب والمباني وبعض مرافق البنية التحتية كتمديدات الماء والكهرباء، وهي بهذا الامتداد تعطي صورة عن خبرات الموظفين العميقة حين لاتسعها مجالات العمل في المنظمات الحكومية والخاصة، تتعامل هذه الأشجار مع مختلف عوامل الجو، تغيراته وتقلباته، وتعطي نوعين من الإنتاج:

– إنتاج غذائي، من خلال ماتطرحه من ثمار.

– وإنتاج لنسميه اجتماعي، وهو إنتاج خدمي يتمثل في الظل.. إضافة إلى نواحي الجمال التي تقدمها.

النوع الأول يشبه تماماً أنماطاً من الموظفين نتعامل معها ونراها ومن صفاتهم:

– أنهم لايمثلون شيئاً أكثر من المنظر اللامع الجميل، الذي يستمد لمعانه وجماله من إدارات أخرى وموظفين آخرين يقومون بتلميعه، وذلك من خلال القيام بعملهم وتقديمه له ليقوم برفعه بنفسه للإدارات العليا، متباهياً بإنجازه، شاعراً بعمق خبرته وأثره في التغيير والتطوير، دون أن يتعب نفسه في تغيير أبسط الأمور أو مراجعة العمل ليتعلم طريقة القيام به مستقبلاً، أو من خلال إضفاء جو المهابة حوله كونه صاحب منشأة أو قريب لمدير أو غير ذلك من الاعتبارات الاجتماعية.

– أنهم لايكونون خبرة، لأنهم لا يعملون، وذلك لأسباب ومنها:

  • لا يحسنون القيام بالمهام. ولا يرغبون بذلك، فطالما هنام من يخدمهم فهم لايحرصون على التعلم.
  • لا يعرفون كيف يحولون المعلومات النظرية التي لديهم إلى معادلات عملية تمكنهم من تنفيذ الأعمال.
  • ليس لديهم الاستعداد للتواضع والسؤال عن طبيعة المهام وكيفية تطبيقها.

– أنهم لا يملكون أمر أنفسهم، فهم كقطعة تنتقل بانتقال الأرض التي أنبتتهم فيها، وقد لايكون انتقالاً بل يكون بحركة قوية للرياح فتذروا رمال الإدارات التي زرعتهم، وتطير معها النباتات المتعلقة بها.

– والنمط الثاني ليس ببعيد عن الإدارة أيضاً، يذكرونني بصنف آخر قابلت بعضهم في حياتي وتشرفت بالعمل معهم، ومن صفاتهم:

– التأهيل القوي، فهم ضاربون بجذورهم في تربة المعرفة يستمدون منها قوتهم.

– الشموخ في مواجهة متغيرات الإدارة من حولهم والتحديات والمخاطر.

– المنفعة التي يقدمونها من خلال النتاج والتدريب، تماماً كتقديم الثمار والظل.

هناك عنصر ثالث يكمل العملية الزراعية، وهو السماد.. وحتى هذا لاتخلوا الإدارة منه، فلو تأملت فستجد نوعاً آخر من الموظفين يلتقي مع السماد في بعض صفتين وهما:

– أنهما يوفران المواد العضوية اللازمة، والتي تشكل قيمة غذائية للنبات والأشجار. فهذا يعطي الغذاء، وذلك يقوم بالتمسح وتقديم الخدمات للتقرب من الإدارة والحفاظ على مكانته.

– أنهما قد يتشابهان أحياناً في إعطاء شعور التقزز، وذلك حسب نوع السماد.

وأخيراً.. اختر لنفسك.. فكن نبات ظل.. أو كن شجرة.. أو كن غير ذلك.

(الصورة بعدسة: أسيل الغنام)

النورس

– أراك تتأمل كثيراً في الصور بين يديك..

– ابتسمت له.. نعم، هذه صور لطيور النورس.

– لقد لفت نظري هذا الشي.. ولفت نظري أيضاً أنك تحب هذا الطائر.

– ربما.. وربما لا يكون حباً بقدر ما هو إعجاب بصفات وتأمل لحياة.

– كيف ؟

– ابتسمت له.. فكر قليلاً.. وسأخبرك لاحقاً.

أحب التأمل كثيراً.. ولربما أثار المنظر الصغير في نفسي أموراً لا يتخيلها أحد.. وأتتبع نقاط الذوق والتميز والإيحاءات الفاتنة.. والهمسات المعبرة.. وربما أجد من الدروس الكثير في شي أراه ويراه غيري كل يوم، ولكنه يقع في نفسي فيؤلمني أو يسعدني ويبهرني فأحلق في سماء وصفه.. كما حدث معي في النورس وفي الطحلب وفي الشطرنج والبيادق وبعض الأشكال الهندسية وغير ذلك.

– لونه الأبيض يوحي بالصفاء.. فالأصل فيه النقاء مهما اتسخ.. وهو سرعان ما يعود للمعانه، وهذا يعطي شعور بالعودة إلى الطريق مهما ابتعدنا.

– قوامه الرائع وما فيه من أنفة ظاهرة، وجمال ملحوظ.. يعطي تكاملاً مع اللون الأبيض والشكل الانسيابي.

– تحليقه المتميز فهو يحلق بأكثر من طريقة وفي كل طريقة منها ميزة:

  • التحليق السلس، ويعطي هذا شعور بتحكمه في الجو، وسيطرته على الفضاء.
  • التحليق عكس الريح، وهذا يعطي شعور بالتحدي.. الغربة.. البعد عن العالم حوله.. العزيمة للوصول إلى الأهداف وتحقيقها.. والنظر البعيد.. والعمل دون ملل.

أرأيت.. كأنه يطير وهو ينظر لشي أمامه.. فيقاوم الرياح ويطير ببطء ولكن يقطع المسافات من أجل تحقيق هدفه، ولو نظرت لموضع بصره لرأيت الفضاء، فتشعر أنه يرى مالا نراها ويخطط لأهداف بعيدة ويعمل بهمة من أجل تحقيقها.

  • الانقضاض، وتشعر من خلال المتابعة له بالقوة والسيطرة والدقة.. القوة في الهجوم.. والدقة في توجيه نفسه وضرباته.. والسيطرة على خصمه من جهة، ومن جهة أخرى على نفسه، وإمكانياته، ومواهبه.

– وحدة في خلطة.. فعلى الرغم من أنه يعيش ضمن مجموعة وسرب إلا أنه كثيراً ما يبتعد ويحلق لوحده.. فهو مع سربه ينفع بقدر ما يستطيع.. ولكنه إذا عاد لذاته طوى نفسه على نفسه فكأن صدره كله جراح.. وفكره كله ألم.

– مسكنه وحياته على الشاطئ.. تشعر أن كل شي يشهد على ذوق هذا الطائر.. ورقته وحياته الهادئة.

أرأيتم.. هذا كله وغيره يمكن أن يظهر لنا لو تأملنا في ما حولنا.. وأعجب كثيراً إذ أرى كل شي في واقعي يرحل.. وكل شي يبتعد.. وأرى قسوة الحياة في كل محيط.. ابتداء من موجة بحر تغرق.. وانتهاء بنسمة ريح تخنق.. مروراً بأنياب تمزق.. ومخالب تجرح.. وكل أصناف العذاب.

 

(الصورة بعدسة: براك الخالدي)

إن الموت أمنية

أتــى دربــي وحـدثـنـي بــــأن عبيرهم عطرُ..

أتـى طـيـراً وأخـبـرنـي بـــــأن حديثهم سحرُ..

رأيـت الـلـيـل مـفـتـخـراً فـوجـه أحـبتي قمرُ..

يـحـدثـنـي صـفـاء الـعـيـن.. يـخـبر أنهم بصرُ..

أهـذا الحب يا ذاتي؟.. وهـذا الوجدُ والسهرُ؟..

أيأتي الليلُ والذكرى.. ويبقى القلبُ يحتضرُ؟..

فــلا حــي يـــــسـامـرني.. ولا نـايُ ولا وتـرُ..

سـوى هــمـي وأطـيـافُ تـذوب بحرّها الصورُ..

أيـا مـن يــحـمـل الأرواح.. ملّ الراكبَ السفرُ..

أحـن إلـى مــجـالـسـهـم.. فلا ألقى لهم أثرُ..

سوى الذكـرى.. كأشباح يهز وجودها الـبـشرُ..

وأرحـلُ.. إنـنـي حــرٌ أصـون الـعـهـد.. أفـتـخرُ..

فـأطـوي الأرض في أمـل.. لعل الروح تحتضرُ..

غـريـب الـدار مـنـقـطـع.. أنيني يرسم الفجرُ..

فـوقـتـي كـلـه لـيـل.. وكـــونـي كـلـه شـبـرُ..

وقـلـبـي نـابـضٌ بـاكٍ.. وهــمـي خـطـه القدرُ..

أيـا ذاتـي.. ويـؤلـمـنـي نــدائـي إنـنـي بـشرُ..

ألا وقـت يـجّـمـعـنـا.. ويـأتــي الـغيثُ والمطرُ؟..

ويشرقُ وجهُ من أهوى.. وأبـصرُ منهم الثغرُ؟..

تـمـزقـنـي صـبـابـاتـي.. وذنـبــي أنـنـي حـرُ..

وذنـبـي أنـنـي رجـل لأجـل الــديـن يـنـتـصرُ..

وذنـبـي أنـنـي قـلـب أبـيٌ شــامـخٌ خـطــرُ..

فـقـولـي ألـف قـافـية.. يصيح لـهولها الحجرُ..

بـأن الـمـوت أمـنـيـة.. إذا الأحــرارُ تـحـتـقرُ..

(الصورة بعدسة: شيماء-kw)