خواطر قبل البداية

الحمد لله

التجارب الجديدة فيها ملامح تجارب قديمة، هذا ماكتبته قبل عشرين عاماً تقريباً.. ثم بينت وقتها كيف أن التجارب الجديدة لاتخلو من ملامح تجربة قديمة، وبالرغم من ذلك فهي ممتعة بكل تفاصيلها.

التجارب الجديدة ممتعة، وهي وإن كانت ربما تشبه التجارب القديمة  في بعض نواحيها لكنها غالبا تحوي شيئا جديدا ممتعا ومثيرا.. هاأنا ذا أمر بتجربة جديدة نوعا ما.. هي ليست المرة الأولى التي أسافر فيها وحيداً لكنني زدت يقيناً بفائدة سفري وحيداً.. كثيرة هي الخطوات التي مرت بي في سفري هذا.. لكن كثيراً من هذه الخطوات يذكرني بالماضي والبعض فتح لي آفاقاً أخرى للتفكير وأبعاداً أخرى في التعامل..

بقي أخي أن نفتح من هذه اللحظة آذان بصائرنا حتى نتجنب الأخطاء القديمة.. ونستفيد من المواقف الجديدة.. وبمثل هذه المنهجية صدقني ستلاحظ نمو المستوى التربوي لشخصية الفرد..

بالمناسبة ربما أكرر بعض الدروس القديمة التي تعلمتها.. وذلك لأسباب منها :

–       تكرار بعض المواقف التي دفعتني لتسجيل الدروس في السابق.

–       لترسيخ الدرس في الذهن حتى لا ينسى.

–       جمع الدروس في دفتر واحد.. بحيث تتم الفائدة عند مطالعة هذه الأوراق.

وحتى هذا الحد أعتذر منك وأقول.. لنا لقاء.

(الصورة بعدسة: ريان المنصور)

تتيه القوافي ويبكي النغم

 

 

 

 وفي ظل أنشــــــودتي الباسمة *** تتيه القوافي ويبكي النغـــــــم

ويكبر حبك في عالــــــــــــــمـي *** ويـهدي الحـيارى بلـيـل الـظـلـم

وأرحـل عن عالـمـــي باســــــماً *** وقـد ودعتني سـنـيـن الألـــــــم

ترى يـحـتوينا فضـــــــــاء فسيح *** وقد ضاق كوني بقلبي الأشـــم

تـمر الليالي ويبكي الطـــــــريق *** ويشتاق دربي عـنـاق القـــــدم

أراك النجوم بقلب السمـــــــــاء *** وأنت الطيور بأرض الحــــــــــرم

وأنت النسيم يهب علينـــــــــــا *** فيحي قلوباً طواها العـــــــــدم

رأيتك زهـــراً بتلك القفـــــــــــار *** وبدراً أضاء سفوح العلـــــــــــم

وأنت عطور المنى زاكيـــــــــات *** وأنت الدواء تداوي السقــــــم

وأنت البصيــــــــــــرة للمؤمنين *** وأنت العفاف وللجيـــــــــل أم

وهبتك مني بقايا حيــــــــــاتي *** ولولاك ما قلت نثراً نُظـــــــــم

فمن ذا يلوم ضميراً شريفــــــاً *** نقي الفــــــــؤاد عفيف الكلم

ومن ذا يعاتب ليــلاً طويـــــــلاً *** سرى في سكون القلوب وعم

هنادي أناديك لا ترحــــــــــلي *** وأنت بقلبي خلايـــــــــــا ودم

وأنت لنفسي شموخ المبادئ *** إذا قلت أمراً أجيبـــــــــــك تم

فإن شئت أن تتركيني هنـــــا *** فكــــــل القبـــــور تناديني نـم

 

(الصورة بعدسة: عبدالله البلوي)

طائر المئذنة

 

 

 

تتعلق الأرواح بالطيور والأحجار..

ولكن متى؟؟

إذا ارتبطت بقلب ونبض..

في طيور السماء حب ووفاء..

وفي أحجار الأرض أنس وعطاء..

 

(1)

 

يوم الأحد.. الساعة الواحدة ليلاً.

أبي.. ترى هل ستصلك رسالتي هذه، وإذا وصلت فهل سترد.. أشتاق لك كثيراً في غربتي.. أنت معي في كل لحظة.. وكل شيء أراه يذكرني بك.

أقيم في الدور الرابع في شقة صغيرة.. اطمئن، لا تخف على دراستي فالأمور تسير بشكل جيد.. تطل غرفتي على نهر كبير.. وفي الضفة الأخرى من النهر مسجد المدينة بمئذنته السامقة.. تقابل المئذنة نافذة غرفتي.. وفي الليل أنسج مع المئذنة الخيالات وأضع الصور.

حارس المسجد العم ناصر رجل كبير، في الخمسينيات.. لازال متمتعاً بقوة ولكنك تشعر حين تراه بقسوة الحياة التي عاشها.. أشعر أنه لا يستطيع الالتفات إلى المئذنة، ربما تحوي ذاكرته قصصاً ومواقفَ.. لا عليك يا أبي لقد عزمت على الجلوس معه والتعرف إليه أكثر وسماع قصة المئذنة منه.. التاريخ يا أبي يقول إن الإسلام انتشر هنا، إن المساجد كانت تمتلئ بالمصلين.. ولكن لماذا تتغير الأرض بهذه الصورة.. أطلت عليك يا أبي سامحني.. أنتظر ردك.

 

*      *      *

 

يوم الاثنين: الساعة الثانية عشر ليلاً.

اليوم خرجت من غرفتي.. وقررت التوجه للمسجد.. لم أزره كثيراً، كان صمته مهيباً.. يحيط به سور حجري كبير قديم.. لم تؤثر الأيام على السور، ولكن لونه تحول إلى الأخضر المسود بسبب ما نبت عليه من طحالب.. السور قوي، كأنه مصمم لمواجهة الحرب.. وفي الداخل ساحة خضراء كبيرة.. لم يعترض طريقي أحد.. فواصلت مسيري متلفتا.. كان المكان مرتفعاً وبدت لي جبال في الأفق، تسلقت السور لأرى المدينة، فرأيت ذاك النهر،كان كل شيء هادئ.. ونسمات الهواء تداعب وجهي.. نظرت خلفي المسجد يبدو شامخاً.. والمئذنة تقف في صمود.. بدت لي آثار دمار لم أتبينها من قبل.. اقتربت من المسجد.. فرأيت حوض ماء وسط الساحة الخضراء.. وحول الحوض صمم بناء دائري يحيط بالماء.. ومن حوله صف دائري من الكراسي بدا أنه لم يستخدم منذ فترة طويلة.. حاولت تخيل الصورة قبل أن يهجره الناس.. ورأيت الرجال يجلسون على هذه الكراسي ويتوضئون هنا.. وأصوات الأطفال وهم في كتاب المسجد يتعلمون القرآن.. فتحت عيني على الفراغ ثانية وواصلت مسيري متأملا.. لم أتوجه إلى المسجد بل التففت عليه.. ووصلت لباب المئذنة.. كان باباً خشبياً قديماً، لكنه جميل.. تحسسته بيدي كان ضعيفاً.. يمكن أن أفتحه لو اتكأت عليه بقوة.. خطر على بالي أن أصعد المئذنة لأرى المدينة من فوق.. وفعلاً دفعت الباب فأحدث صريراً أزعج السكون.. ووجدت نفسي داخل مئذنة مهجورة.

 

(2)

 

كانت المئذنة من الداخل مظلمة.. باردة.. وبدا لي أنها لم تستخدم منذ فترة طويلة.. كان الغبار يملأ الأرض.. والسلم الحلزوني الملتف يعانق الفضاء المظلم.. شعرت بقشعريرة تملأ نفسي.. لا أدري يا أبي أكان خوفاً أم وحشة أم هيبة للمكان.. حاولت أن أبصر نهاية السلم فلم أستطع لكن استرعى انتباهي وجود فتحات تبعث بعض النور.

ابتسمت لنفسي.. إذاً هاهنا بعض الضوء.. يمكنني أن أتسلق لأرى ماذا في الأعلى.. بدأت الصعود.. كان الطريق متعباً وبدا لي أنني سأصل إلى السماء.. عليّ الحذر فالدرج يبدو مهترئاً في بعض الأماكن.. كما أنني أجهل طبيعة المكان.. كنت أفكر هل يمكن أن يوجد أحياء في هذه المئذنة.. فكرت في الثعابين ربما وجدت بعضها أن المكان مناسباً فقررت الاستقرار فيه.. لم أفكر بالنظر إلى الأسفل فقط كنت أتخيل الصورة.. فراغ أسود عميق ولذلك واصلت صعودي إلى الأعلى.. كلما مررت بنافذة نظرت من خلالها لأرى المدينة والقرى القريبة منها.. كان المنظر يختلف كلما صعدت أكثر. أحسست بالسعادة.. بدأ خوفي يتلاشى.. وصدى خطواتي يبعث في نفسي نوعاً من الأنس.

وأخيراً وصلت أعلاها.. كانت المدينة تبدو صغيرة والجبل في الخلف قد غطى جزءاً منها.. كما بدا لي النهر كبيراً وقوياً.. وهناك رأيت غرفتي.. ابتسمت وأخذت أستنشق الهواء.. كم تبدو دنيانا صغيرة يا أبي.. ولكنها قاسية مؤلمة على صغرها.. فكرت فيك وفي أمي.. فكرت في إخوتي.. فكرت في نفسي وفي غربتي.. ومع زحف الضباب على المدينة زحفت الذكريات كالسيل تهاجمني.

أخذني الوقت وأنا في موقفي فلم أنتبه لنفسي.. اقترب وقت صلاة المغرب وعلي النزول بسرعة قبل أن تظلم الدنيا.. لمحت العم ناصر يدخل إلى فناء المسجد ومعه رجل آخر.. استدرت بسرعة لأنزل قبل أن يراني.. وفي الطريق لمحت منظراً أذهلني.. عش طائر وبداخله فرخ صغير.. يبدو أن أبويه قد هجرا العش لسبب من الأسباب فلا شيء يفسِّر، تأخرهما عنه.. بدا الصغير جائعا.. التفت حولي فلم أجد ما أطعمه به، ثم خطر على بالي أمر لا أدري يا أبي أصائبا كان أم لا.. رفعت العش بهدوء،وأخذته معي.. وبدأت في النزول السريع.

كنت أفكر طوال الطريق، ما الذي أخر أبويه عنه.. وهل قسا قلباهما فتركاه في هذه المئذنة وحيداً.. قطعت الطريق بسرعة.. أصابني الإرهاق وأخيراً وصلت إلى الأرض.

كان العم ناصر جالساً مع بعض الرجال الكبار في ساحة المسجد.. خرجت من المئذنة دون أن يلمحني أحد منهم.. ولكن لا أستطيع عبور الساحة بمثل هذه البساطة.. فقررت العبور بهدوء.

لمحني العم ناصر..

–        هيه أنت يا فتى، تعال هنا؟

–        اقتربت منهم بهدوء.

–        أووه هذا أنت يا بني.. ما الذي كنت تفعله في الخلف؟

–        كنت أشاهد الساحات وأرقب المدينة.

–        حانت منه التفاته إلى الطائر.. وما هذا الشيء في يدك؟

–        طائر صغير وجدته وحيداً.

–        أرني إياه..

–        مددته إليه.

–        هذا طائر صغير.. لا يمكن  أن يخلو العش من أحد الوالدين.. إلا إذا ……

–        ماذا يا عم؟

–        إلا إذا ماتا.. الأطفال هنا يعبثون بالطيور.. أحسنت صنعاً بأخذه. ولكن هل تستطيع الاعتناء به؟

–        سأحاول.. وابتسمت.

–        حسنا.. قم بطحن الحب له فهو لا زال صغيراً.. وهيا بنا حان وقت المغرب.

صلينا المغرب.. وخرجت مسرعاً إلى غرفتي لأطعم صغيري.. مررت بمحل صغير في الحي أحب أن أشتري منه أغراضي.. طلبت منهم كيساً صغيراً من الحبوب وركضت باتجاه البيت.

 

(3)

 

يوم الجمعة: الساعة الواحدة ليلاً.

أتدري يا أبي.. أشتاق لك دائماً وأتذكرك كلما رأيت الرجال في المسجد مسجدنا قديم تشعر بالرهبة والسكينة يملآن نفسك بمجرد أن تفتح بابه.. لو رفعت رأسك إلى السقف سترى أنه يحتاج إلى ترميم. كما أن الإضاءة فيه ضعيفة.. تفوح منه رائحة طيبة ولو لم تضع فيه عطراً.. فرش بسجاد قديم، ولكنه فاخر.. وفيه عدة أدراج خصصت لوضع المصاحف.. وقد علا الغبار أركانه.. ترى في الصف الأول مجموعة سجاد صغير، هذا السجاد خاص بالعم ناصر وببعض الرجال الذين يحرصون على الجماعة.. وفي مؤخرته وضع إناء فخار فيه ماء تفوح منه رائحة البخور.

نسيت أن أقول لك أن صغيري بصحة جيدة.. وضعت عشه قريباً من سريري، في مكان أراه وأرى المئذنة من خلاله.. وقمت بطحن الحب له.. قررت أن أسميه وحيد.. لأنه من دون أصدقاء.. أتدري يا أبي أشعر أنني مثل طائري، وحيد في عالمي إلا من الذكريات.

أصحو كل يوم.. أرسل قبلة للمئذنة وأرتدي ملابسي.. وأتوجه إلى مدرستي.. أراك هنا في كل صفحة.. في كل سطر.. في قلبي اسمان.. الأسرة، والمبدأ.. وتحت كل منهما توقيعك.

 

يوم الثلاثاء: الساعة الحادية عشرة ليلاً.

تعود وحيد على يدي وبدأ تغريده يملأ البيت.. ضحكت اليوم عليه وهو يحاول أن يتعلم الطيران.. أجنحته لا زالت ضعيفة، ولكنه سيطير سريعاً.. أعجبني عزمه ومحاولاته المتكررة.. في كل مرة يقع كنت أرفعه ثانية.. فيعود للوقوع من جديد.. وفي المساء ينام بين ذراعي. أفكر فيه الآن، أشعر أنه يفهم كلامي .. ويأنس برؤيتي.. هو صغير في حجمه، ولكنه يملأ فراغاً كبيراً في قلبي.. أشتاق له وأسابق الوقت للعودة إلى غرفتي لأجلس معه.

أتدري يا أبي.. أشعر بالألم إذا فكرت فيك.. وما الفائدة أن أمضغ الذكريات دون أن أراك.. مرارة الأيام تؤلمني يا أبي.. لماذا يقسو الناس على بعضهم؟ لماذا تختفي كل حسنات الإنسان إذا أخطأ؟ ولماذا تختفي الكف الحنون التي تقبل العائد؟

آه يا أبي.. صور العشق التي ترتسم في نفوسنا تحيينا بالأمل.. وفي قصاصات الأوراق تتعانق الأرواح.. وفي عالمك أرحل.. وتحت ظلالك أستظل.. وفي تغريد وحيدي أرى طيفك يبسم لي.. يشجعني.. ويأخذ بيدي في عالم لم أعد أميز معالمه.

أتدري يا أبي.. أصبحت في كل يوم أقص ورقة من التقويم فرحا وأشعر أنني قصصت ورقة من غربتي،معها.. وأنتظر موعد الرحيل.

 

(4)

 

يوم الأحد: الساعة الثانية ليلاً.

كبر وحيد يا أبي.. وأصبح يطير بمهارة.. كما أضحى، يخرج من الغرفة ويعود إليها.. أتدري يا أبي.. أفقده كثيراً إذا عدت إلى الغرفة ولم يكن موجوداً فيها.. أتصدق رأيته يطير كثيراً باتجاه المئذنة، شعرت أن شيئاً ما يربطه بها.

ترى هل يشعر صغيري أنه فقد أبويه هناك؟

وهل يشعر أنها منزله الأول؟

أرقبه الآن بجوار المدفأة.. أغمض عينيه وغفا.. وتركني مع أوراقي … ومعك.

آه يا أبي.. أشتاق إليك.. ليتني كنت أستطيع التحليق لأزورك.. أبتسم لهذه الخواطر، وأعود من جديد إلى أوراقي وقلمي.

 

*      *      *

 

يوم السبت: الساعة الواحدة ليلاً.

أبي.. هل هي النهاية؟ لم يعد وحيد من عدة أيام.. ترى أين هو الآن؟

فتحت له النافذة كالعادة في كل صباح، ولما عدت لم يكن موجوداً.. ترى هل رحل؟

انتظرته طوال اليوم.. وحقيقة يا أبي … بكيت من أجله.. لا أدري لماذا رحل..

بل أظن أنني أعلم.. لقد رجع إلى عالمه.. كنت شيئاً عابراً في حياته يا أبي وها قد عاد إلى دنياه.. كل شيء عابر في هذه الحياة.. حتى من نحبهم يرحلون.. تمزق الأيام الشمل فنعود في ليالي العمر الباردة نحضن الذكريات.. في هذه الغرفة يا أبي موقد.. حتى أخشابه تحترق.. كل شيء ليس سوى محطة سرعان ما تنتهي.. ومع آخر محطة تنتهي حياتنا.

 

*      *      *

 

يوم الأحد: الساعة الواحدة ليلاً.

أنا سعيد نوعاً ما يا أبي.. أتدري لماذا؟

قررت هذا الصباح البحث عن وحيدي.. لم أكن أعرف مكاناً يمكن أن أجده فيه غير المئذنة.. ومع إشراقة الشمس توجهت إليها.. لم أبالِ ببرودة الجو  في هذه الساعة ارتديت معطفي وانطلقت.. لم يكن هناك أي إنسان في الطريق.. تخيلت أن كل شيء قد تجمد.. صوت الأشجار كان هو الشيء الوحيد الذي لم يصبه الخرس.

وصلت إلى ساحة المسجد.. توجهت في ثبات نحو المئذنة.. كنت قد عرفت الطريق جيداً هذه المرة.. لم يتغير شيء منذ زيارتي لها.. كان قد مضى على الزيارة الأخيرة قرابة الثلاثة أشهر.. صعدت السلم الحلزوني مسرعاً.. وهناك في الأعلى … وجدته يا أبي.

كان وحيد قد بنى عشاً جميلاً في الأعلى، وكانت معه أنثاه.. وقد حضنا بيضتين صغيرتين.. عرفني فلم يشعر بالانزعاج مني.. مسحت عليه برفق.. ونزلت مسرعاً.. توجهت لغرفتي أخذت كيس الحبوب ورجعت ثانية.. تركته لهم واستدرت ثانية.. إلى غرفتي.

هذه المرة كانت الحياة قد دبت في كل شيء.. وابتسم الكون كله.. إلا شخص واحد كان يسير مطأطئ الرأس، يخفي دمعة.. كان ذلك الشخص أنا يا أبي.

في فراشي الآن أسطر لك هذه الرسائل.. وسأحرقها حين أنتهي من كتابتها.. لكنني واثق أنها ستصلك، وأشعر أنك معي.. للأحياء أرواح تسري عنهم وتؤنسهم.. وفي أرواح الأموات وجدت الحياة.

في كل صباح سأعانق المئذنة.. وأستمع إلى تغريد وحيدي.. وحين يأتي المساء سأجتمع بك تماماً كما كنت أفعل قبل أن تموت.

(الصورة من تصميم: هنادي الصفيان)

أبواب

نحن مثل باب يتعرض لطرقات قوية.. توشك أن تقتلع مفاصلنا.. فإما أن تكل اليد التي تضربنا فتتركنا.. أو يذود إنسان عن بابه.. أو نقتلع من جذورنا.. وفي كل الأحوال فالضرر سيصيبنا لا محالة.

والنتيجة متنوعة فأبواب محكمة سلمت من الطرق أو كانت أقوى منه، وبقي عليها أثاره..

أو أبواب محطمة لا تحجب الشمس ولا الريح ولا الدخيل.. ولكنها تمنع الآفات الكبيرة..

أو أبواب لم يبق لها من دور تقوم به، إلا منظر جمالي يسقط عند أدنى هبة ريح أو حركة..

كل الأبواب تتعرض للطرق.. ويمكن ترميمها.. لذلك تحتاج إلى الرقابة والصيانة.. حتى تعود من جديد..

(الصورة بعدسة: فيصل الزير)

رسالة إلى الطريق

 

مهـلاً أيا درباً تـوعـد بالـنـوى *** وطـوى الأحبة زاعـمـاً إبـعـادي

ما ضـرنا هذا الـرحـيـل ولم تزل *** أرواحـنا في واحـة الميـعـاد

إن كنت ترجو أن تكون أخذته *** مني لتترك دمعتي وسهادي

فأخسأ فعـالمه يضم جـوانحي *** وبعـالـمي هو سيـد الآساد

 

 (الصورة بعدسة: عبدالله البلوي)

مكالمة

(مؤمن أن هذه مشاعر إنسان ما.. في مكان ما.. في زمن ما)

 

لو أردت فإنه بإمكانك أن تسمي هذه الرسالة نزف القلم، أو قل غياب الروح، فحين قررت الكتابة لم أكن أفكر فيها، بل لم أكن أفكر في شي سوى في شعور غريبة يجتاح نفسي ويملئني برودة حارقة كالجليد.

 

الأيام تمر، وأنا الآن في سنتي الأخيرة وأخيراً سأدخل الأربعين، أتخيل سيرتي الذاتية المليئة، والتي ليست سوى سيرة مهنية أمتلك مثلها سيرة أدبية، وسيرة .. .. حركية إن صح التعبير.

 

أتذكر حديثي معك اليوم، وهو حديث أأنس به كثيراً فقد تعودت منك أن تصارحني بما تراه، لا أن تقول لي ماأحب سماعه، وتعلمت منك بلا شك، فهناك أبواب من الأفكار فتحت، وأخرى أغلقت، وإن كنت لازلت أشعر بالفراغ والصقيع.

 

أفكر أحياناً في بعض الرموز المعروفة في بيئتها، ليست بالشهيرة جداً، ولكنها شهيرة في مجتمعها، يسعد الناس بالتعرف إليهم، وحقيقة هي ذات العبارة التي أرددها حين أقابلهم في مشروع أو مهمة، ولكن حين أعود لحياتي فلاشي أضرّ بي مهنياً كما فعلوا هم.

 

يمكنك أن تتخيل أنواع الضرر التي لحقت بي بسببهم، الفراغ الروحي، قسوة القلب، الغضب، وحتى التعب والجهد، والضرر المادي، ثم أخرج بحصيلة لاتغني ولاتسمن من جوع.

 

التفكير في العزلة راودني مراراً، ولم استطع تحقيقه، بل حتى العزلة المقننة أو الجزئية لم أتمكن من الوصول إليها، فقد كان هناك سبب في كل مرة يمنعني من تحقيقها، مرة الحياة ومطالبها، ومرة الأسرة ورغباتها، ومرة التفكير في المسقبل وتبعاته. لا أطلب التميز الإيماني ممن حولي، ولست كذلك في الحقيقة، ولكنني أثق في إيماني، تماماً كما أثق لحظة كتابتي هذه بإيجابية القدر ومدى ملائمة مايختاره الله لنا، غير أن الحزن قدر أيضاً لابد وأن أنال نصيبي منه.

 

ذات مرة قلت لصديقي في العمل شيئاً عن المنافسة، فأنا خصم متعب لأنني طويل نفس وقنوع، أساعد من حولي، ولكن لايعني هذا إنشغالي عن الطريق.

 

أين هو مكاني الملائم؟ ماهو عملي الأنسب؟ أصمت غالباً حين يسألني الناس هذا السؤال، هل لأنني متعدد المواهب؟ أو لأنني لاأعرف الإجابة؟ أم لأنني أخاف من ذكر الإجابة؟ لاتعليق، فلكل إجابة بلا شك وجهة تحتمل الصحة وترتبط بالمؤثرات، وهكذا سأكون كل الناس في وقت من الأوقات.

 

يلومني البعض في تنقلي المهني، وأقف أمام لومهم وتقييمهم السلبي لي منزعجاً صامتاً في غالب الأوقات ومبتسماً في أوقات أخرى ومتفجراً في وجوههم في بعض الأوقات. من هو المسئول؟ وهل أخطات في تنقلي؟

 

بين وظيفة لاتوفر لي إيجار المنزل الشهري ناهيك عن تكاليف الحياة، ووظيفة وفرت لي الأمان المادي والمكانة الأفضل؟ في ظرف سبع سنين تغير كثير من المعطيات في حياتي، من التعليم الثانوي إلى الدراسات العليا.

 

وبين فرح البعض بنجاحي، وضيق البعض بمنافستي، وحسد البعض عشت حياةً يملئوها الخير بحمد الله، ولا تخلوا من فجوات تبطئني لأقف بعد كل حفرة لبرهة ألملم ماتناثر من أوراقي.

 

في حياتي البسيطة مساحات واسعة من التجارب، يميزها المعرفة بالتجربة، أي أنني حين أخوض تجربة فإنني استحضر كافة حواسي لتسجيلها والتعامل معها والاستفادة منها الاستفادة الكاملة، وبالتالي فلكل شي معنى خاص به، الشمس الحارقة في مدينتي لاتشبه الشمس الحارقة على الشاطئ، فهنا جافة أشعر أنني ألمسها وهي تطبعها جلدي بسمرة الجبال، بينما أشعر بها مبتلة في الشواطئ وكأنني سأكشط الجلد مع قطرات الرطوبة الملتصقة بيدي.

 

هذه التجارب تثريني، وفي الوقت نفسه تؤذيني، فحين أكون من القلائل اللذين يتعاملون مع الحياة بهذه المنهجية سأجد التعب، فهروبي من التعثر سيجعل من خلفي يغضب من بطئي أحياناً دون أن يدرك أنني قد سرت في هذا الطريق مرات سابقة.

 

ذات يوم قال لي رجل وهو يبتسم ابتسامة المربي العارف للحياة وأسرارها “لابد أن تتغير، دع الأمور تمشي كما يريدون”، وحاولت وقتها مجارتهم ولكن لم أتحمل الحياة. البعض يمشي عارياً على الشاطئ، ولكن الكثير منا لايستطيع أن يلبس شورتاً قصيراً في السوق، لماذا؟ لأنه لم يألف العري، ويعرف الفرق بين الستر والكشف.

 

المكاتب الحية النابضة، ورائحة القهوة تزكم الأنوف، وصوت الضحكات لم تكن تشغلني عن القلوب ومايدور فيها من مأتم والأرواح وهي تتعثر في مستقنعات قذرة موحلة. حتى المرأة التي ابتسمت لي وأبدت إعجابها بعطري وطلبت مواعدتي والخروج معي وانهت لقائنا بابتسامة ووردة وضعتها على مكتبي، وقبلة طائرة، كأنت أهون بكثير مما يدور من مواقف في هذه الوحدات.

 

ربما لم يكن حباً بقدر ماكانت شهوة وانبهار، ولكنها كانت مباشرة واضحة يمكن تلافي سهامها بقليل من الجهد وبالاستعانة بآخرين في بعض الأوقات، ولكن مايدور هنا هو شي آخر. بالأمس كنت في مزرعة مع رجل ظل فيها ستة عشر عاماً، تعلمت من جلوسي معه أن القلوب المريضة ترفض البيئة الصحيحة في البداية لأنها لم تألفها، فتظل فترة تصارع رغباتها وتطلب العودة للمستقنعات، لحين يزال بعض التركمات السوداء عنها وحينها يبدأ القلب في النبض طلباً للهواء النقي.

 

قلت لرجل قبل أيام، هل ستمتلئ الآبار لو نزل المطر؟ قال المشكلة في قلة البركة، صدمني دون أن يشعر، فهناك نقص في القطر ونقص في البركة. وهناك قلوب متعطشة لقطرات الإيمان.

 

تختفي سيرتي الذاتية المهنية، وتعود سير أخرى تبرز نفسها أمامي لأختار، أغلق باب الذكريات فلاحاجة لأي منها الآن، فمن لم يقتله السيف يلحقه الأذى، وأفكر في صوتك وأنت تكلمني، ولاأجد مبرراً لطعنات الناجحين، وأصر على أنها فشل مغطىً لم يبصره الآخرون لغياب المعايير وقلت المربين. أضع أقلامي على الطاولة، وأشبك بين يدي، وأتامل في صمت وشرود، لاعزلتي وصلت ولا حضارتهم قبلت، لاقلب ولا عقل، و.. .. .. أقفل الصفحة.

 

 

 

(الصورة بعدسة: عبدالله السعد)

المهرجة

  

 

 

 

–        نعم أستطيع ذلك..

وأشارت برأسها لتأكيد كلامها.. كان كل شيء يتفاعل ليؤكد قدرتها على تنفيذ المهمة.. عيناها الذابلتان.. شفتاها المرتعشتان، يداها تشيران في عصبية وتوتر، وابتسامة منكسرة توحي بقرب الدموع… بهدوء نظرت إليها المديرة.. ثم نفثت في وجهها دخان سيجارتها وأجابت بابتسامة خليعة:

–        حسناً.. الوظيفة لك.. لنرى مايمكنك عمله.

خرجت سميرة وهي سعيدة ودموعها تجري.. كان الشتاء قارساً ومع ذلك لم تشعر بالخوف من زمهريره، فعلى الأقل لديها وظيفة تؤمن بها كسوة الشتاء لصغيريها.. بدأت حبات المطر تضرب وجهها النحيل في قسوة.. ومع ذلك كانت تمشي بسرعة دون أن تفكر في الاحتماء من هطوله.. أرادت أن تصل إلى بيتها في أسرع وقت لتقابل صغيريها وتقبلهما.. المسافة بينها وبين بيتها بعيدة، لكنها لاتملك أجرة المواصلات.. كانت سميرة فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، تزوجت منذ خمس سنوات، وأنجبت ولدا وبنتا، ولكن سامر لم يعش طويلاً ليرى نمو صغاره، فقد غادر الدنيا إثر حادث قتل قيد ضد مجهول. وهكذا وجدت سميرة نفسها وحيدة تصارع الحياة من أجل ولديها.

في بداية حياتها قررت البقاء قريباً من والديها، ولكن كثرة الأفواه وقلة الدخل جعلاها تشعر بالثقل والعبء.. ومع أن أسرة زوجها كانت ميسورة الحال إلا أنها لم تستطع البقاء معهم بسبب نظرات الأب القاسية، وكلمات الأم الجارحة.

شعرت بالبرد فأحكمت شد معطفها على صدرها.. وبدأت تسعل، هذه الآلام تعاودها منذ سنتين.. انتابتها بعد عملها في مصنع المطاط.. كانت أجواء العمل متعبة، فساعات الدوام طويلة وعوامل السلامة رديئة.. شعرت بمرارة وابتسمت.. ففي النهاية كان لابد من التخلي عنها والاستغناء عن خدماتها بسبب حالتها الصحية.

وصلت إلى بيتها وتوجهت مباشرة لغرفة جارتها لتأخذ الأطفال منها. تقيم في هذا المنزل منذ سنة ونصف.. هنا في الأحياء الخلفية من المدينة عالم آخر، عالم مليء بالمتناقضات، ففي الحي الواحد يقيم طيبو القلوب ويجاورهم المجرمون، وثمة ثمن لهذه المجاورة، يدفعه الضعفاء من دموعهم وجيوبهم، وأحياناً من أعمارهم.

–    قرعت الباب وانتظرت للحظات قبل أن تسمع وقع الأقدام الثقيلة وهي تقترب من الباب.. ثم فتح وظهرت امرأة بدينة قد عقصت شعرها إلى الخلف وارتدت قميصاً قذراً، تبتسم ابتسامة احتقار وهي تلوك قطعة “علك” ضخمة.

–        بادرتها بالسؤال.. هل وجدت وظيفة هذه المرة؟

–        نعم الحمد لله وسأباشر في الغد.. قالت سميرة بفرح.

–        حسناً.. لقد زادت الفواتير عليك، ولابد أ ن تدفعي المتأخرات.

–        سأدفع لك كل شيء.. أشكرك على اهتمامك.. هل تعشت وفاء؟

–        نعم.. لقد أطعمتها.

–        وماذا عن أمين؟

–        هو بخير.. لن أكون موجودة في الغد.. لابد أن تتدبري أمرك.

شعرت بالارتباك.. وأجابت بتلعثم:

–        ولكن غداً هو أول أيامي في العمل، ماذا سأفعل؟

نظرت إلى السقف بلا مبالاة ثم قالت:

–        إذا كان الأمر مهماً فسأجلس ولكن يجب أن تضاعفي الثمن.

ارتبكت سميرة، ثم أجابت في استسلام:

–         حسناً، سأفعل.

عادت إلى شقتها تحمل طفليها.. كانت مظلمة ورائحة الرطوبة تملأ المكان.. أضاءت النور في حين بدأ الطفل في التململ.. حتماً سيبكي الآن.. إذاً هو جائع. شعرت بمرارة، كانت تعلم أن جارتها تستغلها، ولكن لاحيلة لديها.. هي مضطرة لتحمل الوضع هكذا.

في الصباح انطلقت مسرعة من منزلها.. أطعمت صغيريها.. ابنتها وفاء متعجبة وهي ترى أمها ترتدي ملابسها للخروج في ذلك الوقت. سلمت صغارها لجارتها وانطلقت إلى المدرسة.. كان عليها ارتداء ثياب العمل للبدء في أولى مهامها.. وجدت المراقبة قد وصلت إلى الموقع قبلها.. نظرت إلى ساعتها  وسجلت شيئاً في أوراق كانت تحملها، ثم طلبت منها التوجه إلى سيارة الشركة لأخذ الملابس الخاصة.

كان عليها أن تقوم بدور أرنب يلاعب الصغار.. وجدت في حقيبة السيارة حقيبة كبيرة رسم عليها أرنب وردي.. أخذتها، وسارعت بارتدائها، واقتربت من فناء المدرسة.. وبمجرد أن رآها الأطفال أخذوا يتدافعون واصدموا بها حتى كادت أن تقع.. شعرت بالسعادة لهذا الجو، تذكرت صغيريها تمنت أن يكونا هنا مع الأطفال.. ربما تعجز عن اصطحابهم معها.. أخفى القناع الباسم الذي ترتديه دموعها.. لاتدري لماذا بكت.. من أجل أطفالها، أم حزناً على نفسها.

ارتفع صراخ طفل بسبب التدافع.. اقتربت منها معلمة مراقبة، نهرتها، طلبت منها الوقوف بعيداً عن الأطفال.. تنحت جانباً، اقتربت منها المراقبة وعادت لتسجيل شيء في أوراقها، ثم طلبت منها أن تخلع الرداء وتتوجه إلى مكتب مديرة المدرسة.. لم تفكر كثيراً في السبب. توجهت مسرعة إلى هناك..

–        أوه يا عزيزتي.. يؤسفني أن أبلغك هذا الخبر.. لقد اعتذرت المدرسة عن مواصلة البرنامج.

–        شعرت بالصدمة ولم تدر ماتقول.

تابعت المديرة..

–        ولذلك يمكنك أن تراجعي المراقبة لتصفي معها حقوقك.

–    أرادت أن تجيب.. ولكنها لم تجد شيئاً يمكن أن تقوله.. استدارت في صمت وتوجهت إلى الخارج.. كادت أن تسقط على الأرض.. لم تتوجه إلى المراقبة، غادرت المدرسة وأخذت تسير في طرقات المدينة على غير هدى.. الجو مكفهر ينذر بالمطر.. بدأت حبات المطر تتساقط.. الهواء البارد القادم من البحر جعلها ترتجف.. نظرت إلى حذائها، أصبح ممزقا ولكنها لم تفكر في تغييره..

وصلت إلى بيتها.. وفي صمت أخذت طفليها ولم تجب سؤال جارتها عن موعد السداد.. ذلك المساء شاهد القمر ثلاثة أشباح يلتحفون الظلام.. من هم؟ أين ذهبوا؟ ماذا حصل لهم؟ لم يجد القمر إجابة.. وطوى البحر الأسئلة.

 

(الصورة من تصميم: هنادي الصفيان)

لمن تكتب الأحزان؟؟

 

 

الحمد لله 

الأخوة الصادقة الخالصة لله لم تنته من هذه الحياة.. ولكن كم قدر لنا أن نجدها في حياتنا؟ والذين ظاهرهم غربة كثير لكن.. كم منهم يعيش بنفسية غريب وفكر غريب؟ 

  

وهذه كلمات تعلمتها في مدرسة الحياة.. سجلتها لأخ لي أحببته وأحبني وترافقنا بأفكارنا وإن تباعدت أجسادنا والتقت أرواحنا متخطية الجبال والوديان والقفار معلنة أن قافلة الغرباء ستلتقي يوما ما بأجسادها وتحط رحالها فيكون وعد الله. 

  

أخي الحبيب.. ربما كنت شخصية خيالية أبدع خيالي في صنعك.. لكنني سعيد بك ولو لم تكن حقيقة.. وربما كنت وحيدا.. لكنني بكلماتي شعرت بوجود أحبتي من حولي.. فلست آسف على ماكتبت.. وإن كان الله قد قدر لنا الغربة فقد رضيت بقدره وسعدت باصطفائه. 

  

نعم أخي هذا عهد.. فالطريق طويلة شاقة.. تحتاج إلى أنس بالله، أكثر من أنسها بأفراد.. وهذه الكلمات مبادئ.. سطرتها بدمعي ودمي.. أذكر بها نفسي ثم أذكر من يستفيد منها.. 

 

::فقد تعلمت في مدرسة الحياة.. أن الإنسان مبادئ.. كلما صح مبدئه صح جسمه وقويت بنيته::

 

أخي الحبيب.. سيظل خيالي يرسمك.. لأنني أحببتك.. أحببتك لغربتك.. وأحببتك لمنهجك.. وسأظل أحبك مادمنا معا في طريق الغرباء.. فإن الذي يضع رحاله في غير المكان ينقطع عن القافلة.. والذي تقصر به همته تسقط به دابته.. وكم من دعي نادى بالمبادئ فخالف عند الشدائد.. وظن التمكين في التنظير.. وما درى أن دون النصر قهر النفس.. والسلعة غالية. 

 

أخي.. هذا هو ما بيننا من عهد فلا تعجب إن ذرفت الدمع فالخوف من التراجع والسقوط يحرق القلب.. ونحن ضعاف لا زلنا في مجاهدة مع قوى الأرض من شهوات تلهب أضلاعنا بسياطها.. ويحاول البعض إلقاء شبهات ليحرفنا عن منهجنا الذي ارتضيناه. 

 

أخي الحبيب.. سامحني فقد كنت أتمنى أن أكتب بالإبر على عيني كي تكون أثبت لهذه المعاني.. وكنت أتمنى لو قطعت قلبي ألواحا بدلا من أوراقي.. وكنت أتمنى لو سكبت دمي بدلا من مدادي.. ولكن نحن غرباء وليس كل ما نتمناه نجده.. يكفينا أننا غرباء.. غرباء بين من رضي بالقعود عن ميادين الجهاد.. وغرباء بين من رضي بالتنظير وترك ساحات العمل.. وغرباء بين من قطع حبل المودة بينه وبين إخوانه. 

 

أخي.. هذه النفس ليست ملكك.. بل ملك لله يضعك حيث شاء.. ونحن لا نتفضل على الله بشيء.. بل هو المتفضل باختيارنا واصطفائنا.. ونسأل الله أن يثبت أقدامنا ويربط على قلوبنا.. ويقر أعيننا. 

 

سامحني أخي.. فكم قصرت معك.. ولكن صدقني أحبك.. حبا كان عونا لي على الطاعة.. وعصمة لي من المعصية.. بعد فضل الله. فهل ستسامحني على تقصيري؟. وهل ستغفر لي زلتي؟. لا تضف هما إلى همي وادع لي.

 

(الصورة بعدسة: فهد الزهراني)

الأدوات

(قبل أن أبدأ أي مشروع أجهز أدواتي، وفي هذه الرواية أضع أدواتي بين أيديكم)

حين قررت العودة إلى مسودات أوراقي لم يكن لدي فكرة واضحة عن هدفي، فقط شعرت بالرغبة في الكتابة، ولأنني أعتقد أنني تغيرت كثيراً بسبب الأحداث التي جرت في السنوات الثلاث الأخيرة، فقد كنت أتخيل أن الشيء الذي سأكتبه سيكون مميزاً.

ترى ما الذي يحدث التأثير في الكلمات؟ لماذا تتميز بعض الأفكار بتميز كلماتها؟ في بعض الأوراق التي تمتلئ بها مكتبتي وجدت قصاصة تحدثت عن هذا التأثير للكلمات، لا أذكر بالضبط متى كتبتها، ولكن بعض عباراتها كانت تشير إلى فصل الشتاء القارص، وبالتالي فلابد وأن تكون قد كتبت في الفترة التي كنت فيها طالباً في روسيا. والورقة باختصار تعزو الفضل في التأثير إلى ثلاثة عوامل، يرتبط أحدها بالمتحدث نفسه، والعامل الثاني متصل بالمستمع، والأخير يؤيد مبدأ ذات الفكرة وتأثيرها على الطرفين الآخرين، أي أن الفكرة ذاتها بغض النظر عن أي من العوامل هي التي تحدث التأثير.

وبغض النظر عن وقت كتابتي لهذه الكلمات، أو عن المكان، بغض النظر عن هذا كله، فأنا أعتقد أن الكلام الذي كتب في القصاصة صحيح، ولذلك فما سأكتبه لن أتكلف فيه الأسلوب، وسأعرض فكرتي بأبسط صورها، وسأكون صادقاً فيها، ويبقى العامل الثالث المتصل بالقارئ أو المستمع وهذا مالا شأن لي فيه. يكفي أنني قلت ماأريد واجتهدت في استيفائه لكل أطرافه التي توضحه، ويبقى دورها هي إن كانت ستقرأ هذا الكلام وفي نفسها القبول له، أو أنها ستغض الطرف عما يمكن أن أقوله وتراه إغراق في العاطفة كما كانت تسميه، وبالتالي ستجد سبباً لرده.

حين كتبت المسودات كنت في السابعة والعشرين من عمري، وحين راجعتها كنت في السادسة والثلاثين، تسع سنوات مرت، لو عدت إلى هذه السنوات فسأقسمها إلى مرحلتين، الأولى ومدتها ست سنوات كانت تشبه الضياع، أسير فيها بلا هدف فعلي، صحيح أن هناك أهدافاً مرحلية كثيرة أنجزت، ولكنها لم تكن أهدافاً حقيقة، بمعنى أنني حين أسأل نفسي ماذا جنيت منها فسوف أتردد في الإجابة أو بالأصح أعجز عن الإجابة، مرحلة ضبابية كان السم فيها يسري تحت الجلد دون أن أشعر بألم، وفجأة كانت كل مشاعري وحياتي تلتهب نتيجة السم الذي انتشر في كل ذرة من فكري ومن بدني. كان فيها صورة استقرار ولكنني لم أكن مستقراً. ربما أكون أوهمت نفسي أنني حصلت على الاستقرار مع أنه كان أشبه بالسراب، تماماً كمن يبني له بيتاً من القش، أو يضع خيمة في الصحراء، فإذا هبت الريح اقتلعت بيته ووجد نفسه في العراء، وهكذا مرت السنوات الست بريحها وترحالها وغربتها وألمها، وفي نهايتها استيقظت لأبحث عن نفسي. نعم تماماً هذا هو المصطلح المناسب، أبحث عن نفسي، حتى تعرفي على أسرتي كان جديداً علي، كأنني أراهم لأول مرة، من هم؟ ماذا يفعلون معي؟ كانت الصدمات تتوالى وتنسيني كل شي، ذكرياتي التي كنت أتغنى بها لم تظهر في خيالي ولا مرة واحدة، فالواقع كان قاسياً يشغلني عن الذكريات، حتى أحلامي في تلك الفترة كانت تعالج الواقع بصورة من الصور، المهم أنها انقضت، وبدأت السنوات الثلاث وهي المرحلة الثانية، رتبت فيها مابيدي من أوراق، تغير بعض ماكنت أراه من الثوابت، حين أمسكت بها وجدتها هشة فكان لابد من تغييرها، الصداقة، التضحية، العلاقات الاجتماعية، الأسرة، كل هذه الكلمات بدأت تأخذ أبعاداً أعمق من قبل، لقد شعرت بأنني لم أعرف معاني هذه الكلمات إلا في هذه المرحلة.

الصح والخطأ في حياتنا أمر نسبي، يحكمها عدة مؤثرات، الأوضاع الاجتماعية والمادية تغير نظرتنا لكل ماحولنا، وهروبنا من أمراض الحضارة إلى ترياق الماضي لم يكن علاجاً بقدر ماكان مسكناً، وبمجرد أن ينتهي مفعوله سيطفو الواقع ثانية حاملاً آلامه معه.

لازلت أحكم بروح الماضي، وهي روح مشبعة بالعاطفة، على الرغم من التغيرات التي طرأت خلال هذه السنوات إلا أنني لن أغير النصوص التي كتبت، نعم قد أشرح فكرة كانت مبهمة، ولكنني سأبقي على روحها، سأترك كل شيء كما كان تقريباً، فمالم يكن ضرورياً فلن أغيره.

وسأبقى أمام عقبة واحدة لم أتخذ بعد القرار في كيفية تخطيها، وهي بأي روح سأكتب؟ الروائي يضع شخصيات أبطاله من خلال واقع يعيشه، قد يرمز لهم لكي يبعد شبهة السيرة الذاتية، وقد لايهتم في أن يأخذ القارئ انطباعاً أن الرواية عبارة عن سيرة ذاتية، أما أنا فلا زلت أشعر بالتردد، فبلا شك لحياتي وجود ملموس في شخصيات الرواية، ولكن لايمكنني أن أقول أنها سيرة ذاتية، وهي لاتخجلني لو أُخذ هذا الانطباع عنها، أو لو قال البعض أنني ألبستها الثوب الذي أريد. هناك بعض المواقف العجيبة في حياتي، ولأنها عجيبة فأنا أعتقد أنه لن يصدقها أحد، هذه المواقف إذا ظهرت في الرواية فسيكون القارئ متردداً في قبولها.

ذات مرة استدعيت للتحقيق بسبب قضية ما، (لاأحبذ الإشارة إلى مسألة التحقيق هذه)، قال لي المحقق: لاتنتظر منا أن نصدق ماتقوله، الأمر شبه مستحيل، وبالرغم من هذه الاستحالة التي عجز عن تصديقها إلا أنها حقائق سرعان ماظهرت فصدقوها. وأنا لاألومهم لو أنهم رفضوا تصديقي، فما كان يحدث شيء لايمكن نسبته إلى الصدفة أو التوافق. الأمر أشبه مايكون برجل يتحرك من أفريقيا قاصداً روسيا ليتزوج هناك من فتاة رأها في المنام، وفي الوقت نفسه تتحرك فتاة روسية قاصدة إفريقيا لأن قلبها يحدثها أن زوجها يقيم في أفريقيا.

ليس في الأمر نبوءة، ولكنه الإحساس بالحدث الذي يفرض بعض الخيارات التي تبدو شاذة في وقتها، وأحياناً لايكون الإحساس هو الذي يملي علينا الاختيار ولكن الأمور تجري بهذا الشكل، هكذا ببساطة، تريد أن تسافر فلا تجد مقعداً شاغراً وبعد ساعة تسمع عن حادثة في القطار الذي كنت ستسافر فيه وقلبت الدنيا لأجل السفر وقد تحطم ومات بعض ركابه، لماذا لم تكن معهم؟ لقد قمت بكل مايمكن أن تقوم به لكي تكون معهم، ولكنك لم تجد مقعداً.

ولكنني لا اكتب لكي أزين صورتي في نظرها، أنا مقتنع أنني بذلت جهدي، لقد عدت لأوراقي فدرستها بعناية، حددت أخطائي، أعدت صياغة كل حياتي، غيرت مايمكن تغيره، مدينتي، مسكني، وحتى طريقتي في الضحك والكلام، أهذا اعتراف أنها سيرة ذاتية؟ لا أدري ربما تكون كذلك ولكنها ممتعة، في أوراقي القديمة أيضاً وجدت عبارة تتحدث عن التجارب، تشير إلى الإنسان عبارة عن مزيج من التجارب، كاللوحة التي يرسمها فنان متمكن، تأخذ شكلاً أوضح كلما وضع عليها لمسة بفرشاته، وهكذا التجارب تعيد بناء الشخصية وتصقلها.

الآن لا فرشاة ولا رسام، فمرارة التجربة أكثر حرقة من ضربة فرشاة على قماش، ليس هذا انتقاصاً من الفن، فأنا فنان بصورة من الصور، ولكن ألم التغيير، والمجاهدة والمراغمة، لاتشبه أبداً الجلوس أمام منظر طبيعي لرسمه. عناء رفع الرأس للنظر من زاوية اللوحة، أو الحديث مع إنسان أرسم خطوط وجهه لايتساوى مع عناء الانتقال في الشمس الحارة في الصيف من أجل الالتحاق بحافلة ستغادر إلى منطقة نائية من أجل تنفيذ مشروع صغير. لايشبه الظمأ الذي تشعر به وأنت تحفر في الأرض وتضرب صخرة تسد الطريق عليك حتى يتمزق كفك، هذه هي التجارب التي تشكل الحياة. ومع كل تجربة يضاف خطاً آخر في لوحة العمر، خشونة في كف، أو تجعيدة في وجه، أو ظلال سوداء تحت العين، أو دخولك في نوم عميق بمجرد أن تضع رأسك على الوسادة.

الصورة:
(بعدسة: أسيل الغنام).. .. (من اختيار: هنادي الصفيان)

إني إنسان

أزرع في صمت كلماتي.. تــــــــــــــرويها روح الأحزان..

وأطير أحلق في حزن.. وأجوب ســـــــــــــماء البلدان..

وبنفسي همّ يا نفسي.. يحرقني، يكـــــوي الوجدان..

تسرق من شفتي البسمة.. إن همست كلمة تبيان..

وتصادر حتى أحلامي.. وتبـــــــــــــــاد بحكم العصيان..

وتساق دموعي وشجوني.. وأبيت أسيــــــر النسيان..

ويظل الليل يعاتبني.. يرمقني كـــــــــــــــــون غضبان..

ما ذنبي؟ ما سر بلائي.. ما قـــــصـــة هاذي النيران؟..

فتجيب دموعي في صمت.. أذنــبــت لأنك إنســـــان..

أذنبت لأنك بركان.. تـــتــــفـــــــجــــــــــــر حباً وحنان..

تقضي أيامك مرتحلاً.. لا تعرف أرض الشـــــــــــــطآن..

لا تعرف بيتاً تملكه.. لا تمــــــلك أرضاً وجـــــــنـــــــان..

وتسير وحيداً مغترباً.. وكرهت نــــــــــــــــــداء الخلان..

يا قلباً أقوى من صخر.. يــــــــــــــــا روحاً مثل البركان..

يا حباً يطوى في صمت.. أتقـــــــــــــاوم مد الطوفان؟..

وأقلب طرفي مبتسماً.. لا أعرف مـــعــــنــى الخذلان..

وبقلبي أكتم أحزاني.. وأصوغ كلام الـــتــــحــــنـــــان..

هاذي همسات مكلومة.. يـــــرســـــــلها قلبٌ وجدان..

قد سار وحيداً من زمن.. وتــعــلــم لــغــة الأشجـــان..

لا يرجوا حباً من أحد.. لا يبغي منكم إحـــــــســـــــان..

إني إنسان يا قومي.. فليفهــــــــــــم معنى الإنسان.. 

 

الصورة:

(بعدسة: أسيل الغنام).. .. (من اختيار: هنادي الصفيان)

صفحة 26 من 27« الأولى...1020«2324252627»