مكالمة

(مؤمن أن هذه مشاعر إنسان ما.. في مكان ما.. في زمن ما)

 

لو أردت فإنه بإمكانك أن تسمي هذه الرسالة نزف القلم، أو قل غياب الروح، فحين قررت الكتابة لم أكن أفكر فيها، بل لم أكن أفكر في شي سوى في شعور غريبة يجتاح نفسي ويملئني برودة حارقة كالجليد.

 

الأيام تمر، وأنا الآن في سنتي الأخيرة وأخيراً سأدخل الأربعين، أتخيل سيرتي الذاتية المليئة، والتي ليست سوى سيرة مهنية أمتلك مثلها سيرة أدبية، وسيرة .. .. حركية إن صح التعبير.

 

أتذكر حديثي معك اليوم، وهو حديث أأنس به كثيراً فقد تعودت منك أن تصارحني بما تراه، لا أن تقول لي ماأحب سماعه، وتعلمت منك بلا شك، فهناك أبواب من الأفكار فتحت، وأخرى أغلقت، وإن كنت لازلت أشعر بالفراغ والصقيع.

 

أفكر أحياناً في بعض الرموز المعروفة في بيئتها، ليست بالشهيرة جداً، ولكنها شهيرة في مجتمعها، يسعد الناس بالتعرف إليهم، وحقيقة هي ذات العبارة التي أرددها حين أقابلهم في مشروع أو مهمة، ولكن حين أعود لحياتي فلاشي أضرّ بي مهنياً كما فعلوا هم.

 

يمكنك أن تتخيل أنواع الضرر التي لحقت بي بسببهم، الفراغ الروحي، قسوة القلب، الغضب، وحتى التعب والجهد، والضرر المادي، ثم أخرج بحصيلة لاتغني ولاتسمن من جوع.

 

التفكير في العزلة راودني مراراً، ولم استطع تحقيقه، بل حتى العزلة المقننة أو الجزئية لم أتمكن من الوصول إليها، فقد كان هناك سبب في كل مرة يمنعني من تحقيقها، مرة الحياة ومطالبها، ومرة الأسرة ورغباتها، ومرة التفكير في المسقبل وتبعاته. لا أطلب التميز الإيماني ممن حولي، ولست كذلك في الحقيقة، ولكنني أثق في إيماني، تماماً كما أثق لحظة كتابتي هذه بإيجابية القدر ومدى ملائمة مايختاره الله لنا، غير أن الحزن قدر أيضاً لابد وأن أنال نصيبي منه.

 

ذات مرة قلت لصديقي في العمل شيئاً عن المنافسة، فأنا خصم متعب لأنني طويل نفس وقنوع، أساعد من حولي، ولكن لايعني هذا إنشغالي عن الطريق.

 

أين هو مكاني الملائم؟ ماهو عملي الأنسب؟ أصمت غالباً حين يسألني الناس هذا السؤال، هل لأنني متعدد المواهب؟ أو لأنني لاأعرف الإجابة؟ أم لأنني أخاف من ذكر الإجابة؟ لاتعليق، فلكل إجابة بلا شك وجهة تحتمل الصحة وترتبط بالمؤثرات، وهكذا سأكون كل الناس في وقت من الأوقات.

 

يلومني البعض في تنقلي المهني، وأقف أمام لومهم وتقييمهم السلبي لي منزعجاً صامتاً في غالب الأوقات ومبتسماً في أوقات أخرى ومتفجراً في وجوههم في بعض الأوقات. من هو المسئول؟ وهل أخطات في تنقلي؟

 

بين وظيفة لاتوفر لي إيجار المنزل الشهري ناهيك عن تكاليف الحياة، ووظيفة وفرت لي الأمان المادي والمكانة الأفضل؟ في ظرف سبع سنين تغير كثير من المعطيات في حياتي، من التعليم الثانوي إلى الدراسات العليا.

 

وبين فرح البعض بنجاحي، وضيق البعض بمنافستي، وحسد البعض عشت حياةً يملئوها الخير بحمد الله، ولا تخلوا من فجوات تبطئني لأقف بعد كل حفرة لبرهة ألملم ماتناثر من أوراقي.

 

في حياتي البسيطة مساحات واسعة من التجارب، يميزها المعرفة بالتجربة، أي أنني حين أخوض تجربة فإنني استحضر كافة حواسي لتسجيلها والتعامل معها والاستفادة منها الاستفادة الكاملة، وبالتالي فلكل شي معنى خاص به، الشمس الحارقة في مدينتي لاتشبه الشمس الحارقة على الشاطئ، فهنا جافة أشعر أنني ألمسها وهي تطبعها جلدي بسمرة الجبال، بينما أشعر بها مبتلة في الشواطئ وكأنني سأكشط الجلد مع قطرات الرطوبة الملتصقة بيدي.

 

هذه التجارب تثريني، وفي الوقت نفسه تؤذيني، فحين أكون من القلائل اللذين يتعاملون مع الحياة بهذه المنهجية سأجد التعب، فهروبي من التعثر سيجعل من خلفي يغضب من بطئي أحياناً دون أن يدرك أنني قد سرت في هذا الطريق مرات سابقة.

 

ذات يوم قال لي رجل وهو يبتسم ابتسامة المربي العارف للحياة وأسرارها “لابد أن تتغير، دع الأمور تمشي كما يريدون”، وحاولت وقتها مجارتهم ولكن لم أتحمل الحياة. البعض يمشي عارياً على الشاطئ، ولكن الكثير منا لايستطيع أن يلبس شورتاً قصيراً في السوق، لماذا؟ لأنه لم يألف العري، ويعرف الفرق بين الستر والكشف.

 

المكاتب الحية النابضة، ورائحة القهوة تزكم الأنوف، وصوت الضحكات لم تكن تشغلني عن القلوب ومايدور فيها من مأتم والأرواح وهي تتعثر في مستقنعات قذرة موحلة. حتى المرأة التي ابتسمت لي وأبدت إعجابها بعطري وطلبت مواعدتي والخروج معي وانهت لقائنا بابتسامة ووردة وضعتها على مكتبي، وقبلة طائرة، كأنت أهون بكثير مما يدور من مواقف في هذه الوحدات.

 

ربما لم يكن حباً بقدر ماكانت شهوة وانبهار، ولكنها كانت مباشرة واضحة يمكن تلافي سهامها بقليل من الجهد وبالاستعانة بآخرين في بعض الأوقات، ولكن مايدور هنا هو شي آخر. بالأمس كنت في مزرعة مع رجل ظل فيها ستة عشر عاماً، تعلمت من جلوسي معه أن القلوب المريضة ترفض البيئة الصحيحة في البداية لأنها لم تألفها، فتظل فترة تصارع رغباتها وتطلب العودة للمستقنعات، لحين يزال بعض التركمات السوداء عنها وحينها يبدأ القلب في النبض طلباً للهواء النقي.

 

قلت لرجل قبل أيام، هل ستمتلئ الآبار لو نزل المطر؟ قال المشكلة في قلة البركة، صدمني دون أن يشعر، فهناك نقص في القطر ونقص في البركة. وهناك قلوب متعطشة لقطرات الإيمان.

 

تختفي سيرتي الذاتية المهنية، وتعود سير أخرى تبرز نفسها أمامي لأختار، أغلق باب الذكريات فلاحاجة لأي منها الآن، فمن لم يقتله السيف يلحقه الأذى، وأفكر في صوتك وأنت تكلمني، ولاأجد مبرراً لطعنات الناجحين، وأصر على أنها فشل مغطىً لم يبصره الآخرون لغياب المعايير وقلت المربين. أضع أقلامي على الطاولة، وأشبك بين يدي، وأتامل في صمت وشرود، لاعزلتي وصلت ولا حضارتهم قبلت، لاقلب ولا عقل، و.. .. .. أقفل الصفحة.

 

 

 

(الصورة بعدسة: عبدالله السعد)

المهرجة

  

 

 

 

–        نعم أستطيع ذلك..

وأشارت برأسها لتأكيد كلامها.. كان كل شيء يتفاعل ليؤكد قدرتها على تنفيذ المهمة.. عيناها الذابلتان.. شفتاها المرتعشتان، يداها تشيران في عصبية وتوتر، وابتسامة منكسرة توحي بقرب الدموع… بهدوء نظرت إليها المديرة.. ثم نفثت في وجهها دخان سيجارتها وأجابت بابتسامة خليعة:

–        حسناً.. الوظيفة لك.. لنرى مايمكنك عمله.

خرجت سميرة وهي سعيدة ودموعها تجري.. كان الشتاء قارساً ومع ذلك لم تشعر بالخوف من زمهريره، فعلى الأقل لديها وظيفة تؤمن بها كسوة الشتاء لصغيريها.. بدأت حبات المطر تضرب وجهها النحيل في قسوة.. ومع ذلك كانت تمشي بسرعة دون أن تفكر في الاحتماء من هطوله.. أرادت أن تصل إلى بيتها في أسرع وقت لتقابل صغيريها وتقبلهما.. المسافة بينها وبين بيتها بعيدة، لكنها لاتملك أجرة المواصلات.. كانت سميرة فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، تزوجت منذ خمس سنوات، وأنجبت ولدا وبنتا، ولكن سامر لم يعش طويلاً ليرى نمو صغاره، فقد غادر الدنيا إثر حادث قتل قيد ضد مجهول. وهكذا وجدت سميرة نفسها وحيدة تصارع الحياة من أجل ولديها.

في بداية حياتها قررت البقاء قريباً من والديها، ولكن كثرة الأفواه وقلة الدخل جعلاها تشعر بالثقل والعبء.. ومع أن أسرة زوجها كانت ميسورة الحال إلا أنها لم تستطع البقاء معهم بسبب نظرات الأب القاسية، وكلمات الأم الجارحة.

شعرت بالبرد فأحكمت شد معطفها على صدرها.. وبدأت تسعل، هذه الآلام تعاودها منذ سنتين.. انتابتها بعد عملها في مصنع المطاط.. كانت أجواء العمل متعبة، فساعات الدوام طويلة وعوامل السلامة رديئة.. شعرت بمرارة وابتسمت.. ففي النهاية كان لابد من التخلي عنها والاستغناء عن خدماتها بسبب حالتها الصحية.

وصلت إلى بيتها وتوجهت مباشرة لغرفة جارتها لتأخذ الأطفال منها. تقيم في هذا المنزل منذ سنة ونصف.. هنا في الأحياء الخلفية من المدينة عالم آخر، عالم مليء بالمتناقضات، ففي الحي الواحد يقيم طيبو القلوب ويجاورهم المجرمون، وثمة ثمن لهذه المجاورة، يدفعه الضعفاء من دموعهم وجيوبهم، وأحياناً من أعمارهم.

–    قرعت الباب وانتظرت للحظات قبل أن تسمع وقع الأقدام الثقيلة وهي تقترب من الباب.. ثم فتح وظهرت امرأة بدينة قد عقصت شعرها إلى الخلف وارتدت قميصاً قذراً، تبتسم ابتسامة احتقار وهي تلوك قطعة “علك” ضخمة.

–        بادرتها بالسؤال.. هل وجدت وظيفة هذه المرة؟

–        نعم الحمد لله وسأباشر في الغد.. قالت سميرة بفرح.

–        حسناً.. لقد زادت الفواتير عليك، ولابد أ ن تدفعي المتأخرات.

–        سأدفع لك كل شيء.. أشكرك على اهتمامك.. هل تعشت وفاء؟

–        نعم.. لقد أطعمتها.

–        وماذا عن أمين؟

–        هو بخير.. لن أكون موجودة في الغد.. لابد أن تتدبري أمرك.

شعرت بالارتباك.. وأجابت بتلعثم:

–        ولكن غداً هو أول أيامي في العمل، ماذا سأفعل؟

نظرت إلى السقف بلا مبالاة ثم قالت:

–        إذا كان الأمر مهماً فسأجلس ولكن يجب أن تضاعفي الثمن.

ارتبكت سميرة، ثم أجابت في استسلام:

–         حسناً، سأفعل.

عادت إلى شقتها تحمل طفليها.. كانت مظلمة ورائحة الرطوبة تملأ المكان.. أضاءت النور في حين بدأ الطفل في التململ.. حتماً سيبكي الآن.. إذاً هو جائع. شعرت بمرارة، كانت تعلم أن جارتها تستغلها، ولكن لاحيلة لديها.. هي مضطرة لتحمل الوضع هكذا.

في الصباح انطلقت مسرعة من منزلها.. أطعمت صغيريها.. ابنتها وفاء متعجبة وهي ترى أمها ترتدي ملابسها للخروج في ذلك الوقت. سلمت صغارها لجارتها وانطلقت إلى المدرسة.. كان عليها ارتداء ثياب العمل للبدء في أولى مهامها.. وجدت المراقبة قد وصلت إلى الموقع قبلها.. نظرت إلى ساعتها  وسجلت شيئاً في أوراق كانت تحملها، ثم طلبت منها التوجه إلى سيارة الشركة لأخذ الملابس الخاصة.

كان عليها أن تقوم بدور أرنب يلاعب الصغار.. وجدت في حقيبة السيارة حقيبة كبيرة رسم عليها أرنب وردي.. أخذتها، وسارعت بارتدائها، واقتربت من فناء المدرسة.. وبمجرد أن رآها الأطفال أخذوا يتدافعون واصدموا بها حتى كادت أن تقع.. شعرت بالسعادة لهذا الجو، تذكرت صغيريها تمنت أن يكونا هنا مع الأطفال.. ربما تعجز عن اصطحابهم معها.. أخفى القناع الباسم الذي ترتديه دموعها.. لاتدري لماذا بكت.. من أجل أطفالها، أم حزناً على نفسها.

ارتفع صراخ طفل بسبب التدافع.. اقتربت منها معلمة مراقبة، نهرتها، طلبت منها الوقوف بعيداً عن الأطفال.. تنحت جانباً، اقتربت منها المراقبة وعادت لتسجيل شيء في أوراقها، ثم طلبت منها أن تخلع الرداء وتتوجه إلى مكتب مديرة المدرسة.. لم تفكر كثيراً في السبب. توجهت مسرعة إلى هناك..

–        أوه يا عزيزتي.. يؤسفني أن أبلغك هذا الخبر.. لقد اعتذرت المدرسة عن مواصلة البرنامج.

–        شعرت بالصدمة ولم تدر ماتقول.

تابعت المديرة..

–        ولذلك يمكنك أن تراجعي المراقبة لتصفي معها حقوقك.

–    أرادت أن تجيب.. ولكنها لم تجد شيئاً يمكن أن تقوله.. استدارت في صمت وتوجهت إلى الخارج.. كادت أن تسقط على الأرض.. لم تتوجه إلى المراقبة، غادرت المدرسة وأخذت تسير في طرقات المدينة على غير هدى.. الجو مكفهر ينذر بالمطر.. بدأت حبات المطر تتساقط.. الهواء البارد القادم من البحر جعلها ترتجف.. نظرت إلى حذائها، أصبح ممزقا ولكنها لم تفكر في تغييره..

وصلت إلى بيتها.. وفي صمت أخذت طفليها ولم تجب سؤال جارتها عن موعد السداد.. ذلك المساء شاهد القمر ثلاثة أشباح يلتحفون الظلام.. من هم؟ أين ذهبوا؟ ماذا حصل لهم؟ لم يجد القمر إجابة.. وطوى البحر الأسئلة.

 

(الصورة من تصميم: هنادي الصفيان)

لمن تكتب الأحزان؟؟

 

 

الحمد لله 

الأخوة الصادقة الخالصة لله لم تنته من هذه الحياة.. ولكن كم قدر لنا أن نجدها في حياتنا؟ والذين ظاهرهم غربة كثير لكن.. كم منهم يعيش بنفسية غريب وفكر غريب؟ 

  

وهذه كلمات تعلمتها في مدرسة الحياة.. سجلتها لأخ لي أحببته وأحبني وترافقنا بأفكارنا وإن تباعدت أجسادنا والتقت أرواحنا متخطية الجبال والوديان والقفار معلنة أن قافلة الغرباء ستلتقي يوما ما بأجسادها وتحط رحالها فيكون وعد الله. 

  

أخي الحبيب.. ربما كنت شخصية خيالية أبدع خيالي في صنعك.. لكنني سعيد بك ولو لم تكن حقيقة.. وربما كنت وحيدا.. لكنني بكلماتي شعرت بوجود أحبتي من حولي.. فلست آسف على ماكتبت.. وإن كان الله قد قدر لنا الغربة فقد رضيت بقدره وسعدت باصطفائه. 

  

نعم أخي هذا عهد.. فالطريق طويلة شاقة.. تحتاج إلى أنس بالله، أكثر من أنسها بأفراد.. وهذه الكلمات مبادئ.. سطرتها بدمعي ودمي.. أذكر بها نفسي ثم أذكر من يستفيد منها.. 

 

::فقد تعلمت في مدرسة الحياة.. أن الإنسان مبادئ.. كلما صح مبدئه صح جسمه وقويت بنيته::

 

أخي الحبيب.. سيظل خيالي يرسمك.. لأنني أحببتك.. أحببتك لغربتك.. وأحببتك لمنهجك.. وسأظل أحبك مادمنا معا في طريق الغرباء.. فإن الذي يضع رحاله في غير المكان ينقطع عن القافلة.. والذي تقصر به همته تسقط به دابته.. وكم من دعي نادى بالمبادئ فخالف عند الشدائد.. وظن التمكين في التنظير.. وما درى أن دون النصر قهر النفس.. والسلعة غالية. 

 

أخي.. هذا هو ما بيننا من عهد فلا تعجب إن ذرفت الدمع فالخوف من التراجع والسقوط يحرق القلب.. ونحن ضعاف لا زلنا في مجاهدة مع قوى الأرض من شهوات تلهب أضلاعنا بسياطها.. ويحاول البعض إلقاء شبهات ليحرفنا عن منهجنا الذي ارتضيناه. 

 

أخي الحبيب.. سامحني فقد كنت أتمنى أن أكتب بالإبر على عيني كي تكون أثبت لهذه المعاني.. وكنت أتمنى لو قطعت قلبي ألواحا بدلا من أوراقي.. وكنت أتمنى لو سكبت دمي بدلا من مدادي.. ولكن نحن غرباء وليس كل ما نتمناه نجده.. يكفينا أننا غرباء.. غرباء بين من رضي بالقعود عن ميادين الجهاد.. وغرباء بين من رضي بالتنظير وترك ساحات العمل.. وغرباء بين من قطع حبل المودة بينه وبين إخوانه. 

 

أخي.. هذه النفس ليست ملكك.. بل ملك لله يضعك حيث شاء.. ونحن لا نتفضل على الله بشيء.. بل هو المتفضل باختيارنا واصطفائنا.. ونسأل الله أن يثبت أقدامنا ويربط على قلوبنا.. ويقر أعيننا. 

 

سامحني أخي.. فكم قصرت معك.. ولكن صدقني أحبك.. حبا كان عونا لي على الطاعة.. وعصمة لي من المعصية.. بعد فضل الله. فهل ستسامحني على تقصيري؟. وهل ستغفر لي زلتي؟. لا تضف هما إلى همي وادع لي.

 

(الصورة بعدسة: فهد الزهراني)

الأدوات

(قبل أن أبدأ أي مشروع أجهز أدواتي، وفي هذه الرواية أضع أدواتي بين أيديكم)

حين قررت العودة إلى مسودات أوراقي لم يكن لدي فكرة واضحة عن هدفي، فقط شعرت بالرغبة في الكتابة، ولأنني أعتقد أنني تغيرت كثيراً بسبب الأحداث التي جرت في السنوات الثلاث الأخيرة، فقد كنت أتخيل أن الشيء الذي سأكتبه سيكون مميزاً.

ترى ما الذي يحدث التأثير في الكلمات؟ لماذا تتميز بعض الأفكار بتميز كلماتها؟ في بعض الأوراق التي تمتلئ بها مكتبتي وجدت قصاصة تحدثت عن هذا التأثير للكلمات، لا أذكر بالضبط متى كتبتها، ولكن بعض عباراتها كانت تشير إلى فصل الشتاء القارص، وبالتالي فلابد وأن تكون قد كتبت في الفترة التي كنت فيها طالباً في روسيا. والورقة باختصار تعزو الفضل في التأثير إلى ثلاثة عوامل، يرتبط أحدها بالمتحدث نفسه، والعامل الثاني متصل بالمستمع، والأخير يؤيد مبدأ ذات الفكرة وتأثيرها على الطرفين الآخرين، أي أن الفكرة ذاتها بغض النظر عن أي من العوامل هي التي تحدث التأثير.

وبغض النظر عن وقت كتابتي لهذه الكلمات، أو عن المكان، بغض النظر عن هذا كله، فأنا أعتقد أن الكلام الذي كتب في القصاصة صحيح، ولذلك فما سأكتبه لن أتكلف فيه الأسلوب، وسأعرض فكرتي بأبسط صورها، وسأكون صادقاً فيها، ويبقى العامل الثالث المتصل بالقارئ أو المستمع وهذا مالا شأن لي فيه. يكفي أنني قلت ماأريد واجتهدت في استيفائه لكل أطرافه التي توضحه، ويبقى دورها هي إن كانت ستقرأ هذا الكلام وفي نفسها القبول له، أو أنها ستغض الطرف عما يمكن أن أقوله وتراه إغراق في العاطفة كما كانت تسميه، وبالتالي ستجد سبباً لرده.

حين كتبت المسودات كنت في السابعة والعشرين من عمري، وحين راجعتها كنت في السادسة والثلاثين، تسع سنوات مرت، لو عدت إلى هذه السنوات فسأقسمها إلى مرحلتين، الأولى ومدتها ست سنوات كانت تشبه الضياع، أسير فيها بلا هدف فعلي، صحيح أن هناك أهدافاً مرحلية كثيرة أنجزت، ولكنها لم تكن أهدافاً حقيقة، بمعنى أنني حين أسأل نفسي ماذا جنيت منها فسوف أتردد في الإجابة أو بالأصح أعجز عن الإجابة، مرحلة ضبابية كان السم فيها يسري تحت الجلد دون أن أشعر بألم، وفجأة كانت كل مشاعري وحياتي تلتهب نتيجة السم الذي انتشر في كل ذرة من فكري ومن بدني. كان فيها صورة استقرار ولكنني لم أكن مستقراً. ربما أكون أوهمت نفسي أنني حصلت على الاستقرار مع أنه كان أشبه بالسراب، تماماً كمن يبني له بيتاً من القش، أو يضع خيمة في الصحراء، فإذا هبت الريح اقتلعت بيته ووجد نفسه في العراء، وهكذا مرت السنوات الست بريحها وترحالها وغربتها وألمها، وفي نهايتها استيقظت لأبحث عن نفسي. نعم تماماً هذا هو المصطلح المناسب، أبحث عن نفسي، حتى تعرفي على أسرتي كان جديداً علي، كأنني أراهم لأول مرة، من هم؟ ماذا يفعلون معي؟ كانت الصدمات تتوالى وتنسيني كل شي، ذكرياتي التي كنت أتغنى بها لم تظهر في خيالي ولا مرة واحدة، فالواقع كان قاسياً يشغلني عن الذكريات، حتى أحلامي في تلك الفترة كانت تعالج الواقع بصورة من الصور، المهم أنها انقضت، وبدأت السنوات الثلاث وهي المرحلة الثانية، رتبت فيها مابيدي من أوراق، تغير بعض ماكنت أراه من الثوابت، حين أمسكت بها وجدتها هشة فكان لابد من تغييرها، الصداقة، التضحية، العلاقات الاجتماعية، الأسرة، كل هذه الكلمات بدأت تأخذ أبعاداً أعمق من قبل، لقد شعرت بأنني لم أعرف معاني هذه الكلمات إلا في هذه المرحلة.

الصح والخطأ في حياتنا أمر نسبي، يحكمها عدة مؤثرات، الأوضاع الاجتماعية والمادية تغير نظرتنا لكل ماحولنا، وهروبنا من أمراض الحضارة إلى ترياق الماضي لم يكن علاجاً بقدر ماكان مسكناً، وبمجرد أن ينتهي مفعوله سيطفو الواقع ثانية حاملاً آلامه معه.

لازلت أحكم بروح الماضي، وهي روح مشبعة بالعاطفة، على الرغم من التغيرات التي طرأت خلال هذه السنوات إلا أنني لن أغير النصوص التي كتبت، نعم قد أشرح فكرة كانت مبهمة، ولكنني سأبقي على روحها، سأترك كل شيء كما كان تقريباً، فمالم يكن ضرورياً فلن أغيره.

وسأبقى أمام عقبة واحدة لم أتخذ بعد القرار في كيفية تخطيها، وهي بأي روح سأكتب؟ الروائي يضع شخصيات أبطاله من خلال واقع يعيشه، قد يرمز لهم لكي يبعد شبهة السيرة الذاتية، وقد لايهتم في أن يأخذ القارئ انطباعاً أن الرواية عبارة عن سيرة ذاتية، أما أنا فلا زلت أشعر بالتردد، فبلا شك لحياتي وجود ملموس في شخصيات الرواية، ولكن لايمكنني أن أقول أنها سيرة ذاتية، وهي لاتخجلني لو أُخذ هذا الانطباع عنها، أو لو قال البعض أنني ألبستها الثوب الذي أريد. هناك بعض المواقف العجيبة في حياتي، ولأنها عجيبة فأنا أعتقد أنه لن يصدقها أحد، هذه المواقف إذا ظهرت في الرواية فسيكون القارئ متردداً في قبولها.

ذات مرة استدعيت للتحقيق بسبب قضية ما، (لاأحبذ الإشارة إلى مسألة التحقيق هذه)، قال لي المحقق: لاتنتظر منا أن نصدق ماتقوله، الأمر شبه مستحيل، وبالرغم من هذه الاستحالة التي عجز عن تصديقها إلا أنها حقائق سرعان ماظهرت فصدقوها. وأنا لاألومهم لو أنهم رفضوا تصديقي، فما كان يحدث شيء لايمكن نسبته إلى الصدفة أو التوافق. الأمر أشبه مايكون برجل يتحرك من أفريقيا قاصداً روسيا ليتزوج هناك من فتاة رأها في المنام، وفي الوقت نفسه تتحرك فتاة روسية قاصدة إفريقيا لأن قلبها يحدثها أن زوجها يقيم في أفريقيا.

ليس في الأمر نبوءة، ولكنه الإحساس بالحدث الذي يفرض بعض الخيارات التي تبدو شاذة في وقتها، وأحياناً لايكون الإحساس هو الذي يملي علينا الاختيار ولكن الأمور تجري بهذا الشكل، هكذا ببساطة، تريد أن تسافر فلا تجد مقعداً شاغراً وبعد ساعة تسمع عن حادثة في القطار الذي كنت ستسافر فيه وقلبت الدنيا لأجل السفر وقد تحطم ومات بعض ركابه، لماذا لم تكن معهم؟ لقد قمت بكل مايمكن أن تقوم به لكي تكون معهم، ولكنك لم تجد مقعداً.

ولكنني لا اكتب لكي أزين صورتي في نظرها، أنا مقتنع أنني بذلت جهدي، لقد عدت لأوراقي فدرستها بعناية، حددت أخطائي، أعدت صياغة كل حياتي، غيرت مايمكن تغيره، مدينتي، مسكني، وحتى طريقتي في الضحك والكلام، أهذا اعتراف أنها سيرة ذاتية؟ لا أدري ربما تكون كذلك ولكنها ممتعة، في أوراقي القديمة أيضاً وجدت عبارة تتحدث عن التجارب، تشير إلى الإنسان عبارة عن مزيج من التجارب، كاللوحة التي يرسمها فنان متمكن، تأخذ شكلاً أوضح كلما وضع عليها لمسة بفرشاته، وهكذا التجارب تعيد بناء الشخصية وتصقلها.

الآن لا فرشاة ولا رسام، فمرارة التجربة أكثر حرقة من ضربة فرشاة على قماش، ليس هذا انتقاصاً من الفن، فأنا فنان بصورة من الصور، ولكن ألم التغيير، والمجاهدة والمراغمة، لاتشبه أبداً الجلوس أمام منظر طبيعي لرسمه. عناء رفع الرأس للنظر من زاوية اللوحة، أو الحديث مع إنسان أرسم خطوط وجهه لايتساوى مع عناء الانتقال في الشمس الحارة في الصيف من أجل الالتحاق بحافلة ستغادر إلى منطقة نائية من أجل تنفيذ مشروع صغير. لايشبه الظمأ الذي تشعر به وأنت تحفر في الأرض وتضرب صخرة تسد الطريق عليك حتى يتمزق كفك، هذه هي التجارب التي تشكل الحياة. ومع كل تجربة يضاف خطاً آخر في لوحة العمر، خشونة في كف، أو تجعيدة في وجه، أو ظلال سوداء تحت العين، أو دخولك في نوم عميق بمجرد أن تضع رأسك على الوسادة.

الصورة:
(بعدسة: أسيل الغنام).. .. (من اختيار: هنادي الصفيان)

إني إنسان

أزرع في صمت كلماتي.. تــــــــــــــرويها روح الأحزان..

وأطير أحلق في حزن.. وأجوب ســـــــــــــماء البلدان..

وبنفسي همّ يا نفسي.. يحرقني، يكـــــوي الوجدان..

تسرق من شفتي البسمة.. إن همست كلمة تبيان..

وتصادر حتى أحلامي.. وتبـــــــــــــــاد بحكم العصيان..

وتساق دموعي وشجوني.. وأبيت أسيــــــر النسيان..

ويظل الليل يعاتبني.. يرمقني كـــــــــــــــــون غضبان..

ما ذنبي؟ ما سر بلائي.. ما قـــــصـــة هاذي النيران؟..

فتجيب دموعي في صمت.. أذنــبــت لأنك إنســـــان..

أذنبت لأنك بركان.. تـــتــــفـــــــجــــــــــــر حباً وحنان..

تقضي أيامك مرتحلاً.. لا تعرف أرض الشـــــــــــــطآن..

لا تعرف بيتاً تملكه.. لا تمــــــلك أرضاً وجـــــــنـــــــان..

وتسير وحيداً مغترباً.. وكرهت نــــــــــــــــــداء الخلان..

يا قلباً أقوى من صخر.. يــــــــــــــــا روحاً مثل البركان..

يا حباً يطوى في صمت.. أتقـــــــــــــاوم مد الطوفان؟..

وأقلب طرفي مبتسماً.. لا أعرف مـــعــــنــى الخذلان..

وبقلبي أكتم أحزاني.. وأصوغ كلام الـــتــــحــــنـــــان..

هاذي همسات مكلومة.. يـــــرســـــــلها قلبٌ وجدان..

قد سار وحيداً من زمن.. وتــعــلــم لــغــة الأشجـــان..

لا يرجوا حباً من أحد.. لا يبغي منكم إحـــــــســـــــان..

إني إنسان يا قومي.. فليفهــــــــــــم معنى الإنسان.. 

 

الصورة:

(بعدسة: أسيل الغنام).. .. (من اختيار: هنادي الصفيان)

تنبيهات على المذكرات

 

أشكر لكل مهتم بهذه المذكرات اهتمامه، وأسأل الله أن ينفعنا بها جميعا وأود أن أنبه على بعض النقاط بخصوص هذه المذكرات:

1. كنت أرفض الكتابة، وإذا كتبت مزقت ما كتبته، والسبب في ذلك أنني لم أكن أريد إبقاء أي أثر لي بعد موتي، ولكن الوالدة حفظها الله وثبتها ألحت علي بالكتابة وبعدم تمزيق أو إتلاف مااكتبه، ثم طلبت مني حفظها الله النشر، وبعد محاولات منها وتمنع مني استجبت لطلبها.

2. هذه المذكرات تمثل نتاج تجارب شخصية، بمعنى أنها ليست مأخوذة من أي مصدر، وإن حصل تشابه بين ما أكتبه وما كتبه غيري فهو ليس إلا تشابه خواطر فقط.

3. من منهجي عدم القدح بأفراد أو الطعن فيهم حتى لو أنهم خالفوني، ولكن كلامي كله عن المنهج، فاهتمامي بالخطأ يعالج الخطأ ذاته ولا علاقة لي بالأفراد أو المؤسسات، مع الولاء لمن يستحق الولاء والبراء مما عدا ذلك.

4. لم يسبق لي نشر أي شي تقريبا من هذه المذكرات إلا أشياء بسيطة جدا كالطحلب، والتربية والتكوين وغيرها، وقد نشرت لأول مرة في كما كتبت بدون زيادات.

5. كتبت هذه المذكرات وفي نيتي إرسالها لأخ لي، والأخ قد قُتِل رحمه الله، وسيأتي الحديث عن مقتله في حينه، ويالله كم تأسف الأمة لفقد مثله. ولا علاقة لأي إنسان بها بعده، وإن كنت قد فكرت بإرسالها لأحد فقد غيرت رأيي وستبقى خاصة. دليل غربة، ورسالة معاناة، فبفقدهم عرفت بوضوح معنى الغربة.

6. أهدف بإذن الله إلى وضع المذكرات كاملة هنا.. مع بعض التعديلات التي لا تغير المعنى، وتضيف قيمة إلى الأصول.

7. من الملحوظ على أسلوبي غالبا أنه رمزي وهذا ما حاولت تجاوزه في هذه المذكرات، وإذا حصل لبس فإني أكل القارئ إلى إيمانه، وحسن ظنه، وأقبل منكم الرأي والمشورة. وأرجو عدم التعجل في الحكم علي في حالة وجود الخطأ، حتى تتم المناصحة والتوجيه وتصحيح الخطأ إن وجد.

وبداية ونهاية، لكم الشكر، ومعا نبني مجد أمتنا. كل بحسبه

والله الموفق

 

 

(الصورة بعدسة: عبدالله البلوي)

أماني القطار

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تسافر فيها ولكنها شعرت بتغيرها عن المرات السابقة.. كل شيء حولها مختلف.. حتى المقاعد في القطار العتيق بدت بشكل آخر هذه المرة.. وضعت حقيبتها على المقعد المجاور وانشغلت بمراقبة الطريق والناس يتحركون جيئة وذهاباً.. ازدحمت الأفكار في رأسها ومرت خمس السنوات كومضات نقلتها عبر الزمن.. وبنظرة تائهة كانت تفكر في محطات الحياة.

بدأ الركاب يصعدون.. بين لحظة وأخرى ترفع رأسها لترى راكباً جديداً، وتعود إلى تفكيرها.. هذه امرأة مع أطفالها، ربما جاءت في زيارة أهلها.. لكنها لا تلتفت لحركة أبنائها الكثيرة.. بعض الناس لا يراعون الذوق العام.. تململت في مقعدها.. لماذا شعرت أنه غير مريح؟ هل لأنها لم تعد ملزمة بالسفر في القطار، لذا أمست تشعر بأنه غير مريح؟

هذا الرجل العجوز مر عليها من قبل.. لابد أنه يقيم في منطقة نائية.. ربما يزور المدينة باستمرار لمراجعة دائرة من الدوائر.. ربما يأتي للحصول على مرتبه.. أو له تجارة أو شيء من هذا القبيل.. كلا، شكله لا يؤهله لأن يكون من المستثمرين.. بدا لها كبيراً في السن متعباً.. إذاً ربما كان الراتب هو سبب زياراته الكثيرة، أو الضمان الاجتماعي ونحوه. شعرت بالحنين لأبيها ترى لو كان على قيد الحياة هل كانت ستحتاج للسفر وحدها بالقطار؟ كم تمنت لو أنها رأته وارتمت في أحضانه لتشعر بالدفء والأمان.. صحيح أن من حولها حاول أن يوفر لها الجو الأسري الذي تحتاجه، ولكن بقي مكان الأب شاغراً لم يملأه أحد.. ولا تدري إن كان سيملؤه أي إنسان بعد أبيها.

صعد للقطار شاب في العشرينات.. لقد رأته أكثر من مرة في المجيء والذهاب.. ربما كان طالباً في الكلية، شعرت بشيء غريب جعلها تفكر فيه.. لقد كانت رحلات القطار نوعاً من الرفقة لم تشعر به إلا الآن.. خمس سنوات ليست بالشيء القليل.. كثيرة هي الوجوه التي مرت عليها في خمس سنوات.. أخذت تفكر في هذا الأمر.. ترى هل شعرت بالانتماء لأي منها في يوم من الأيام؟

بدأت تستعرض المواقف علها تجد في مخزون الذاكرة ما يساعدها على التفكير.. هذا الرجل العجوز، وذاك الشاب، ومجموعة أخرى بدا أن منهم الموظف، ومنهم الطالب.. وجوه تتجدد، ووجوه تختفي، وكل شيء يتغير حولها. حتى عربات القطار تغيرت وجدِّد جزء منها.

عادت إلى التفكير في أبيها وبيت أهلها.. هل تشعر بالرغبة في الاستقرار من أجل تكوين أسرة أم من أجل شعورها بفقدان أبيها؟ ماهي مواصفات الرجل الذي تتمناه؟

مناظر الصحراء تحيط بالقطار.. كم تشبه هذه الصحراء حياتها… الجفاف في المشاعر، ابتسمت وتذكرت ابتسامة أمها.. لا، لا يمكن أن تظلمها.. لقد كانت أمًّا مثالية طيبة لأبعد الحدود.. ولكن هذا لم يغير من أنها هي وأمها كانتا تعيشان في شيء يشبه الصحراء.. ذكرها مرور المناظر السريع من أمام نافذة القطار بمرور أربعة وعشرين ربيعاً من عمرها.

عادت إلى الصحراء وتحركت في مقعدها في ضيق.. ترى لماذا تشعر بطول الطريق هذه المرة؟ ربما لأنها لم تعد مضطرة لركوب القطار بعد اليوم.. إذاً ماهي مواصفات الرجل الذي تراه يقتحم حياتها ليوفر لها الحب والاستقرار؟
سرحت مع كلمة الحب.. ترى هل الحب هو الشيء الناقص في حياتها؟ ما هو الحب؟ هل هو الحنان؟ الرحمة؟ لماذا يرتبط أبوها بكل الذكريات المؤلمة؟ لماذا شعرت بالحاجة إليه حين واجهت صعوبات الحياة؟ تراها تفتقد الأمان وتتمنى أن تراه في صورة رجل تؤسس معه بيتها وأسرتها الصغيرة؟

توقف القطار في محطة أخرى.. صعد أناس ونزل آخرون.. وعادت للتفكير في حياتها من جديد.. بدا قلبها يشبه هذه المحطة في بعض الجوانب.. دخول أناس لحياتها ثم رحيلهم ووصول غيرهم.. التشابه في الفترات التي يبقونها.. ربما طالت أو قصرت ولكنها تشترك في الرحيل.. لماذا؟
سافرت مع السؤال.. هل لأن المقاييس التي سمحت لهم بالبقاء والرحيل لم تكن صحيحة؟ هل لأنها كانت تكتشف في كل صداقة تمر بها في سنوات الدراسة تبايناً في التفكير بينها وبين الأخريات؟ هل لأنها كانت ترتبط بالناس نتيجة حاجة عاطفية، ثم تكتشف أن زميلاتها لسن جادات مثلها في تقدير معاني الأخوة؟

ترى.. هل ستجد رجلاً يقدر هذه المعاني ويرتبط معها بصدق ويهبها الحنان الذي تريد؟ أخذها السؤال بعيداً.. وفاجأت نفسها وهي تفكر في الشاب من جديد.. ترى هل رأت فيه شيئاً مميزاً.. لم تكن تتذكر ملامحه.. ربما لأنها لم تهتم به، ولكنها تتذكر نظرته وحقيبته على كتفه.. قد يكون أصغر منها، أو أكبر.. تمنت أن يكون أكبر منها لكي تشعر بأنه الأب والـ.. زوج.

لماذا فكرت بهذه الصورة؟ هل لأنها الرحلة الأخيرة لها؟ التفتت إلى جارتها كانت تغط في نوم عميق.. بدت لها واقعية أكثر منها.. فتحت دفتر خواطرها وأخرجت قلمها وبدأت تكتب خاطرتها الأخيرة في القطار.

نظرت إلى الشيء المكتوب في ابتسامة راضية.. شعرت أنها سجلت في الرحلة الأخيرة خلاصة تجربة أليمة بقدر سعادتها.. كانت الكلمات قليلة ولكنها بدت معبرة كثيراً.. مرت بعينيها بين السطور.. حياتنا قطار.. والأسرة هي محطته الأخيرة.. الأسرة مجموعة ثوابت وليست مجموعة ركاب يمرون ويرحلون.. من يأتي في المحطات ربما لايستقر ليبني بيتاً، ولكنه يرحل في المحطة القادمة.. لايصلح البناء على عربة في قطار.. للحياة معنى أعمق من ظاهر الألم.. ففي الألم ينبت الفرح.. أقدار الله كلها خير، وشريك الحياة سيأتي في موعده المكتوب.. القلب الذي ينتظر كل نهاية أسبوع في المنزل يستحق بعض العناء، والعودة للأسرة الحقيقة تعني أصالة وتميز.. مشاعرنا في سفرنا الصغير تشبه تغير الصور في النافذة، كل شيء سيتغير، وتبقى لكل بيئة صورها التي لا تناسب غيرها.. توقف القطار في المحطة الأخيرة وعلى الصفحة البيضاء دونت عبارات تبتسم من بين الدموع.

(الصورة من تصميم: هنادي الصفيان)

الخيارات الحادة

نرى ونسمع ونعايش الأحداث.. تتكون لدينا سلسلة من التجارب وينتج عنها الكثير من السلوكيات والتصورات.. حين نواجه حقيقة بصراحة فإننا نعطي أنفسنا فضاءً رحباً من الخيارات.. وحين نغالط أنفسنا فإن التجربة تتوجه بحسب مانريد وليس كما هي في الواقع.

هذه المغالطات ندفع ثمنها في ضيق الآفاق أمامنا.. ووقوفنا في النهاية أمام خيارات حادة، معرضين أنفسنا لاحتمالات الجرح والأذى.

كل الذي نريده هو مصارحة وصراحة.. وسيكون لدينا الوقت لنبدأ من جديد..

 

(الصورة بعدسة: خالد المسعود)

همس الحروف

وأحمل دائماً نبضي..

وأقلامي.. وأوراقي..

وألافاً من الأبيات أنظمها..

ومجموعات آهاتي..

أسطرها وأرويها..

يقول الناس أبياتي..

وأسميها قصاصاتي..

وعندي دفترٌ أصفر..

يعانق دائماً حبري..

فذا يروي..

وذا يبكي..

يسطر من حكايا الناس ألواناً..

يحللها..

يراقبهم..

ويزرع في المدى صوتي..

وينقش بالدم القاني..

رواياتي..

وضعت حقيبتي الخضراء مشرعة..

فخذ ياقارئي مني..

وبلغ في الدنا عني..

بأني في ظلام الليل إنسان..

يصوغ الحرف نبراساً..

عسى يسراً يلي عسراً..

(الصورة بعدسة: عبدالله الغنام.. نقلاً عن: أسيل الغنام)

صفحة 26 من 26« الأولى...1020«2223242526