إني إنسان

أزرع في صمت كلماتي.. تــــــــــــــرويها روح الأحزان..

وأطير أحلق في حزن.. وأجوب ســـــــــــــماء البلدان..

وبنفسي همّ يا نفسي.. يحرقني، يكـــــوي الوجدان..

تسرق من شفتي البسمة.. إن همست كلمة تبيان..

وتصادر حتى أحلامي.. وتبـــــــــــــــاد بحكم العصيان..

وتساق دموعي وشجوني.. وأبيت أسيــــــر النسيان..

ويظل الليل يعاتبني.. يرمقني كـــــــــــــــــون غضبان..

ما ذنبي؟ ما سر بلائي.. ما قـــــصـــة هاذي النيران؟..

فتجيب دموعي في صمت.. أذنــبــت لأنك إنســـــان..

أذنبت لأنك بركان.. تـــتــــفـــــــجــــــــــــر حباً وحنان..

تقضي أيامك مرتحلاً.. لا تعرف أرض الشـــــــــــــطآن..

لا تعرف بيتاً تملكه.. لا تمــــــلك أرضاً وجـــــــنـــــــان..

وتسير وحيداً مغترباً.. وكرهت نــــــــــــــــــداء الخلان..

يا قلباً أقوى من صخر.. يــــــــــــــــا روحاً مثل البركان..

يا حباً يطوى في صمت.. أتقـــــــــــــاوم مد الطوفان؟..

وأقلب طرفي مبتسماً.. لا أعرف مـــعــــنــى الخذلان..

وبقلبي أكتم أحزاني.. وأصوغ كلام الـــتــــحــــنـــــان..

هاذي همسات مكلومة.. يـــــرســـــــلها قلبٌ وجدان..

قد سار وحيداً من زمن.. وتــعــلــم لــغــة الأشجـــان..

لا يرجوا حباً من أحد.. لا يبغي منكم إحـــــــســـــــان..

إني إنسان يا قومي.. فليفهــــــــــــم معنى الإنسان.. 

 

الصورة:

(بعدسة: أسيل الغنام).. .. (من اختيار: هنادي الصفيان)

تنبيهات على المذكرات

 

أشكر لكل مهتم بهذه المذكرات اهتمامه، وأسأل الله أن ينفعنا بها جميعا وأود أن أنبه على بعض النقاط بخصوص هذه المذكرات:

1. كنت أرفض الكتابة، وإذا كتبت مزقت ما كتبته، والسبب في ذلك أنني لم أكن أريد إبقاء أي أثر لي بعد موتي، ولكن الوالدة حفظها الله وثبتها ألحت علي بالكتابة وبعدم تمزيق أو إتلاف مااكتبه، ثم طلبت مني حفظها الله النشر، وبعد محاولات منها وتمنع مني استجبت لطلبها.

2. هذه المذكرات تمثل نتاج تجارب شخصية، بمعنى أنها ليست مأخوذة من أي مصدر، وإن حصل تشابه بين ما أكتبه وما كتبه غيري فهو ليس إلا تشابه خواطر فقط.

3. من منهجي عدم القدح بأفراد أو الطعن فيهم حتى لو أنهم خالفوني، ولكن كلامي كله عن المنهج، فاهتمامي بالخطأ يعالج الخطأ ذاته ولا علاقة لي بالأفراد أو المؤسسات، مع الولاء لمن يستحق الولاء والبراء مما عدا ذلك.

4. لم يسبق لي نشر أي شي تقريبا من هذه المذكرات إلا أشياء بسيطة جدا كالطحلب، والتربية والتكوين وغيرها، وقد نشرت لأول مرة في كما كتبت بدون زيادات.

5. كتبت هذه المذكرات وفي نيتي إرسالها لأخ لي، والأخ قد قُتِل رحمه الله، وسيأتي الحديث عن مقتله في حينه، ويالله كم تأسف الأمة لفقد مثله. ولا علاقة لأي إنسان بها بعده، وإن كنت قد فكرت بإرسالها لأحد فقد غيرت رأيي وستبقى خاصة. دليل غربة، ورسالة معاناة، فبفقدهم عرفت بوضوح معنى الغربة.

6. أهدف بإذن الله إلى وضع المذكرات كاملة هنا.. مع بعض التعديلات التي لا تغير المعنى، وتضيف قيمة إلى الأصول.

7. من الملحوظ على أسلوبي غالبا أنه رمزي وهذا ما حاولت تجاوزه في هذه المذكرات، وإذا حصل لبس فإني أكل القارئ إلى إيمانه، وحسن ظنه، وأقبل منكم الرأي والمشورة. وأرجو عدم التعجل في الحكم علي في حالة وجود الخطأ، حتى تتم المناصحة والتوجيه وتصحيح الخطأ إن وجد.

وبداية ونهاية، لكم الشكر، ومعا نبني مجد أمتنا. كل بحسبه

والله الموفق

 

 

(الصورة بعدسة: عبدالله البلوي)

أماني القطار

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تسافر فيها ولكنها شعرت بتغيرها عن المرات السابقة.. كل شيء حولها مختلف.. حتى المقاعد في القطار العتيق بدت بشكل آخر هذه المرة.. وضعت حقيبتها على المقعد المجاور وانشغلت بمراقبة الطريق والناس يتحركون جيئة وذهاباً.. ازدحمت الأفكار في رأسها ومرت خمس السنوات كومضات نقلتها عبر الزمن.. وبنظرة تائهة كانت تفكر في محطات الحياة.

بدأ الركاب يصعدون.. بين لحظة وأخرى ترفع رأسها لترى راكباً جديداً، وتعود إلى تفكيرها.. هذه امرأة مع أطفالها، ربما جاءت في زيارة أهلها.. لكنها لا تلتفت لحركة أبنائها الكثيرة.. بعض الناس لا يراعون الذوق العام.. تململت في مقعدها.. لماذا شعرت أنه غير مريح؟ هل لأنها لم تعد ملزمة بالسفر في القطار، لذا أمست تشعر بأنه غير مريح؟

هذا الرجل العجوز مر عليها من قبل.. لابد أنه يقيم في منطقة نائية.. ربما يزور المدينة باستمرار لمراجعة دائرة من الدوائر.. ربما يأتي للحصول على مرتبه.. أو له تجارة أو شيء من هذا القبيل.. كلا، شكله لا يؤهله لأن يكون من المستثمرين.. بدا لها كبيراً في السن متعباً.. إذاً ربما كان الراتب هو سبب زياراته الكثيرة، أو الضمان الاجتماعي ونحوه. شعرت بالحنين لأبيها ترى لو كان على قيد الحياة هل كانت ستحتاج للسفر وحدها بالقطار؟ كم تمنت لو أنها رأته وارتمت في أحضانه لتشعر بالدفء والأمان.. صحيح أن من حولها حاول أن يوفر لها الجو الأسري الذي تحتاجه، ولكن بقي مكان الأب شاغراً لم يملأه أحد.. ولا تدري إن كان سيملؤه أي إنسان بعد أبيها.

صعد للقطار شاب في العشرينات.. لقد رأته أكثر من مرة في المجيء والذهاب.. ربما كان طالباً في الكلية، شعرت بشيء غريب جعلها تفكر فيه.. لقد كانت رحلات القطار نوعاً من الرفقة لم تشعر به إلا الآن.. خمس سنوات ليست بالشيء القليل.. كثيرة هي الوجوه التي مرت عليها في خمس سنوات.. أخذت تفكر في هذا الأمر.. ترى هل شعرت بالانتماء لأي منها في يوم من الأيام؟

بدأت تستعرض المواقف علها تجد في مخزون الذاكرة ما يساعدها على التفكير.. هذا الرجل العجوز، وذاك الشاب، ومجموعة أخرى بدا أن منهم الموظف، ومنهم الطالب.. وجوه تتجدد، ووجوه تختفي، وكل شيء يتغير حولها. حتى عربات القطار تغيرت وجدِّد جزء منها.

عادت إلى التفكير في أبيها وبيت أهلها.. هل تشعر بالرغبة في الاستقرار من أجل تكوين أسرة أم من أجل شعورها بفقدان أبيها؟ ماهي مواصفات الرجل الذي تتمناه؟

مناظر الصحراء تحيط بالقطار.. كم تشبه هذه الصحراء حياتها… الجفاف في المشاعر، ابتسمت وتذكرت ابتسامة أمها.. لا، لا يمكن أن تظلمها.. لقد كانت أمًّا مثالية طيبة لأبعد الحدود.. ولكن هذا لم يغير من أنها هي وأمها كانتا تعيشان في شيء يشبه الصحراء.. ذكرها مرور المناظر السريع من أمام نافذة القطار بمرور أربعة وعشرين ربيعاً من عمرها.

عادت إلى الصحراء وتحركت في مقعدها في ضيق.. ترى لماذا تشعر بطول الطريق هذه المرة؟ ربما لأنها لم تعد مضطرة لركوب القطار بعد اليوم.. إذاً ماهي مواصفات الرجل الذي تراه يقتحم حياتها ليوفر لها الحب والاستقرار؟
سرحت مع كلمة الحب.. ترى هل الحب هو الشيء الناقص في حياتها؟ ما هو الحب؟ هل هو الحنان؟ الرحمة؟ لماذا يرتبط أبوها بكل الذكريات المؤلمة؟ لماذا شعرت بالحاجة إليه حين واجهت صعوبات الحياة؟ تراها تفتقد الأمان وتتمنى أن تراه في صورة رجل تؤسس معه بيتها وأسرتها الصغيرة؟

توقف القطار في محطة أخرى.. صعد أناس ونزل آخرون.. وعادت للتفكير في حياتها من جديد.. بدا قلبها يشبه هذه المحطة في بعض الجوانب.. دخول أناس لحياتها ثم رحيلهم ووصول غيرهم.. التشابه في الفترات التي يبقونها.. ربما طالت أو قصرت ولكنها تشترك في الرحيل.. لماذا؟
سافرت مع السؤال.. هل لأن المقاييس التي سمحت لهم بالبقاء والرحيل لم تكن صحيحة؟ هل لأنها كانت تكتشف في كل صداقة تمر بها في سنوات الدراسة تبايناً في التفكير بينها وبين الأخريات؟ هل لأنها كانت ترتبط بالناس نتيجة حاجة عاطفية، ثم تكتشف أن زميلاتها لسن جادات مثلها في تقدير معاني الأخوة؟

ترى.. هل ستجد رجلاً يقدر هذه المعاني ويرتبط معها بصدق ويهبها الحنان الذي تريد؟ أخذها السؤال بعيداً.. وفاجأت نفسها وهي تفكر في الشاب من جديد.. ترى هل رأت فيه شيئاً مميزاً.. لم تكن تتذكر ملامحه.. ربما لأنها لم تهتم به، ولكنها تتذكر نظرته وحقيبته على كتفه.. قد يكون أصغر منها، أو أكبر.. تمنت أن يكون أكبر منها لكي تشعر بأنه الأب والـ.. زوج.

لماذا فكرت بهذه الصورة؟ هل لأنها الرحلة الأخيرة لها؟ التفتت إلى جارتها كانت تغط في نوم عميق.. بدت لها واقعية أكثر منها.. فتحت دفتر خواطرها وأخرجت قلمها وبدأت تكتب خاطرتها الأخيرة في القطار.

نظرت إلى الشيء المكتوب في ابتسامة راضية.. شعرت أنها سجلت في الرحلة الأخيرة خلاصة تجربة أليمة بقدر سعادتها.. كانت الكلمات قليلة ولكنها بدت معبرة كثيراً.. مرت بعينيها بين السطور.. حياتنا قطار.. والأسرة هي محطته الأخيرة.. الأسرة مجموعة ثوابت وليست مجموعة ركاب يمرون ويرحلون.. من يأتي في المحطات ربما لايستقر ليبني بيتاً، ولكنه يرحل في المحطة القادمة.. لايصلح البناء على عربة في قطار.. للحياة معنى أعمق من ظاهر الألم.. ففي الألم ينبت الفرح.. أقدار الله كلها خير، وشريك الحياة سيأتي في موعده المكتوب.. القلب الذي ينتظر كل نهاية أسبوع في المنزل يستحق بعض العناء، والعودة للأسرة الحقيقة تعني أصالة وتميز.. مشاعرنا في سفرنا الصغير تشبه تغير الصور في النافذة، كل شيء سيتغير، وتبقى لكل بيئة صورها التي لا تناسب غيرها.. توقف القطار في المحطة الأخيرة وعلى الصفحة البيضاء دونت عبارات تبتسم من بين الدموع.

(الصورة من تصميم: هنادي الصفيان)

الخيارات الحادة

نرى ونسمع ونعايش الأحداث.. تتكون لدينا سلسلة من التجارب وينتج عنها الكثير من السلوكيات والتصورات.. حين نواجه حقيقة بصراحة فإننا نعطي أنفسنا فضاءً رحباً من الخيارات.. وحين نغالط أنفسنا فإن التجربة تتوجه بحسب مانريد وليس كما هي في الواقع.

هذه المغالطات ندفع ثمنها في ضيق الآفاق أمامنا.. ووقوفنا في النهاية أمام خيارات حادة، معرضين أنفسنا لاحتمالات الجرح والأذى.

كل الذي نريده هو مصارحة وصراحة.. وسيكون لدينا الوقت لنبدأ من جديد..

 

(الصورة بعدسة: خالد المسعود)

همس الحروف

وأحمل دائماً نبضي..

وأقلامي.. وأوراقي..

وألافاً من الأبيات أنظمها..

ومجموعات آهاتي..

أسطرها وأرويها..

يقول الناس أبياتي..

وأسميها قصاصاتي..

وعندي دفترٌ أصفر..

يعانق دائماً حبري..

فذا يروي..

وذا يبكي..

يسطر من حكايا الناس ألواناً..

يحللها..

يراقبهم..

ويزرع في المدى صوتي..

وينقش بالدم القاني..

رواياتي..

وضعت حقيبتي الخضراء مشرعة..

فخذ ياقارئي مني..

وبلغ في الدنا عني..

بأني في ظلام الليل إنسان..

يصوغ الحرف نبراساً..

عسى يسراً يلي عسراً..

(الصورة بعدسة: عبدالله الغنام.. نقلاً عن: أسيل الغنام)

صفحة 27 من 27« الأولى...1020«2324252627