كل عام وأنتم بخير

العيد 2

وفـي الـعـيـد تـزهـر كـل الـحـروف..

وتـبـسم رغـم الـمـآسـي الشفاه..

فــيــكــفــيــك أنــك تـرجـع فـيـنـا..

حــنــيــنـا.. وحــبـاً لأقـصـى مداه..

(تصميم البطاقة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

نـعـم بـكـيـتِ

8102444053_3908a3d957_z

تـبـكـيـن حـبـاً.. ويـبـكيني النوى شوقاً.. كلا الـمـحـبـيـن فـي عرف الـهوى عبقا..

لايـجـبـر الـقـلـب إلا الـوصــل يا أمـلـي.. مهما اتـصـلـنـا فـفـي الأحـوال مـفـتـرقا..

روح الـمـحـب إلـى الـلـقـيـا مــتــيـمـة.. من ذا يـلـوم مـحـبـاً فـي الـهـوى نـطقَ..

أنا الـمـحـب.. أسـيـر فـي مـحـبـتـكـم.. لكـنـنـي فـي ذرى الـعـلـيـاء مـنـطـلـقـا..

أعطيت روحي ومافي القلب من جزع.. فـعـل الـرجـال إذا أمـر الإلـه قــــضــــى..

فـفـي الـشـرايـيـن ريـمي يـحـركـنـي.. والـقـلب يـرفل بـالـتـوحـيـد مـــــؤتـلـقـا..

أنا الـيـمـانـي فـي قـحـطان منـتـسب.. سلي الجبال.. سلي الوديان والشفقَ..

سـلـي الـمـعـالي لـمـاذا لـم يزعزعنا.. ظـلـم الـطـواغـيـت حين البأس منطبقا..

إلـى الـنـصـوص يـعـود الـقـلـب مـتئداً.. فـلا يـــــذل ولا يــزري بـــــــه رهـــقـــا..

نـعـم بـكـيـتِ.. فـديـت الدمع يا أملي.. بـعـض الـدمـوع لـهـا حـب سـيـنـبـثـقــا..

(الصورة بعدسة: إياس السحيم)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

رسالة إلى مهند.. قصة رحلة

14859224400_d2236909d9_z

15/9/2011م

شقة جاري (الصالة).. الساعة 12:30 مساءً

 

يسألونني عنك يا مهند.. من تكون؟..

قلت لهم رفيق درب.. غريب مثلي.. يشعر بنبضي وتمتد عروقه في جسدي.. جمعنا المبدأ.. الغربة.. الحزن.. الشوق.. الحب.. حر من الأحرار.. أصمتته الأيام، وليس أول من صمت.. دار بيني وبينه حوار ولم يسجل ولم تحفظ منه نسخة.. والا كنتم ستقرؤؤن الألم وتسمعون صراخ الشوق في الحروف الصامتة..

سيف في سفر المذكرات

6907769034_b319346c9c_z

حين كتبت المذكرات كنت مختلفاً..

مختلفاً إيمانياً فقط..

ولكنني لم أتغير كثيراً من الناحية الفكرية عدا النضوج والذي هو بمثابة التحبير على الرسم في حياتي..

المعاني لم تتغير يا “أخي”..

وتذكر أنني لم أقل لإحدٍ بعدك “أخي”..

وهل هناك من سيقبلني يا “ذو النور”!!

الآن أقف حائراً بين عرض المذكرات أو تركها للورثة لينشروها بعد موتي فلا أشعر بالخجل من نفسي على تأخري في بعض الجوانب..

وهل ستقبلني الآن برغم التغيرات؟

لا أشك في أنك ستقول نعم لو كنت على قيد الحياة..

وربما رحيلك يشعرني بالإطمئنان لئلا أقف أمامك وأنا أحمل تقصيري كحبل مشنقة يلتف حول عنقي..

فلا أنا ميت ولا أنا سليم فقد حزت رقبتي ألياف التقصير..

هذه المذكرات لها قصتها..

كل حرف منها سجل في مكان على امتداد الخارطة..

الآن حين أعود إليها أقرأ فيها مساحات المكان والزمان..

أرى فيها الشخصيات والأحداث..

وأحمل ماتبقى من أوراقي وأقلامي التي لم تتغير منذ أن بدأت الكتابة..

هل أنشرها يا “أخي”؟!

وبأي صورة سيراني القارئ من خلالها؟!

كتبت فيها “فرق بين المنهج والسالك”..

هذه الأيام تدور لتضعني في طرف معادلتي..

وهذا درس من دروس السنن أراه يتحقق في نفسي بعد أن تأملت فيه مراراً في الأطياف من حولي..

ربما أعود بعد أن أرى تأثير رسالتي هذه على القارئ..

كم منهم سيشارك برأيه..

وكم رسالة ستصلني لتؤيد النشر أو لتطلب مني الرحيل في صمت..

“ولنا لقاء”..

 

(الصورة بعدسة: إياس السحيم)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

عالم الظلال

8624483788_2693887619_z

صديقي المصور الفرنسي عالم من الظلال..

يحملني في لقطاته إلى الأرصفة والشوارع المظلمة المليئة بالهائمين..

معه أعيش في المدن بلا ألوان..

أراقب الملامح وأقرأ المشاعر..

هناك لارتوش ولا أقنعة..

تظهر الوجوه بصورتها الأصلية ممتلئة بتعبها وهمومها وقسوتها وصدقها..

فاجأني بعمق اللقطات..

توقعته مصوراً مراهقاً بكاميرته ولكنني قرأت قصص المجتمع وطبقاته وتشرده في صوره..

هذا رجل يحمل قيمة ويرسلها للآخرين من خلال صورة..

تعجبت كذلك من تجمع اللقطات أمامه..

وكأنه يحمل كاميرا في عينه جاهزة ليلتقط اللحظة..

لحظات ناطقة برغم جمودها وظلالها..

الأمر معه ليس صورة ليملأ بها ذاكرة كاميرا..

إنه رحال صامت في عالم ممزق مترابط من حوله..

يسير الكل فيه بلا لقاء..

بلا امتدادات ولا ارتباطات..

تكاد تشعر بشفافيتهم وبيدك تخترق صدورهم لتلامس ماخلفهم..

ايه يا صديقي..

رحلت معك كثيراً هذا المساء..

 

(الصورة بعدسة: Fer Montero)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

لمقلتيها

6860621816_b70b6cdab3_z

أيها الـعيد خـذ سلامي إليها.. كل حرف في العيد يرنوا إليها..

غادة قد روت في الحب سراً.. وجمال قـد حـار في شفتيها..

وحـنين مـع الـزمـان تـهـادى.. بــثــبـات وحـط بـيـن يـديـها..

أيها الـعـيـد قـد طـواني بعاد.. فـعـسـاها تجود من مقلتيها..

كل عـيـديـتـي لـقـاء بسيط.. يـبـعث الروح في أسير لديها..

(الصورة بعدسة: Mr. Puffy)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

ـ

أرقام

أرقام

لم تكن تفهم شيئاً من تلك الأرقام المكتوبة على المرآة.. وكان هذا الأمر يزعجها كثيراً فقد تعودت أن تقرأ كل صغيرة وكبيرة في ذهن رفيق دربها، لكنها أمام مجموعة أرقام كتبت بالكحل الأسود على مرآة غرفة النوم شعرت بالعجز عن فهم حبيبها.

كانت الأرقام تزداد يوماً بعد يوم.. وكلما واجهته بسؤال عنها يكتفي بابتسامة ثم يغير الموضوع ولا يعطيها فرصة للعودة إليه.. وهكذا تجد نفسها في النهاية وقد خرجت من معركتها بابتسامة يمكن أن تكتسبها في كل مرة فمن عادته.. أن يحدثها وهو مبتسم.

هذه المرة شعرت بتأزم الأمر.. إذ وجدته بدأ في العمود الخامس من الأرقام المتسلسلة.. كانت تعلم أن كل رقم منها يعني يوماً من حياته فتسجيل الأرقام الجديدة هي أولى مهامه في الصباح إذ يمسك بقلم الكحل ويسجل رقماً قبل أن يغادر البيت متوجهاً إلى مكتبه.. ومع حرصه على تجنب الأمور التي تزعجها إلا أنه كان يصر على هذه العادة حتى امتدت خطوط الأرقام لتشكل أربعة خطوط بطول المرآة وخطاً بدأ في الظهور هذا الصباح ليكمل مشوار الغموض الذي بدأ وعجزت عن التعرف على معالمه.

قررت هذا اليوم أ ن تفاتحه في الأمر مرة أخرى، ولكنها لن تعطيه فرصة للصمت ككل مرة.. بل لابد من معرفة هوية الأرقام ولكنها قررت أيضاً أن تهيئ نفسها.. فهي تعرفه قوي الحجة إذا أراد النقاش.. وهذا هو سبب بقائها منذ أن استيقظت في مواجهة المرآة تحاول التفكير في الأرقام.

قطع تفكيرها صوت الهاتف لكن سرعان ماعادت إلى التفكير والتأمل في الهاتف الملقى بجانب السرير ترى هل هناك علاقة بين الأرقام على المرآة وبين أرقام المصاريف المتنوعة؟ الفواتير وماشابهها. ولكنها استبعدت هذا الخاطر لأنه لم يفكر من قبل في تدوين هذه الأشياء، وبالرغم من تكاسلها وعدم رغبتها في الحديث إلا أن الرنين المتواصل جعلها ترفع الهاتف لتنهي ذلك الإزعاج،جاءها صوت صديقتها وقريبة زوجها ندى التي تعرف الكثير من عادات زوجها وعاداتها وربما تساعدها في التفكير.

وصلها الصوت مبتسماً كعادته:

–        كيف أصبحت أيتها الكسولة؟

–        بخير ولله الحمد.. ليس كسلاً أنا مستيقظة من الصباح ولكنني أفكر.

–        فيم، يبدو أنه أمر مهم!!.

–        أفكر في عبداللطيف.

–        ماذا به؟

–        اسمعي سأقول لك شيئاً وحاولي التفكير معي ولكن لا تخبري أحداً.

–        منذ بضعة أشهر بدأ عبداللطيف في تسجيل أرقام على مرآة غرفة النوم.

–        أرقام ماذا؟

–        لا أدري.. وهذا هو سبب التفكير.. أريد معرفة سر تيك الأرقام.

–        ربما كانت أرقام هاتف مهمة أو غير ذلك.

–        لا.. فالأرقام أرقام تسلسلية.. بمعنى أنه بدأ من الرقم واحد واستمر الأمر وهذا الصباح وصل إلى الرقم 145.

–        غريب.. ما معنى هذا؟

–        نعم غريب وهذا ما يحيرني. فهو يسجل كل يوم رقماً واحداً فقط.

–        هل سألته؟

–        نعم.. سألته ولكنه اكتفى بابتسامة وهذه عادته إذا حدثته عن الأرقام.. وبعد ذلك يغير مجرى الحديث.

–        هل هناك أي تصور في ذهنك عنها؟

–        في الحقيقة لا.. ومما زاد فضولي حرصه على المتابعة.

ضحكت ندى ثم قالت:

–        تخشين من وجود امرأة أخرى.

–        لا أبداً.. عبداللطيف ليس من النوع الذي يفكر بهذه الطريقة.

–        تعجبني هذه الثقة.. ستريحك كثيراً.

–    في الحقيقة يا ندى هو رجل مثالي في تصوري.. يطلعني على كل أموره.. يشاورني في كل شيء.. إلا أنه في هذا الأمر لم يخبرني أي شيء من شأنه أن يساعدني.

–        غريب فعلاً.

–        نعم غريب.. أستطيع أن أقول إنني أفكر في أفكاره قبل أن يفكر هو فيها.. ولكن الأرقام …

وندت عنها صيحة أشعرت صديقتها بمدى ضيقها وانشغال تفكيرها.

–        وماذا قررت؟

–        أريد الحديث معه.. هل توصلت لشيء بخصوص الأرقام؟

–        في الحقيقة يا غيداء لا.. ظننت أن الأمر سيكون سهلاً.. ولكن أحتاج لوقت كي أفكر.

–        حسناً يمكنك أن تفكري، ولكنني لن أنتظرك بل سأفاتحه اليوم في هذا الأمر.

–        جيد.. ولتحذري أن تغضبيه.. وإن آثر الصمت فلتحترمي رغبته.. حتى لايحدث بينكما مشاكل.

–        لن يحدث شيء بإذن الله.

ثم دار حديث بسيط بين الصديقتين عن الأطفال والمنزل والأسرة التي سيعقد اجتماعها السنوي قريباً والمواضيع التي ستطرح في الاجتماع.

انتهت المكالمة عادت غيداء إلى مكانها أمام المرآة وبقيت تفكر، ثم قامت بهدوء إلى الهاتف وأدارت رقم عبداللطيف.

وصلها صوته السعيد:

–        أهلاً حبيبتي.

–        مرحباً حبيبي.. هل ستذهب إلى أي مكان بعد عملك؟

–        لا.. سأعود إلى البيت كالعادة.. هل تريدين شيئاً؟

–        أممم… أفكر أن أدعوك لتناول الغداء في الخارج.

–        وأنا موافق.. وبعد ذلك يمكن أن نتوجه إلى البحر لنكمل اليوم.. مارأيك؟

–        ممتاز.. إذاً سأهيئ أغراض الرحلة.

–        اتفقنا..

وصلتها ضحكته ثم تابع:

-ولكن أنا لا أقبل بأي مكان.. أريد مكاناً فخماً.

ابتسمت له ووعدته بمكان يعجبه ثم أغلقت السماعة وبدأت في ترتيب الأغراض.

وصل عبداللطيف في موعده.. ووجدها تنتظره ولم يضيعا وقتهما بل توجها مباشرة إلى مطعم صغير يقع على الكورنيش.. كانا قد زاراه من قبل ومع وجود منظرا لبحر شعرت بأن الجو مهيئاً لكي تفاتحه في الأمر.

–        عبداللطيف.

–        يا عيونه!

–        أريد أن أسألك عن الأرقام.

ابتسم لها وساد الصمت.. ثم رفع رأسه ونظر إليها:

–        لماذا تشغلك؟

–        لأنها أمر محير فعلاً.. لقد حاولت معرفتها ولكن …

–        ولكن انسيها فهي ليست مهمة لأحد سواي.

–        مايهمك يهمني.

بدا على وجهه أن يفكر في كلامها.. وتركته فهي تعرف أنه يمكن أن يخبرها إذا شعر بالرغبة في ذلك. ثم سألها:

–        هل ترين أنها أفسدت حياتنا؟

–        لا..لا.. لم أقصد ذلك.. ولكن لا أحب أن أشعر بوجود أسرار في حياتنا.

–        اسمعي غيداء.. لن تصدقيني إذا بحت لك بسرها.

–        أعلم أنك لا تكذب.. قل وسأصدقك.

بدا عليه التردد..ثم قال:

–        حسناً ولكن لا تناقشيني في الموضوع أبداً..اتفقنا؟

شعرت بالسعادة وقالت:

–        اتفقنا.

–    منذ فترة حصل بيني وبين أحد الزملاء موقفاً أزعجني.. وهذا الأمر طبيعي يمر بنا كثيراً.. ولكن المشكلة هي أنني لاأملك ماأدافع به عن نفسي.. ولذلك شعرت بالظلم.. ولأنني متعود على تجاوز هذه الأمور فقد قررت أن أصمت.

–        ثم؟

–        لا شيء.. ثم بعد ذلك بدأت أسجل الأيام التي مرت على هذه الحادثة؟

–        لمه؟

رفع رأسه ونظر إليها.. كانت نظرته بعيدة شعرت أن صاحبها لم يعد في العالم معها. ثم قال:

–        لأنني أريد أن أذكر نفسي أنني ظُلمت.

–        عبداللطيف.. أنت لا تحقد على أحد.

–        ليس حقداً..ولكن هذا الأمر سيبقيني بعيداً عن الناس.. لست في حاجة إليهم.

حاولت أن تتابع النقاش..ولكنه ابتسم لها ثم قال..

–        لاتنسي اتفاقنا.

ابتسمت وصمتت.. ولكنها في نفسها كانت تفكر.. أي قسوة هذه هي التي جعلت عبداللطيف يفكر هكذا.. لابد أنه جرح جرحاً بليغاً.. كم هي الأمور التي نخسرها في حياتنا بقسوتنا على من حولنا.

انتهى الكلام في الأرقام.. وعادا يتحدثان عن أمور حياتهما.. كانت تعلم أن الأيام ستنسيه.. أو على الأقل لن يبقى في نفسه شيء.. ولكنها تعلم أن هذا الجرح سيظل ينزف في قلبه الرقيق.. وتعلم أيضاً أنه سينسحب؟ من جرحه إلا أنه سيرحل بعيداً..بعيداً عن دنيا البشر.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

البيادق

 8975858457_5b57350069_z

كتبت سابقاً عن الشطرنج.. ليس من حيث الحل والحرمة وإن كانت هي الأصل، ولكن من ناحية أخرى هدفت من خلالها العيش في آفاق تربوية تأملية. وقد لقي الموضوع صدى متبايناً في نفوس الكثير.. فعاش البعض في آفاقه وبقي البعض يفكر ويعيد النظر في المعاني، فيصل لأمور ويبتعد عن أخرى ويتقلب في رحال الموضوع.

اليوم أعود ثانية للشطرنج.. ولكن ليس للرقعة بل للبيادق، أي لاعبي الرقعة. فإن كنا قد قلنا أن حياتنا تشبه رقعة الشطرنج في بعض جوانبها فإننا من ناحية أخرى لابد وأن نكون بيادقاً نتحرك ضمن إطار الرقعة.

الحركة المختلفة للاعبي الشطرنج تغطي الحركات المحتملة لدينا.. فالمسير البطيء الثابت في المقدار والاتجاه.. أو الوثوب في حركة جانبية وتخطي كل العراقيل.. والمشي بشكل قطري وضمن إطار واحد ثابت في الشكل والمضمون.. والحركة الحرة في كل اتجاه وبأي مقدار.. كل هذه حركات سنراها من خلال أقل معرفة ونتعرف عليها وعلى نتائجها.

–       يمثل الجندي أقل التحركات.. إذ يتحرك في اتجاه واحد وبخطوة واحدة. ولكنه من خلال هذه الحركة توفر لنا:

* التغطية لمن بعده من البيادق القوية.. وهو بهذا يعطي صورة للتضحية في واقعنا، نتعلم من خلالها نموذجاً متميزاً للجندية المنتجة المضحية. فما ضر أن يتنازل من أجل بيدق هو في الحقيقة أكثر نفعاً.. وما ضر أن يعترف بأنه أكثر فائدة.

* التقدم وإحراز النتائج.. وامتلاك مربعات جديدة، وإضافة حدود جديدة لي.. فعلى الرغم من البطء والمحدودية إلا أن التأثير موجود.. فلا يحقرن أحد دوره في الحياة.. فالكل يعمل، والكل يبذل.. ولو كان البذل يسيراً فإنه سيثمر.

بل ربما تزداد الثمرة بوصول الجندي إلى آخر الرقعة.. وهنا تنتهي مهمته.. وتكتمل رسالته.. ويصل لدرجة أعلى من البذل حين يعيد إلى الساحة بيدقاً آخر يكون قد أصيب في مرحلة من مراحل اللعبة وخرج، يعيده ليواصل العمل.

* القضاء على بعض بيادق الخصم.. ليمهد حركة البيادق الأخرى التي تقف بجواره.. ولينهي تحركات خصمه.

وبودي أن نتأمل في الرقعة.. فلكل حجر دوره في المعركة.. وبينما تقف البيادق الكبيرة في الخلف.. نجد هذا البيدق قد وقف شاهراً رمحه في وجه عدوه.. ضاغطاً على أسنانه في عزيمة وإصرار.. وباذلاً في صمت نتعلم منه.

–   ونرى القلعة قد احتلت أطراف الرقعة.. وبحركة حرة غطت الأمام والجانب.. موفرة حماية لبقية البيادق ومشكلة خطراً يعرفه أهل اللعبة.

–   ثم ننتقل إلى الفيل وحركته القطرية الغريبة.. وظاهرة التخصص في الحركة.. وتغطية جانب معين من الساحة.. ومع أن أحدهما يتحرك ضمن المساحات السوداء فقط إلا أن النتائج المشرقة التي يحرزها، وكذلك المصالح التي يحققها تجعله يبقى في مكانه المظلم راضياً.. وكأنه في واقعنا يقول بأن لابد من رجال يعملون في الليل لينام المجتمع آمناً.. كما ولابد أن يعمل أشخاص في الظلام ليحمي الآخرين ولتبصر الأمة النور.

–   الحصان.. لاشي يقف في وجهه فحركته المتميزة تؤهله لتجاوز أي عقبة أمامه.. تماماً كما يحدث في حياتنا.. حيث يستطيع البعض تجاوز العقبات الموجودة.. وهذا التجاوز في الحقيقة يحتمل أن يكون بطريقة مشروعة صحيحة.. ويمكن أن يكون بطريقة أخرى غير شرعية.. ويحكم الأمر هنا إيمان الشخص.. وتؤثر الهمة كثيراً في حياة البعض.. الكل يمكن أن يكون حصاناً.. ولكن البعض يحب أن يبتعد عن الأمور العالية.. ويرضى أن يكون دائماً في الأرض.. فروحه لم تألف التحليق.

–   وبنقلة واحدة فقط نصل إلى الوزير.. ذلك البيدق الجبار، الذي يتحرك في كل الاتجاهات.. فليس لصلاحيته حدود.. فهو وثاب دائماً.. ومصدر خطر كبير.. ولذلك فهو مؤثر، ويستحق بجدارة أن يكون موضع ثقة الملك.

–   وأخيراً نصل إلى الملك.. ومع أنه أقل البيادق حركة.. إلا أنه أكثرها تأثيراً.. فهو الموجه والإداري.. وباسمه تتحرك كل البيادق.. وبنهايته تنتهي اللعبة.

والآن..

رحلنا مرة أخرى مع الشطرنج.. ولو تأملنا قليلاً لوجدنا في كل شي حولنا رابط يدفع لعمل.. ولكن لمن؟ لعالي الهمة..

 

(الصورة بعدسة: Fer Montero)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

ثلاثة شروط

مطار

20/8/2011م

منزل أمي (الغرفة الصغيرة).. الساعة 5:20 فجراً

صباح الخير.. مساء الخير.. لافرق، فالأوقات تتشابه.. صولات النهار يقابلها جولات الليل، بين العمل والعمل تدور عجلة حياتنا، تستهلك دون أن نشعر وفجأة تنكسر فنقع، في قيامنا وسقوطنا ودوران العجلة نمر بالعديد لنلقي عليهم التحية، سواء شعرنا بذلك أم لا، استشعرناه أم لا.

عودة الطائر

Picture2

اليوم الخميس.. الساعة العاشرة ليلاً.

قطرات المطر تلمع تحت أضواء المصابيح العتيقة.. وقلب منكسر يسير وحيداً.. يعبر فوق الجسر الخشبي ويقف لينظر إلى النهر ويتأمل.. القمر يتكسر على الأمواج والمطر يفسد سكون الماء.. وتحت قطرات العاصفة الوليدة يمضي يتجرع همومه.

هل كان يتوقع أن يرحل عنه الجميع إذا كبر ليتركوه يواجه الحياة وحده في سنيِّ شيخوخته؟.. هل تصور أن قلوب من وهبهم قلبه ستقسو عليه.. تتخلى عنه وقت حاجته؟.. هل خطر بباله أنه سيعود وحيداً بعد أن كان لديه بيت وأسرة؟

أفاق من تأملاته على صدى خطوات تعبر الجسر.. لم يلتفت إلى القادم.. تلاشت الخطوات مع قطرات المطر.. وعاد إلى تأمله.. السكون والحنين وضوء مصباح يتمايل ليشعره بالوحشة أكثر.. في هذه البقعة البعيدة عن المدينة. ترك مكانه على الجسر وتوجه إلى الغابة.. هناك حيث قرر أن يقضي بقية أيامه في هذه الحياة ولن يرافقه أحد. في بقية أيامه

بدأ يعتاد على حياته الجديدة.. خروف ونعجة.. وبعض دجاجات توفر له البيض.. وكلب حراسة قوي ووفي.. ومنزل صغير وسط مساحة خضراء.. يمر بجوارها جدول صغير.. وأشجار متناثرة تزيد من عزلة المنطقة.. وكأنها تساعد الرجل في بعده عن الناس وبقائه وحيداً.

–        أوه لماذا تنبح يا قمر؟ ماذا وجدت هناك..

جرى حيث وقف كلبه يتأمل في الأرض ويشم كأنه يريد لفت الانتباه لشيء.

–        أوه.. طائر جريح.

رفع الرجل الطائر الخائف.. وتأمل في جناحه..

–        إنه مكسور لنحاول أن نعمل شيئاً من أجله.. يبدو لي أنه قوي وهذا سيساعد على شفائه.

توجها إلى المنزل الصغير وبدأ في عمل جبيرة للطائر.

–        والآن يا صغيري.. سأسميك غريب.. وسيكون هذا الاسم لك مادمت ضيفي في هذا المكان..

ثم أدار ظهره والتفت.. ولكنه عاد إلى الطائر وهمس بحزن..

–        بل أنا ضيفك.. أنت صاحب المكان الأصلي.. أما أنا …!

وترقرقت دمعة مسحها بكمه.. وخرج من المنزل.

–        هيا يا قمر.. لابد أن ننهي واجباتنا هذا اليوم.. لا تخف على غريب سيكون بخير.

الأيام تمضي سريعة.. وغريب يتماثل للشفاء في تقدم ملحوظ.

–        والآن يا صغيري.. يمكنك أن تطير خارج المنزل.. وستعود إلى عالمك الفضائي الواسع.

–        تعال يا قمر سنودع صديقنا..

جرى الكلب خلفه وهو يثب فرحاً.

وفي وسط الباحة المحيطة بالمنزل وقف الرجل ومعه الطائر.. بسط كفه.. وابتسم وهو يشير إلى الطائر المحلق.

الحمى تشتد.. والليل يطول.. وهذه الغربة لا ترحم ضعفه.. وقمر قريب من صاحبه يئن لأنينه.. ويقترب ليدفئه بجسمه في ليالي الشتاء الباردة.. والسحب تحجب القمر وعوي ذئب بعيد.. وأصوات الرياح تحرك الأشجار.. وصوت خافت ينادي.. ابني.

أشرقت شمس النهار حاملة الدفء والسعادة.. واستيقظ الرجل يربت على ظهر صديقه ويبتسم له..

–        كانت ليلة قاسية أليس كذلك؟

اكتفى الكلب بصوت يدل على الألم.

–        لقد شعرت بك بجانبي.. هانحن يا قمر غريبان في هذه الغابة.

رد الكلب بنباح.

ضحك الرجل..

–        لا تحب أن تشعر بالغربة.. نعم أنت محق.. هذا عالمك أنت أيضاً.. لايمكن أن تكون أنا.. على كل حال نحن متفقان.. لكل منا عالمه.. هيا بنا لنحضر الماء.

هل نجد صور الوفاء في كائنات لا تعقل؟ هل نراها انتهت من حياتنا؟

قطع ابتسامته صوت أجنحة فوق رأسه.. رفع رأسه وابتسم..

–        هذا أنت يا غريب.

نبح الكلب في سعادة.

–        لقد تذكرتني ولم ترحل.. إذا يا غريب عرفت مكان عشك. قالها مبتسماً.

مرت الأيام هادئة.. وفي زاوية المساحة الخضراء رقد جثمان الرجل.. وقريباً من قبره وجدت بقايا لجثة كلب ضخم.. آثر أن يموت على قبر صاحبه.. وفي المنزل عش صغير يحوي رفات طائر.

هذا كل ما بقي لجيل من الغرباء.. رحلوا عن كل شيء.. ليجدوا الوفاء في مساحة من الغابة.

 

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com