التمساح

a

” وبدأت سلسلة روايات تعتمد على التصورات الشخصية في مواجهة النصوص دون أن يستوعب المتحدث موقف “القياس في مواجهة النص” أو حتى الاجتهاد ومعارضة الدليل”

 

هل راقبت التماسيح وهي تصيد وقت هجرة الحيوانات؟

تضطر الحيوانات أن تعبر النهر حين يتربص بها الموت. فكٌ هائل يقتل بلا حاجة، ولا تمييز، المهم الحصاد والعودة لاحقاً للفريسة.

بين البدء والمنتهى

9416139337_2a2823c4a7_b

* مرحلة التعبد: كانت الصحراء في القلوب البعيدة عن الدين أشد من صحراء الجزيرة العربية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفر منها إلى واحة التعبد في الغار، وبقدر صمته عليه الصلاة والسلام كانت المعاني تتحدث في قلبه وعقله، وخرج من التأمل بالتعبد، وخرج من التعبد باستعداد للرسالة. كان الغار مكاناً محسوساً لتهيئة غير محسوسة، كان التكاليف بداية مرحلة جديدة، ختمت الأعمال الصالحة بالبشارة، فجاء الوحي في وقته بعد أن استعدت النفس لتحمل الرسالة الجديدة، النبي الأمي يخاطب باقرأ النبي العربي يبعث للبشرية كافة. وكوفئت البشرية بالصادق.

* الحضارة البائدة: لمجتمع مكة الوثني كان مفهوم الحضارة محصوراً في ممارسات التجارة والرحلات، وكانت الغارات والبطولة والفروسية والكرم نياشين يفخرون بها، فجاء القرآن بنماذج حضارية مذهلة، تفوقت في كل المألوف لدى العرب، فالتجارة العربية البسيطة لم تعد تذكر أمام كنوز قارون، والقوة والعمران ذبلت أمام مبانٍ نحتت في الجبال وتماثيل عانقت السماء، والعدد والجيوش لم يعد لها وجود أمام إمبراطوريات ممتدة في الشرق والغرب، وحتى من عرفوا شيئاً من الرسالة شعروا بالذهول لنبض الصحراء الناطق بقصص حضاراتهم وتاريخهم، كان كتاب الحضارة أشمل وأوثق وأروع من الأساطير المروية وقتها، وقوة الرسالة حبكت المواضيع وألبستها لحمتها المتينة، وكان متن الحضارات.

* القرآن وثيقة: يا أمة الوحي وحملة الرسالة، لم ينشغل القرآن في السرد القصصي التاريخي، بل أصل وفرع، وجمع ماتبعثر في الأمم، فجاءت قوانين العبادة والمعاملة، ووضعت قواعد التجارة والموالاة، وشرحت المسائل والأحكام لضمان سلاسة العمليات وجودتها، كانت وثيقة تحدٍ لعقول البلاغيين والعاملين في مختلف القطاعات، وطرح التحدي الكبير واستمر، فلم يأت أحد بمثله، ولا بآية منه، فنظم سير الأمة ووحد كلمتها، ووضع أطرها وقوانينها في سلمها وحربها، وانتقل عبر الأجيال محفوظاً من التحريف، حاوياً للمنهج، دليلاً لكل الأجيال.

* الكهف: الأمر ليس ادعاءً، اقرئوا ان شئتم جمال التوجيه للعبادة والثبات في قصة أصحاب والكهف ورجل الجنتين، وشاهدوا الفرق بين المؤمن والمكابر، وتعلموا مراتب العلم من موسى والخضر، وانتبهوا لأدبه في لفظ الارادات. وتأملوا قوة الإيمان في الملك المؤمن ذو القرنين، وابتسموا لنسبته الفضل لله ولتوجيه القوم للاعتماد على أنفسهم، وتنقلوا في رياضها بين جمال اللفظ وحكمة المواقف، هذه الوثيقة الأسبوعية حوت سلاسل من أمم وحضارات، دارت في مسارات متعددة، وجمعها مناد الإيمان في كل مسار، نقف معها كل جمعة لنكسر عجلة مدنية تبعدنا عن الطريق، ولننعم بهدوء في ظلالها، ثم نسلم الأمر كله لله متبرئين من حولنا وقوتنا، لائذين بحوله وقوته.

 

(الصورة بعدسة: Mr. Puffy)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

السنجاب

6250498399_cef87b8a27_b

هناك تشابه بصورة من الصور، بيننا وبين بعض الحيوانات الأليفة التي نسمع عنها وربما رباها البعض منا. ولنأخذ مثلاً على ذلك السنجاب، حيوان جميل يعيش في الغابات، ولأن الجزيرة صحراوية فهي لاتمثل الموطن المناسب له، مع أنني قد اقتنيت واحداً وكنت أشعر بالتميز لأجواء الخيال التي أضافها إلى منطقتي الفكرية.

القفص الصغير الذي هيأته له كان يمثل بيئة الاستقرار التي أحلم بها ويحلم بها كل موظف، كما وأن الدولاب الخشبي الذي يجري داخله كان يمثل طرق وصولنا إلى أهدافنا، وحالنا في الجري واللهاث يشبه السنجاب الصغير المنطلق داخل العجلة.

لا يتعدى واقعنا القفص، بينما تنطلق أفكارنا إلى الخارج بسرعة مذهلة، وكأننا وصلنا إلى قمة مساحة الحرية في بيئة السنجاب الحقيقة وارتقينا آمالنا بسرعة ارتقائه اشجار الغابة.

بعض الناس يخلطون بين الواقع والخيال، فيرفض الاقتناع بأنه محبوس في قفص، محبوس في الوظيفة، أو في المنزل المسـتاجر، أو في المؤهل المتواضع، أو في الطموحات الصغيرة. ويصر أن يجري مغمضاً عينيه ويشعر بملامسة السحاب والسماء الواسعة من حوله، ويحقق لنفسه السعادة، ولكنه لن يجرؤ على فتح عينيه، لأنه سيصطدم بلا شك بالدولاب الذي يجري داخله أو بجدران القفص.

كلنا يريد مساحة الاستقرار هذه، ولكن هناك فرق بين شخص وآخر في تعاملنا مع المعطيات وواقعيتنا في الحكم، الحياة التي نصنعها بخيالنا لاتمثل حقيقة عند الآخرين، وربما كانوا يعيشون الوهم نفسه، ولكنهم أقدر على رؤية أوهام الآخرين، من التبصر بأوهامهم.

الدولاب هو مفذنا الوحيد للحرية والإنطلاق، سنظل نجري داخله محققين الوصول إلى الأهداف، ثم ننزل مرة أخرى مرتطمين بإناء واقعيتنا أو بماء عيوننا المبعثرة على الأرض الصغيرة للقفص. وبالرغم من ذلك فالجري يشعرنا بالرضا، وقد نقنع أنفسنا بوصولنا إلى الرضا وعدم الأسى على مالم يتم تحقيقة ومالم نلامسه، ولكن الرضا الذي سيتشكل في داخلنا ليس الصورة الصحيحة التي يراها من هم في الخارج.

في الخارج هناك عالم أكبر من عالم الداخل.. وهناك عيون تراقبنا:

–       فعين هي التي تسببت في وضعنا في القفص، وقد يتم ذلك الأمر بعدة طرق:

* بطريقة مباشرة من خلال فرض القيود الفكرية والنفسية علينا.

* بطريقة غير مباشرة من خلال إعطائنا صور وهمية أشبه ماتكون بالتنويم المغناطيسي، وعلى المدى البعيد أدى ذلك إلى غياب الحقيقة عند الكثير واقتناعه بأن القفص هو البيئة الحقيقية.

–       وعين ترانا وتبتسم لنا في حال نجاحنا في التأقلم مع بيئتنا الصغيرة، ولكنها لم تساهم في تحريرنا، وقد ترى أن هذا المكان حقيقي بشكل من الأشكال، وهو الأنسب لإمكانياتنا.

–       وعين سنجاب حر يجري بين القفص وبين الأشجار في محاولة لاستدراجنا وتحريرنا، واقناعنا بأن نتبعه إلى الخارج حيث الحياة الحقيقة. ومشاعره تتأرجح بين أمرين:

* الألم لرؤيته واحداً من بني جنسه محبوس في يد صياد.

* العجب حين يرى سنجاباً مقتنعاً بالعيش في قفص، متخلياً عن المساحات الواسعة في الخارج.

بالنسبة لي هناك فرق بين بيئة حتى لو كانت صغيرة ومليئة بالمخاطر ولكنها حقيقية، وبين بيئة توفر لي الحد الأدنى من الاحتياجات، أو توفر لي كماليات لا أريدها وافقد ضروريات أنا في أشد الحاجة إليها.

والبيئة الخارجة على خطورتها إلا أن فرصي في الحياة فيها أكبر. وبالمقارنة بين الداخل والخارج سنصل إلى الآتي:

–       الخطر الداخلي.. يتمثل في: نسيان أوقات طعامنا، غياب العناصر الرئيسية في المعطيات التي تلبي احتياجاتنا ويتم تقديمها لنا، العبث من الأطفال، ونوبات الغضب التي تعتري المنعم علينا بالقفص، وغير ذلك.

–       الخطر الخارجي.. يتمثل في: كواسر تسعى لاقتناصنا، صيادون يريدون وضعنا في قفص، وغير ذلك.

ولكن فرص النجاة في الخارج أكثر.. فلن تجد سنجاباً يستسلم لصياد أو لكاسر من الوحش أو الطير، ولكن المساحة الضيقة في الداخل ستجعلنا في متناول كل يد تريد إيذائنا، وفي النهاية تمرض قلوبنا ونموت أو تموت.

 

(الصورة بعدسة: Barbara)

تجارب

6845819747_f66d981ee5_o

7/8/2011م

المملكة (البهو).. الساعة 8:15 مساءً

من قال أن التجارب فريدة؟ من منا مر بتجربة لم يمر بها غيره؟ قد نمر بتجربة نادرة، ولكن قطعاً لن تكون الوحيدة، المكان يذكرني بأمور أخرى ولكنه ميت مقارنة بالآخرين، عدة معطيات تتحكم في الشكل النهائي، رائحة القهوة التي تصلني تسبب لي الصداع، ليست احترافية بدرجة كافية، الوقت، الموسم، الحركة، والكلمات التي تصلني من هنا وهناك بأكثر من لغة، النظرات التي تبحث عما تريد من حولي، هل سيكون هذا الشخص أم ذاك؟ أتوقع السؤال يمر بعدة أشخاص ممن مروا علي.

المدينة الصناعية

6646218209_6c685218af_o

في العقد الأخير من عمري ارتبطت بالمصانع بشكل كبير.. ومع أنني أحب حياة الريف إلا أن العمل داخل المدن الصناعية وبين الآلآت كان مريحاً لي بشكل أكبر من رفاهية المكاتب. ربما يعود السبب إلى أن التعامل مع الآلآت يعد أسهل مقارنة بالتعامل مع البشر.. وكلما اقتربنا من الإدارات العليا كلما زاد التعب في التعامل، واضطر الإنسان أن يلبس أقنعة وأردية تلائم المواقف التي يمثلها. ولكن المدينة الصناعية ببواباتها العملاقة، ومصانعها، ومداخنها، وطرقها الواسعة لا تبتعد كثيراً عن طبيعة النفس البشرية وصفاتها.

بوابة المدينة تمثل المدخل إلى النفوس.. وبالرغم من اتساعها فإن أوقاتاً تمر بالنفس تشعر فيه بقدرتها على احتواء البشر.. ثم تضيق هذه النفوس فتزدحم المواقف والذكريات والأشخاص.. وتختلط الصور وتمتزج الأصوات فلا تقبل منها شيئاَ ويكون تعطل في السير وتعطل في التواصل الاجتماعي بين الناس.

والحواجز الأرضية.. أو المطبات هي القوانين التي تسنها النفس للتعامل مع الأخرين.. فهناك خطوط لابد من التوقف عندها، وهناك خطوط تمنع التجاوز، ولوحات توجه السير، ولوحات تمنع المرور والدخول، وفي كل منعطف في النفس لوحة، وأمام كل وحدة إنتاج لوحة، وهذه هي النفوس التي تحيط نفسها بالعلامات لتضمن الاستقلال والحصانة. وما القوانين إلا الحياة التي تسن علينا شريعتها، فتحكمنا من خلالها.

الطرق الواسعة تضيق في النفوس.. وهي كذلك في المدن الصناعية.. ولكننا مع تعودنا على مشاكل طرق المدينة أصبحنا نعرف أفضل المسالك للوصول إلى أهدافنا دون أضرار.. أما النفوس فإن تغير اتساعها ينتج عن أهواء أصحابها، فلايمكن التعامل معها بوجه واحد، بل نضطر أن نتتبع رغبات الأشخاص علنا ننال في نفوسهم حظة، أو نجد طريقاً إلى قلوبهم.

أما المصانع العملاقة بمداخنها فليست سوى الأشخاص أنفسهم.. ففي كل نفس مدخلات ومخرجات.. معلومات وسلوك.. ولكن الفرق أن دخان المصانع وزيوتها أقل ضرراً من تنافس غير شريف، أو سلوك غير حميد، يدفعه الرغب والرهب، وتحوط به المصالح والأثرة. فيقع في خلد الإنسان أن التعامل مع المصانع بضجيجها أرق من التعامل مع البشر بعواطفهم الميتة.

إن ماتطلقه النفوس البشرية من الغازات المضرة بالسلوك والتربية والاسقرار النفسي أكثر بكثير مما تطلقه المصانع من دخان ومخلفات، كما وأن التعامل مع غازات المصانع وأضرارها أسهل بكثير من التعامل من الآثار السيئة التي تخلفه النفس الإنسانية في محيطها، بل وفي ابعد من ذلك المحيط.

ومع أن بعض المصانع البشرية تنتج، إلا أن بعض من لديه القدرة على الانتاج، ومعايير الإنتاج، لايسير بحسب الخطط الأفتراضية المرسومة.. فلا هو متقيد بمعايير الجودة في المنتج، من إحسان العمل، وبذل الوسع في الإنجاز، والمبادرة، والعمل بروح الفريق. ولا هو منتج بحسب طاقته الإنتاجية، وقد يخالف أصول الإنسانية فيحتكر في زمن الشح، ويبخل في زمن التضحية من أجل تحقيق العائد الشخصي دون العناية بالجو العام الذي يحوطه ويعيش فيه.

المصانع دلالة النهضة في الأمة، والبشر أيضاً لايقلون عن المصانع أهمية.. وكما نقوم بالصيانة للآلآت فإننا نحتاج إلى تقديم جدول دوري لتفقد الإنسان والعناية بالترسبات التربوية والفكرية التي تملأ عقله وقلبه وتسبب تأخر دورانه وإندماجه مع محيطه ومواكبة الواقع.

وكما للآلآت مواداً استهلاكية فكذلك الإنسان يحتاج إلى مصاريف تشغيلية.. فالابتسامة، والمعلومة، والخدمة، والهدية، والتواصل، والسعي في قضاء حوائج الناس، والكرم، وغير ذلك. كل هذه تمثل مفاتيحاً لاستخراج أفضل النتائج من الآخرين. وهي أيضاً تضمن سلامة المجتمع والعاملين فيه.

إن دخولي إلى المصنع في الصباح وأنا ممتلئ نوماً وخروجي منه آخر النهار باسماً متعباً مشتاقاً إلى أولادي.. أحب إلى من دخول مكتبي مبتسماً ورائحة القهوة تزكم أنفي، وخروجي منه آخر النهار مملوء هماً وضيقاً غافلاً عن أسرتي ونفسي بسبب ضيق صدري مما أسمع وأرى.

وفي كل مقارنة بين البشر وغيرهم أجد نفسي أخرج خاسراً.. لولا الرسالة والتكليف لما كان للنفس قيمة.

(الصورة بعدسة: شيماء kw)

الطبيعة القاتلة

6357313887_657e962190_o

أعشق الريف، لا أميل للمدن، وحتى في حبي للمدينة أحب مستوى معينٍ من الرفاهية والخدمات، لأن رحلتي عكسية، الأصل عندي هو الريف، الهدوء والطبيعة، كل التضاريس تأسرني، مهما بلغت قسوتها أو سمّيتها، يتساوى عندي البركان بغازاته، والبحر بأمواجه، والصحراء برمالها، والجبال بصخورها ووديانها. المرأة عندي عالم من الطبيعة، تحتوي كل التضاريس، وتمتد على طول الزمان والمكان في حياتي، مراحل عمري منذ الولادة وحتى لحظتي الحالية، وجغرافيتي المعيشية والدراسية والمهنية والسياحية.

الغابة الاستوائية غنية بالأشجار والمخلوقات، تعدد الألوان والأصوات والروائح سيربطني بتنوع المرأة في الكرة الزرقاء، ويوحي لي كذلك بتعدد طباعها وأساليب تعاملها، التنوع في الكم والكيف تاركاً لك الخيارات الغنية والقاتلة، الرائحة الطيبة والغاز الذي يمزق جيوبك الأنفية وصدرك ويتركك مختنقاً جاحظة عينك من الرعب والألم، المرأة في جمال ألوانها وسميتها الخادعة. في عطائها الامتناهي وفي شراكها الخادعة. تغريك الغابة بألوانها، تتابع الحيوانات في غفلة عن قسوتها، تتأمل جيوش الطبيعة غافلاً عن خطرها، تعانق الأشجار وغصونها والأرض تحتك أوتاد حادة تمزق قدميك، برغم جمال الغابات إلا أنها تحيط بك فتفقد الطريق تائهاً في تفاصيلها. برغم خارطة الألوان من حولك إلا أن الرطوبة تلتصق بك، تحاول خلع ثوبها فلا تقدر، تفقد احساسك بالجمال حين تشعر بالخطر، ومع المرأة يأتي الشعور بالخطر متأخراً، يأتي وقد قررت الانتحار بين يديها وفي محيطها.

اللون الأزرق الهادئ يفاجئك بارتفاع ليغرقك، هكذا هي المرأة في تقلباتها ومشاعرها المفاجئة، باردة متماسكة لآخر لحظة، ثائرة متحفزة لأقصى درجة، من الذي سيتعلم السباحة والإبحار؟! كلما أعطيتها أكثر رحلت معها أكثر، من لايعرف السباحة سيقف على الشاطئ يراقبها دون أن يفهم مابها، من يغامر سيتعلم أن يخوض في تفاصيلها ولكن سيبتلع الكثير من الماء قبل أن يتمكن من العوم، وكلما تمرس أكثر أصبح أكثر مهارة في السباحة والتعرف على التفاصيل، والبعض بحار وقبطان، يدير الوسائل من حوله ليرحل في محيطاتها بعيداً عن ضوضاء الجالسين على الرصيف أو المتمددين على الشاطئ. وبرغم القدرة على الإبحار تفاجئهم الأمواج في لحظة، أو تبتلعهم دوامة، أو يتوهون لتحرقهم الشمس والملوحة.

الرمال الذهبية الحارقة تكون موئلاً للناس في فترات الربيع، تشق جدب أرضها بزور حملتها الطيور والدواب، أو نواة تمر ألقاها عابر سبيل ذات يوم، الأرض المتناقضة بين القسوة والجمال، والماء المتحرك تحت أمواج الرمال، وفسائل النخل المتناثرة تدل على الحياة والخصب بصورة من صورها، تفاجئنا الصحراء باحتوائها لحيوات متعددة كما تفاجئنا المرأة الجافة التي لانتوقع أن لها قلباً ينبض في صدرها، أو نشعر بسريان الماء في عروقها كالماء في باطن الصحراء.

المراعي الخضراء الممتدة على طول شريط الأفق تشعرك بالسعادة، دلالات الخصب والتنوع كثيرة، الأرض تنتج، والبطن تنتج، نتاج الخير في المحاصيل وفي الدواب كثير بحمد الله، هذه الأرض كالمرأة التي تعطيك الذرية الطيبة المباركة، وتعطيك الحب والحنان والثبات في المواقف، سهلة كسهولة المرعى، خصبة كالأرض، طيبة كمحاصيلها، يمكنك أن تأوي إليها مكتفياً بحدودها، لكن روح المغامرة لدى الرجل تقوده أحياناً خارج حدودها، فيحرم من ثمارها، ويعود إليها وقد مزقته الأيام.

يظهر للمتأمل أن السهوب الخضراء كافية للمعيشة، وهي كذلك بالفعل لمن فقد روح المغامرة وحب الاستكشاف، وبينما يرى البعض البحر قاتلاً مرعباً يرى آخرين اللؤلؤ في أصدافه، والصحراء القاتلة الحارقة تمثل الخيار الأفضل للباحثين عن الصمت والهدوء، بين التفاصيل تنتقل، في عالم أقل مانصفه به “الاتساع”، عالم لانمثل فيه إلا القليل، نرتبط به ونعشق تفاصيل التفاصيل، نسعى لاكتساب المزيد من النقاط فيه، ونقف في لحظة لنجد أنفسنا وقد حققنا مانريد، وفقدنا شيئاً من ذواتنا.

المرأة متنوعة كالطبيعة، غنية كمعادنها، قاتلة كوحوشها، قاسية كتضاريسها، كريمة كبحرها، غامضة كالأعماق، محلقة كالسحابة، ساذجة كطفل، ماكرة كساحرة، تحب الخضوع، لكنها لاتحب الاحتقار والاهانة، المرأة تحتاج رجلاً يحميها، لكنها قادرة على مواجهة أقسى الرجال، المرأة ضعيفة، لكنها قوية يعتمد عليها، لذلك لا أتحدى المرأة أبداً، هذه الإنسانة المتناقضة مليئة بالرقة والقسوة، يمكن أن تكون كل شيء، الرحمة والعذاب.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

الاختبارات

962106_10151604137013921_1507915049_n

أنا لا أحب الاختبارات، لم أحبها حتى وأنا طالب في الكلية، زوجتي أكثر من عانى من ذلك، كنت أتعب كثيراً في فترة الامتحانات، مع أنني تخرجت بامتياز بحمد الله، البعض يقول هذا هو السر، والبعض يرى أنها فوبيا تستلزم العلاج، لم اهتم وقتها بكل هذه الآراء، ولازلت لا اهتم في الحقيقة، ولكنني أعرف أنني لا أحب أن يضعني أحد ليقيمني وهو قد يمتلك معايير وأدوات تؤهله لذلك وقد لايمتلك، وقد يراعي ظروفاً أمر بها وقد لايهتم، لا علينا فالمهم في هذه اللحظة تجربة مراقبة الاختبارات، فبدل أن كنت أجلس على كرسي الطالب أصبحت أقابل الطالب، ولم تتغير نظرتي للاختبارات ولكنني رأيت الزاوية الأخرى هذه المرة.

هذه المرة رأيت الإجابة النموذجية، وتعلمت منها أن الحياة لاتختلف كثيراً عنها، فعلى صعيد الفرد كلما تطابقت اجابتنا مع النموذج حصلنا على درجة أعلى، وعلى صعيد المجتمع تتساوى نتائج أعمالنا ويزيد التوافق بقدر ماتتطابق اختياراتنا.

في النماذج المتعددة للأسئلة يمكن أن نرى صورة التعددية في المجتمعات، تعددية دينية وفكرية وذوقيات واختيارات وأنماطاً من الشخصيات والسلوك، ولكننا في النهاية ندور في محيط محدد من الاختيارات، طرفين ومابينهما من مدى الاختيارات الواسع، ويحكم خياراتنا الواقع والفرص المتاحة، يحكمنا مؤهلاتنا ومجموعة مؤثرات من حولنا، ونختار مانريد، أو مانقدر على الوصول له.

وفي مسيرة حياتنا نتفاوت في ثقتنا بما في أيدينا، في إيماننا بما نفعل، وسيكون الحال مشابهاً لورقة تعرضت لمسح وتعديل ومراجعة تلو مراجعة، يمكن التعرف على الإجابة ورصد النتيجة في الورقة الواثقة بشكل أسرع، كما هو الحال في التعامل مع رجل يحمل مبدئاً ويدافع عنه ويقف في وجه الجميع ليعلن اختياره.

هذه الثقة لاتعني بالضرورة صحة الاجابة، والعاقل في الحياة من يدرس الفكرة جيداً ثم يؤمن بها وتضبط بالتالي خيارته وفق التصورات والأوامر التي تسنها، ويضع في عقله مساحة للمراجعة والتراجع، للتصحيح والاستفادة من الخبرات الأخرى.

في الحياة سنختار وستفرض علينا اختيارات، ولكن في كل الأحوال لابد وأن نلعب ضمن حدود القوانين التي تضعها الجهة الرقابية، أن نلتزم بالأنظمة بغض النظر عن مدى ايمانننا بها أو مخالفتنا لها، لايهم رأينا تجاهها ولكن المؤكد أننا سنعاقب بقدر تجاوزاتنا مالم يشملنا العفو.

المراقبة من الخلف تعطي رؤية وهمية في كثير من الحالات، فأنت لاترى العيون ودلالاتها، وكذلك العمل خلف الناس يخدع صاحبه ابتداءً، فمقابلة الجمهور ستعلمك الكثير، سترى في العيون لغة تفضح أصحابها، وترى في حركات الجسد وتعابير الوجه الكثير. لن تستطيع أن تعرف من ظهر الإنسان مدى حزنه إلا من خلال سقوط أكتافه واحدوداب ظهره، ولكنك سترى الكثير في وجهه، في ابتسامته ودمعته، وفي شروده وغيابه عن واقعه.

من يقف لايخطئ، وقد يخدع بهذا أيضاً، فمن يتحرك قد يخطئ وتفوته بعض الأمور، ولكن في حركته سيرى الكثير مما فات الواقف، سيرى توتر طالب تهتز قدميه في عصبية، وسيقرأ من خلالها مدة قلقه على غياب المعلومة في وقت الأزمة، ومحاولات استراجاعها، وسيرى طالب يحاول ستر بعض الأسئلة بيده فيعلم تردده وعدم استعداده للامتحان، وسيرى طالب  يرفع عينه بعد كل فقرة لتقابل عين المراقب ويبتسم، إنه يقول ها أنذا مستعد، أو على الأقل راضٍ بالدرجة التي سأحصل عليها.

الوقوف في الظل ومراقبة الواقع لاتعني الربح دائماً، التفاعل مع قوانين الحياة ومواقفها هو الإثراء الحقيقي، ومايفوت الواقف بحق هو المقارنة بين أخطاء الحركة مقابل فوائدها، وبين أرباح الوقوف مقارنة بخسارة التجربة.

في الاختبار هناك قوانين تضبط العملية، ومنها عدم تبادل الأدوات، ليحضر الطالب أدواته التي يعمل بها، ويتعلم الإنسان منها أن يكون مهيأ بما يملك، يدرس واقعه ويحضر مايساعده على التعامل معه والاستفادة من معطياته والعمل على تنفيذ واجباته.

هذا لايمنع وجود نقص في بعض الموارد، ولكن في حالة النقص سيكتشف الإنسان أنماطاً كثيرة تعيش حوله، بين من يبخل بالمساعدة مع تممكنه، ومن لايحب أن يفسد خطة وضعها فيترج من المساعدة خوف التأخر عن موعد الخروج، وسيرى كريماً يعطيه الآلة ويخرج دون أن ينتظر منه كلمة شكر أو حتى يسترجع الأداة التي منحها إياه.

اليد العليا هي الأفضل، وستشعر بالسعادة وأنت تعطي وستكون كلمة الشكر الأكبر في حقك ذلك الشعور الذي يملأ نفسك حين تقدم جزءاً منك للآخرين.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله السعد)