مشرقي في المغرب

مشرقي في المغرب

عبدالله السعد

حاولت الكتابة مباشرة قبل غياب أنفاس المكان، للمكان نبض وعطر، نفس نشعر به يلامسنا فينقل إلينا شيئاً من شعوره. بين مراكش والرباط مروراً بالدار البيضاء وقلاع الموحدين وقبور السعدين وساحة الفناء والراقصين والعرافين والحواة والكتبيين والفقهاء والمحدثين والقمم والنهر ومقاهي القهوة والشاي الأخضر ومطاعم الطاجين المنتشرة في كل مكان وعربات الحلزون والعاملين المهارة يتفننون في الطين والرخام والصوف والشعر والنحاس وصور التناقض في الأشكال والتوجهات واللغات وطاحونة الأعمال.

المغناطيس

13061616553_271c101165_o

 الألوان تعرِّف ولا تغيّر، الحقائق والأدلة نضعها ونميّز بينها بعلامات وألوان، هذه هي الفكرة ببساطة، ولكن الألوان لاتغيّر المواصفات، لاتعطي شيئاً جديداً، لو كان التغيير سهلاً لكان الإنسان ألف إنسان، كلما تعثر في مرحلة من حياته أبدل نفسه بأخرى.

المغناطيس بأقطابه أوضح مثال على ذلك، فأقطابه ليست حمراء ولا زرقاء، ولكنها موجبة وسالبة، اللون يدل عليها، لو أبدلت اللون سيبقى لكل قطب خواصه الأصلية، ولكل قطب تأثيرات على المحيط من حوله.

في تعاملاتنا مع الأقطاب سنخضع لذات القوانين الفيزيائية، سننفر ونصطدم بمن يتوافق معنا في الخصائص، سيكون من الصعب وجود قائدين في محيط واحد، حتى في عالم الغاب سيكون من الصعب وجود قائدين للقطيع، من الصعب البقاء في نفس المسمى لشخصين يحملان نفس التفاصيل، سيسعى واحد منهما للتميز والتقدم، صحيح أننا قد نجامل ونتعامل وتدور العملية، ولكنها تدور بتكلف كما نفعل حين نمسك قطبين من نفس النوع بيد واحدة محاولين فرض بقائهما ملتصقين. لاشيء يجمعها سوى القوة التي تتحكم بهما، سوى القانون الذي فرض بقائهما في منطقة واحدة متقابلين.

مهما اقتربنا في حياتنا الشخصية فسيبعدنا التشابه في المواصفات، نحتاج إلى التعددية لنتعايش، نحتاج إليها لنتكامل، يكون التكامل بلقاء الصفات الملائمة، لماذا ننجز جميعاً نفس المهمة؟ لنكل المهمة للأكفأ ولنقم نحن بما نحسن عمله، الموجب والسالب في المغناطيس هي مؤهلات ومواصفات، ضع نفسك في المكان الصحيح لتعمل مع الفريق بشكل صحيح وتنتج.

المغناطيس قائد موثر، غالب المحيط من حوله برادة تتجمع في انتظار توجيهه، الخير موجود فيها كالخير في الأرض المباركة التي نعيش عليها، لكنها تحتاج من يطهرها وينقيها من الشوائب العالقة بها، ومن الايجابيات التي قد تظهر في وقت لانحتاجه فتكون أقسى في ضررها من السلبية، كالرغبة في القيادة ومخالفة القوانين التي تنزع في صدور البعض فيعارضوا بها الأكفأ ويشتتون الفريق.

برغم الخير في الناس إلى أنهم يدورون حول الأقطاب، ليس لهم إرادة، ينتظرون راي القائد ليعملوا به، حتى من كان يملك الراي سيخاف من اتخاذ القرار وينتظر غيره ليقرر بدلاً عنه، جرب أن تضع البرادة فوق ورقة وتحرك المغناطيس أسفلها، اذهب يمنة ويسرة وراقب كما كنا نفعل حين كنا صغاراً البرادة اللاهثة حول القطب، نحركها في عبثية لنستمتع بمنظرها وتشكيلاتها، وهكذا يفعل القائد لو لم يكن مؤهلاً وذو رؤية واضحة وأهداف محددة، سيلعب بعقول وقلوب الكثير ليحقق ابتسامة وقتية، ثم يرمي بهم ليبعرثهم دون أمان، ولا انتماء ولا هوية.

لايوجد غيرك في القيادة، فلا تنتظر أن تجد قائداً في البرادة، ولأنك المغناطيس فضع نفسك في مكانك الصحيح مع المغناطيس من حولك لتتم الدائرة وتصلون جميعاً لهدف مشترك. الثياب التي نلبسها لاتغير مواصفاتنا، لاتهتم بالألوان وتأكد من أصالة الصفات.

(الصورة بعدسة: Björn Wunderlich)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com