حب الكبار

سـارعـت أبـحـث فـي حـصـاد رسـائـلـي

وأمـر فـي لـهـف عـلـى عـنـوانـــــــــــهـا

فـكـأنـه حـلـم تــــــــــبـدى فـي الـكـرى

وكـأنـنـي شـبــــــــح عـلـى أعـتـابـهـــا

فـتـشـت مـاذا قـد بـقـي فـي مـهـجـتي

التدين

pexels-photo-87500

30/07/2012م

منزل أنسابي (الملحق).. الساعة 03:30 فجراً

في حياتي يوجد عدة مراحل.. لم أكن اركز على التجارب في بعضها، كنت أعيش كما يعيش شاب منطلق في سني.. الاهتمام بالتأمل والتدوين جاء متأخراً، قبله كانت هناك مراحل التغيير.. المرحلة التي كنت أرى المواقف فيها وأسجل التفاعلات المختلفة معها وأبدأ أرسم مساري من خلال ما أراه حولي وأؤمن به. حتى موضوع الإيمان لم يكن واضحاً بقدر وضوح الإعجاب بالمواقف وردات الفعل، الإعجاب العاطفي في كثير من مبانيه،

عودة الطائر

Picture2

اليوم الخميس.. الساعة العاشرة ليلاً.

قطرات المطر تلمع تحت أضواء المصابيح العتيقة.. وقلب منكسر يسير وحيداً.. يعبر فوق الجسر الخشبي ويقف لينظر إلى النهر ويتأمل.. القمر يتكسر على الأمواج والمطر يفسد سكون الماء.. وتحت قطرات العاصفة الوليدة يمضي يتجرع همومه.

هل كان يتوقع أن يرحل عنه الجميع إذا كبر ليتركوه يواجه الحياة وحده في سنيِّ شيخوخته؟.. هل تصور أن قلوب من وهبهم قلبه ستقسو عليه.. تتخلى عنه وقت حاجته؟.. هل خطر بباله أنه سيعود وحيداً بعد أن كان لديه بيت وأسرة؟

أفاق من تأملاته على صدى خطوات تعبر الجسر.. لم يلتفت إلى القادم.. تلاشت الخطوات مع قطرات المطر.. وعاد إلى تأمله.. السكون والحنين وضوء مصباح يتمايل ليشعره بالوحشة أكثر.. في هذه البقعة البعيدة عن المدينة. ترك مكانه على الجسر وتوجه إلى الغابة.. هناك حيث قرر أن يقضي بقية أيامه في هذه الحياة ولن يرافقه أحد. في بقية أيامه

بدأ يعتاد على حياته الجديدة.. خروف ونعجة.. وبعض دجاجات توفر له البيض.. وكلب حراسة قوي ووفي.. ومنزل صغير وسط مساحة خضراء.. يمر بجوارها جدول صغير.. وأشجار متناثرة تزيد من عزلة المنطقة.. وكأنها تساعد الرجل في بعده عن الناس وبقائه وحيداً.

–        أوه لماذا تنبح يا قمر؟ ماذا وجدت هناك..

جرى حيث وقف كلبه يتأمل في الأرض ويشم كأنه يريد لفت الانتباه لشيء.

–        أوه.. طائر جريح.

رفع الرجل الطائر الخائف.. وتأمل في جناحه..

–        إنه مكسور لنحاول أن نعمل شيئاً من أجله.. يبدو لي أنه قوي وهذا سيساعد على شفائه.

توجها إلى المنزل الصغير وبدأ في عمل جبيرة للطائر.

–        والآن يا صغيري.. سأسميك غريب.. وسيكون هذا الاسم لك مادمت ضيفي في هذا المكان..

ثم أدار ظهره والتفت.. ولكنه عاد إلى الطائر وهمس بحزن..

–        بل أنا ضيفك.. أنت صاحب المكان الأصلي.. أما أنا …!

وترقرقت دمعة مسحها بكمه.. وخرج من المنزل.

–        هيا يا قمر.. لابد أن ننهي واجباتنا هذا اليوم.. لا تخف على غريب سيكون بخير.

الأيام تمضي سريعة.. وغريب يتماثل للشفاء في تقدم ملحوظ.

–        والآن يا صغيري.. يمكنك أن تطير خارج المنزل.. وستعود إلى عالمك الفضائي الواسع.

–        تعال يا قمر سنودع صديقنا..

جرى الكلب خلفه وهو يثب فرحاً.

وفي وسط الباحة المحيطة بالمنزل وقف الرجل ومعه الطائر.. بسط كفه.. وابتسم وهو يشير إلى الطائر المحلق.

الحمى تشتد.. والليل يطول.. وهذه الغربة لا ترحم ضعفه.. وقمر قريب من صاحبه يئن لأنينه.. ويقترب ليدفئه بجسمه في ليالي الشتاء الباردة.. والسحب تحجب القمر وعوي ذئب بعيد.. وأصوات الرياح تحرك الأشجار.. وصوت خافت ينادي.. ابني.

أشرقت شمس النهار حاملة الدفء والسعادة.. واستيقظ الرجل يربت على ظهر صديقه ويبتسم له..

–        كانت ليلة قاسية أليس كذلك؟

اكتفى الكلب بصوت يدل على الألم.

–        لقد شعرت بك بجانبي.. هانحن يا قمر غريبان في هذه الغابة.

رد الكلب بنباح.

ضحك الرجل..

–        لا تحب أن تشعر بالغربة.. نعم أنت محق.. هذا عالمك أنت أيضاً.. لايمكن أن تكون أنا.. على كل حال نحن متفقان.. لكل منا عالمه.. هيا بنا لنحضر الماء.

هل نجد صور الوفاء في كائنات لا تعقل؟ هل نراها انتهت من حياتنا؟

قطع ابتسامته صوت أجنحة فوق رأسه.. رفع رأسه وابتسم..

–        هذا أنت يا غريب.

نبح الكلب في سعادة.

–        لقد تذكرتني ولم ترحل.. إذا يا غريب عرفت مكان عشك. قالها مبتسماً.

مرت الأيام هادئة.. وفي زاوية المساحة الخضراء رقد جثمان الرجل.. وقريباً من قبره وجدت بقايا لجثة كلب ضخم.. آثر أن يموت على قبر صاحبه.. وفي المنزل عش صغير يحوي رفات طائر.

هذا كل ما بقي لجيل من الغرباء.. رحلوا عن كل شيء.. ليجدوا الوفاء في مساحة من الغابة.

 

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com