قراءة في خارج الجسد

قراءة في خارج الجسد

عبدالله السعد

منذ فترة قرأت “خارج الجسد”، ستنقلك عفاف البطاينة بين موجة وأخرى، ستعترض وترفع يديك ملوحاً بالكتاب، ثم ستهدأ وأنت تضم منى بطلة الرواية في محاولة لاستيعابها، منى الطفلة والمراهقة والعجوز التي لم تتعدى العشرين ليست طائراً في قفص، بل سجين في غرفة نحاسية وحولها النار من كل مكان ويستمر احتراقها بلا توقف وعذاب لاينتهي.

محطات

10346704_10201833581232925_646251643_n

كان علي أن أرحل سريعاً.. فهناك سفر طويل أمامي.. بقيت في المطار وحيداً.. فكرت أن أعطي الرجل بعض المال.. عرفت أن هذه أساليب الكثير منهم.. بدأت أفكر في الطريق الذي سأسير فيه هذه المرة.. كنت أتوقع أن أكون مراقباً فحاولت ألا يظهر على وجهي شئ.

عاد إلي الرجل وقد ختم جوازي بختم الخروج.

–        يمكنك الرحيل.

–        أشكرك.

–        ولكن …

نظرنا لبعضنا ودام صمتنا لبضعة لحظات.. أخذت حقيبتي الصغيرة من الطاولة وضعتها على كتفي.. ابتسمت له بهدوء.. ألقيت عليه التحية وأسرعت للحاق بالطائرة.

أصبحت الآن أعرف أين أنزل.. توجهت لفندق متواضع.. صغير ولكن نظيف. نظيف من كل النواحي.. حتى النواحي التي لا أريدها..

بدأت في دراسة وضعي بعمق.. كنت قد أعددت خطة سير مصغرة والآن علي النظر في هذه الخطة بناءً على المعطيات التي أمامي.. أريد التحرك لمكان جديد.. كيف أصل ومن سيساعدني.. بدأت أعتمد على المافيا كثيراً.. هي ضربة حظ، ربما أصل وربما أقتل على يدهم.. ولكن رأيت أنها أسلم طريقة..

كانت الرحلة هذه المرة صعبة للغاية.. رأيت في الرحلة رجالاً خمنت أنهم عرب، بدا لي أنهم تجار لم أحاول التحدث معهم.. ولم أخرج أي كتاب أو مجلة للمطالعة.. حرصت على ألا يعرفوا أنني عربي، وفكرت في الاستفادة منهم.

مررنا على عدة مطارات.. ووصلنا للمحطة الأخيرة.. تحرك الرجال، وتحركت خلفهم ببطء.. كانت مخاطرة مضحكة ولكن أردت أن أجربها.. المضطر يركب الصعاب. وكما توقعت.. هناك من سينتظر هذه المجموعة.. كنت أريد أن أصل لفندق أرتاح فيه ومن هناك سأتدبر أمري..

في الخارج توقفت سيارة ومعها سائق لأخذ هؤلاء الرجال.. كنت قريباً منهم اقترب مني السائق أراد أن يأخذ الحقيبة ابتسمت له ومددتها برفق وشكرته.. كدت أن أضحك ولكن خشيت أن ألفت النظر.. طوال الطريق لم يتحدث أحد.. عرفت أن المجموعة ليست مرتبطة ولكن اجتمعت لمناسبة معينة.

وصلت المدينة.. كانت كبيرة أخذت حقيبتي وبهدوء خرجت من بينهم وبدأت أسير وحيداً.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: قافلة رجل ومطارات> يتبع > الحلقة التالية: الجبال)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

أول يوم دراسي

أول يوم دراسي copy

وقف بسيارته بجوار المبنى وأخذ ينظر في صمت حزين إلى الباب الأسود الكبير.. شعر بضآلته أمام هذا المارد.. أيعقل أن تمر الأوقات بهذه الصورة المرعبة في نفوسنا فتقتل كل لحظة جميلة عشناها؟.

التفت إلى الباب ثانية، لم يكن ينتظر خروج الأطفال فهو يعلم أن المدرسة مغلقة في هذا الوقت.. كانت الساعة الواحدة ليلاً والشارع خال من المارة.. رجع بذاكرته إلى الوراء وتذكر مدرسة القرية.. اليوم أول يوم دراسي له.. تذكر ابتسامته وهو يجري في الحديقة.. تحديه له في سباق يبدأ من مكان أمه وينتهي بنهاية الشاطئ.. المرور بين العربات في المحلات التجارية وهو يرتدي حذاء التزلج.. وكلما رجع لعربته يضرب ظهره في ابتسامة بريئة تعجز كل ريشة عن تصويرها.

تذكر أنه لم يأكل شيئاً منذ الصباح.. تحرك بالسيارة وتوقف أمام مطعم للوجبات السريعة.. نظر إلى المقعد الفارغ بجواره وابتسم ودمعة تنحدر من عينيه وخاطب المقعد.. ماذا ستأكل؟

لم يكن ينتظر الرد.. لكنه فعل كما كان يفعل دائماً معه.. لم يكن يراه مجرد طفل.. بل كان طفله وزميل عمله وكل شيء في حياته.

أوقف السيارة ثانية على الشاطئ المظلم.. سكنت نفسه لصوت الأمواج.. وعادت الصور في ذهنه من جديد.. حمله على كتفه.. وضع يده الصغيرة على رأسه.. ووضع ذقنه فوق يده.. وبدأ يكلمه.

أبي.. أريد هذا القلم.. وأريد هذه الأوراق الملونة لأرسم فيها.. واو أبي أريد هذه الحقيبة الصغيرة لأضع فيها أوراق ميدو.. ميدو الدب الصغير الذي لا يفارقه حتى في منامه. ويلتفت إلى ميدو المرتبط بصدره.. تريد هذه؟ سأشتريها لك.

أبي هذا اللون لا يصلح.. لابد أن تغيره لي.. أنظر لدي هنا ملابس كثيرة تشبهه لماذا اشتريته.. المرة القادمة أنا سأذهب معك لأشتري بنفسي.. يتركه يركض إلى غرفة مجاورة.. يعود إليه مبتسماً ويختطف قبلة تطبعها شفتاه الصغيرتان.. أشكرك أبي.

–        أبي.. أنت كبير؟

–        نعم يا بني.

–        يعود لذهوله المفاجئ.. وأنا.. كبير، أم.. صغير؟

–        أنت رجل كبير جداً.. انظر. ويقف الأب على ركبتيه ويقترب من الابن الجالس على السرير.. يساوي الرأس ثم يقول انظر.. أنا أصغر منك.

–        ويبتسم الابن.. وسأذهب إلى المدرسة؟

–        نعم وستكون أفضل مني.

–        وأشتري حذاء تزلج جديد؟

–        تريد حذاء جديد؟.. لديك اثنان.

–        أريد الفضي.. أعجبني ويصلح مع هذا القميص..

وترتسم الابتسامة ثانية.

–        حسناً سأشتريه لك غداً بإذن الله.. هيا الآن للنوم.

التفت إلى السماء.. النجوم تزهر.. وعادت ابتسامته ثانية..

–        بابا.. أعطني حبل.

–        لماذا؟

–        الشمس ستختفي في البحر.

–        ولماذا تريد الحبل؟

–        سأرميه عليها وأرفعها فوق.. ليزداد النور.

آهـ لو علمت بما حدث لأبيك يوم رحيلك يا بني.. عاد لليل والبحر يتأمل في سكونهما.. وصوت الأمواج الخفيف يضرب الشاطئ في لطف.. وأضواء صغيرة بعيدة على امتداد الأفق توحي بالمشاركة في هذا الملكوت.

–        خلاص.. يكفي كلام.

–        ما بك يا بني؟

–        أتعبوني بالكلام.. أوجعني رأسي.

يبتسم ثانية ابتسامة أقرب ما تكون للبكاء.. هذا الصغير … واختفت الكلمات من شفتيه.. وعاد ثانية لمكانه.

نزل من السيارة وبدأ يمشي.. الرمل ناعم.. ورجله تغوص فيه.. عادت الذكريات لنفسه.. أبي انتبه لا تتسخ وإلا ستغضب أمي.. امش هكذا ويتحرك بهدوء على الشاطئ.. يعود مسرعاً إلى سيارته.. يرتمي على المقعد.. كل شيء، كل شيء يذكرني به.

يتحرك بالسيارة الوقت قارب على الفجر.. يصل إلى بيته وقت الأذان.. يصلي الفجر ويعود إلى غرفته.. يمكنه أن ينام قليلاً قبل أن يذهب إلى عمله.. يغمض عينيه وصورة الصغير ترتسم أمامه.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

أكواخ الظلام

اكواخ الظلام copy

كانت حجرة علوية باردة.. يضيء ظلامها نور القمر إذا أكتمل.. وشمعة تشتعل في خجل فيتوارى ضوئها على بقايا الأشياء التي لا تأخذ من الحقائق إلا اسمها.. سرير هو في الحقيقة قطعة خشب صلبة يتعب الرجل القوي من الاستلقاء عليها.. غطيت ببعض المتاع مما يسمى ملاءة وما شابه ذلك.. ووسادة خشنة غير متساوية.. وصندوق وضع بجانب السرير ليكون خزانة صغيرة للطوارئ.. وصندوق أكبر قليل رصت فيه أسمال فتاة في التاسعة من العمر.. ثوبان باليان يطل منه جسد الصغيرة من أكثر من موضع.. ومنضدة أقل اهتراءً وكرسي أكثر صلابة من السرير.