المغناطيس

13061616553_271c101165_o

 الألوان تعرِّف ولا تغيّر، الحقائق والأدلة نضعها ونميّز بينها بعلامات وألوان، هذه هي الفكرة ببساطة، ولكن الألوان لاتغيّر المواصفات، لاتعطي شيئاً جديداً، لو كان التغيير سهلاً لكان الإنسان ألف إنسان، كلما تعثر في مرحلة من حياته أبدل نفسه بأخرى.

المغناطيس بأقطابه أوضح مثال على ذلك، فأقطابه ليست حمراء ولا زرقاء، ولكنها موجبة وسالبة، اللون يدل عليها، لو أبدلت اللون سيبقى لكل قطب خواصه الأصلية، ولكل قطب تأثيرات على المحيط من حوله.

في تعاملاتنا مع الأقطاب سنخضع لذات القوانين الفيزيائية، سننفر ونصطدم بمن يتوافق معنا في الخصائص، سيكون من الصعب وجود قائدين في محيط واحد، حتى في عالم الغاب سيكون من الصعب وجود قائدين للقطيع، من الصعب البقاء في نفس المسمى لشخصين يحملان نفس التفاصيل، سيسعى واحد منهما للتميز والتقدم، صحيح أننا قد نجامل ونتعامل وتدور العملية، ولكنها تدور بتكلف كما نفعل حين نمسك قطبين من نفس النوع بيد واحدة محاولين فرض بقائهما ملتصقين. لاشيء يجمعها سوى القوة التي تتحكم بهما، سوى القانون الذي فرض بقائهما في منطقة واحدة متقابلين.

مهما اقتربنا في حياتنا الشخصية فسيبعدنا التشابه في المواصفات، نحتاج إلى التعددية لنتعايش، نحتاج إليها لنتكامل، يكون التكامل بلقاء الصفات الملائمة، لماذا ننجز جميعاً نفس المهمة؟ لنكل المهمة للأكفأ ولنقم نحن بما نحسن عمله، الموجب والسالب في المغناطيس هي مؤهلات ومواصفات، ضع نفسك في المكان الصحيح لتعمل مع الفريق بشكل صحيح وتنتج.

المغناطيس قائد موثر، غالب المحيط من حوله برادة تتجمع في انتظار توجيهه، الخير موجود فيها كالخير في الأرض المباركة التي نعيش عليها، لكنها تحتاج من يطهرها وينقيها من الشوائب العالقة بها، ومن الايجابيات التي قد تظهر في وقت لانحتاجه فتكون أقسى في ضررها من السلبية، كالرغبة في القيادة ومخالفة القوانين التي تنزع في صدور البعض فيعارضوا بها الأكفأ ويشتتون الفريق.

برغم الخير في الناس إلى أنهم يدورون حول الأقطاب، ليس لهم إرادة، ينتظرون راي القائد ليعملوا به، حتى من كان يملك الراي سيخاف من اتخاذ القرار وينتظر غيره ليقرر بدلاً عنه، جرب أن تضع البرادة فوق ورقة وتحرك المغناطيس أسفلها، اذهب يمنة ويسرة وراقب كما كنا نفعل حين كنا صغاراً البرادة اللاهثة حول القطب، نحركها في عبثية لنستمتع بمنظرها وتشكيلاتها، وهكذا يفعل القائد لو لم يكن مؤهلاً وذو رؤية واضحة وأهداف محددة، سيلعب بعقول وقلوب الكثير ليحقق ابتسامة وقتية، ثم يرمي بهم ليبعرثهم دون أمان، ولا انتماء ولا هوية.

لايوجد غيرك في القيادة، فلا تنتظر أن تجد قائداً في البرادة، ولأنك المغناطيس فضع نفسك في مكانك الصحيح مع المغناطيس من حولك لتتم الدائرة وتصلون جميعاً لهدف مشترك. الثياب التي نلبسها لاتغير مواصفاتنا، لاتهتم بالألوان وتأكد من أصالة الصفات.

(الصورة بعدسة: Björn Wunderlich)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

كان سراب

SONY DSC

قبل ساعات رحل خالي (رحمه الله ورحم أبي وجدتي وموتانا) بعد غيبوبة استمرت لشهرين..

طوى برحيله عمراً من الغربة لم يعرف الاستقرار..

غصن ولد مقطوعاً وعاش حياة أشد انقطاعاً..

وهذه المرثية هي معارضة لمرثية كتبتها شقيقتي حفظها الله..

وهي شاعرة أفصح مني لساناً..

حديث الحقائب

112

سمعت جلبة شديدة وتعالى صراخ الصغار.. ثم فتح باب السندرة القديمة وألقيت حقيبة، وأغلق الباب بقوة وساد الصمت ثانية.

كانت السندرة القديمة تمثل مخزناً لهذه المنازل النصف قروية.. وباستثناء كوة صغيرة مرتفعة لم تكن ترى النور إلا في مرات محددة من السنة، تمثل الفترات التي تهتم فيها الأسرة بتنظيف المكان وبالتخلص من بعض الأشياء القديمة لتوفير مكان لأشياء أخرى ستلقى فيها ذات يوم.

أثارت الموجة التي مرت قبل قليل بعض الغبار.. ثم بدأت الأمور تعود إلى هدوئها ثانية.. وعاد الغبار إلى التراكم ثانية على الأشياء المكومة هنا وهناك. حقائب متعددة المقاسات، قطع أثاث، أحذية مختلفة، مرآة مكسور طرفها تقبع مائلة في ركن قصي، وصناديق فيها ملابس شتوية لم يحن موعد استخدامها، وجرائد قديمة كانت مهمة ذات يوم، ومعاطف الصقيع معلقة على مسامير حديدية وقد علاها الغبار وبدأ العث يرتع فيها.

قطع السكون صوت ضحكة فتية.. فيما تململت الحقيبة الملقاة وبدأت تعدل من وضعها.. ثم التفتت إلى مصدر الصوت وسألت بغضب:

–        لمً تضحكين؟

ارتفعت القهقهة دون اهتمام بالسؤال.. فيما تململ صوتٌ عجوز مستنكراً الضجة..

–        ماالذي يجري هنا؟ لماذا ترتفع أصواتكم.

سمع صوتاً من الزاوية المظلمة في السندرة يقول:

–        يبدو أن هناك ضيفاً نزل علينا.. أهلاً بك أيتها الحقيبة الصغيرة لماذا تبدين غاضبة؟

ردت الحقيبة الصغيرة:

–        أريد أن أعرف لماذا تقهقه هذه الملونة؟

أجابت الملونة:

–        أهلاً بك.. اسمي ليلى، أنا حقيبة ألعاب الطفلة هناك في الأسفل. ضحكت لأنني شعرت بحالك.

–        وما المضحك المضحك في حالي؟ ردت الحقيبة بغضب.

–    كلنا هكذا حين نصل إلى هذا المكان.. نشعر بالغضب في البداية لأننا لم نتعود على الغبار.. ثم نألف الأجواء وسرعان مايصبح شعور الغضب نوع من اللامبالاة.

أخذت الحقيبة تسمح أثار الغبار عن جلدها وهي تغمغم بكلام لم يفهمه أحد.. ثم رفعت رأسها بنوع من التكبر وقالت:

–    ولكنني لست كالآخرين.. الأمر لا يعدو ظروفاً خاصة تمر بها الصغيرة، وسرعان ماستفتقدني وتعود لتبحث عني وتخلصني من الأشخاص غير المحببين.

ضحكت الحقيبة الملونة.. فيما رد الصوت العجوز بنبرة فيها عمق التجربة:

–    جميل، جميل أن يعيش الإنسان بالأمل.. وجميل أيضاً الثقة بالنفس. ولكن الأهم من الإحساس بالأمل هو أن نستمر نحيا به.. ونشعر بقدرتنا على العطاء بالرغم من كل الظروف.

رد صوت خافت من داخل أحد الصناديق..

–        لا عليك يا أماه.. هكذا كنت أقول في البداية، ولكنني اليوم سعيد باستقراري داخل هذا الصندوق..

ثم فتح الصندوق وأطل رأس صغير يشبه فردة حذاء طويلة العنق.. وتابع كلامه:

–    أتريدين الحقيقة.. الرضى بالصندوق أفضل من أسنان كلب تقبض علي، وتجري بي في الشوارع والمزابل، وتلقي بي في النهاية عند بركة ماء خلفتها الأمطار بجوار رصيف قذر.

ثم عاد وأغلق الصندوق.

–        ما الذي يجري هنا؟ ماهذا الكلام.. صاحت الحقيبة برعب.

–        ضحكت الحقيبة السوداء بحنان ثم قالت:

اقتربوا مني يا صغاري وأنصتوا إلي أقص عليكم قصة هذا المكان.

بدأت الحقائب والصناديق تلتفت إليها مصغية إلى قصتها.. فيما أخذت العجوز تروي.

–    في الماضي كان لهذا المكان وزن وقيمة.. لأنه كان محطة مؤقتة.. ففي الصيف توضع فيه أغراض الشتاء، وفي الشتاء تحفظ فيه أشياء الصيف، حتى يحين موعد استبدالها.. وكان الناس وقتها يهتمون باقتناء ماينفعهم.. ولأنهم يعيشون على الأرض فهم يقتصدون في كل شيء.

عالم الناس كعالمنا تماماً.. فلكل شخص مهمته أو وظيفته في الحياة.. تماماً كالوظائف التي نؤديها.. فالحقيبة التي تصلح للمدرسة لا تصلح لحفظ طعام الرعاة.. وهكذا لكل قيمته.

مع التطور بدأ يتغير هذا المكان.. وأصبحت تلقى فيه أشياء عديمة النفع، ثم يتم ترتيب المكان لتلقى في المزابل وتنسى.. وأصبح من يأتي هنا لأول مرة يشعر بالتذمر، ثم لايلبث أن يتعود فتخمد ثورته، ثم يصمت حتى يأتي يوم يعاد استعماله، أو يلقى خارجاً.

–        وماذنبي أنا؟

–    ليس لك ذنب يا صغيرتي.. كما أنه لا أحد لم أفهم؟ ذنب في هذا.. لقد تغير كل شيء.. فليس لكم قوة الأسلاف.. كما أنه ليس لنا منظركم البراق.

–        وهل.. هل.. سيرمون بنا؟

–        هذا يا صغيرتي يتوقف عليكم.

–        ماذا نفعل؟

–        حافظوا على جمالكم.. خيوطك الصغيرة إذا تمزقت من الحزن سيفسد مظهرك، وستفقدين قوتك.. وسيلقون بك حين تصبحين عديمة النفع. ولكنهم سينظفونك ويعززون خيوطك بخيوط أخرى إذا رأوا أنك لازلت صالحة للعمل، وأنك تحافظين على عطائك.

لم تظهر علامات الرضا على الحقيبة الصغيرة.. وفي الوقت نفسه سمع صوت اصطدم طائر صغير بالنافذة، حاول العبور ولكنها كانت موصدة.

قالت الحقيبة الكبيرة:

–    هذا الطائر على سبيل المثال، لم ييأس من محاولات الدخول هرباً من الشتاء.. مع أنهم هدموا عشه ثلاث مرات.. وسينجح حتماً.. على الأقل وجد لنفسه مكاناً تحت قرميد المنزل، ولن يلبث أن يجد طريقه من خلال الأخشاب. إن الحياة لاتنتهي.. هي هكذا دائماً.. تمنح من يجتهد فيها.

–        لكنها أنانية.

–    لا يا صغيرتي.. ليست كذلك.. هم من صنعك.. ويريدون الاستفادة منك.. قدمي لهم شيئاً مقابل الساعات التي عملوا فيها بين الآلات لأجل أن يخرجوك بمنظرك الحالي.

–        ولكن لنا الحق في الحياة.

–        نعم.. صحيح، وهم أيضاً يريدون الحياة.. وكلانا يكمل الآخر.. لكل منا قيمته.

قالت حقيبة زرقاء كبيرة:

–        أوه يا جدتي.. لازلت تكررين نفس الكلام.. ليس لهم من الخبرة مالك.. الأيام كفيلة بتعليم الناس.

ردت الحقيبة الصغيرة:

–         وماذا تفعلين أنت؟

–    أنا حقيبة الجد.. حين يسافر فإنه يتذكرني.. يأخذني، ينظفني، وأحياناً يصبغني لأبدو بمظهر الصغيرة. لقد جبت معه عديداً من البلدان، ورأيت كثيراً من الأشياء.

–        وهذه الملونة؟ أشارت إلى ليلى

–        ليلى حقيبة قماشية.. إنها للزينة أكثر منها للاستعمالات العملية. حين تقام الاحتفالات يأتي مقامها.

–        فاشلة..!! قالت ذلك بترفع.

فتح الباب فجأة واندفع صبي وطفلة يتعاركان:

قلت لكَ لاترم حقيبتي مرة ثانية.

–        وأنا قلت لكِ اتركيني وشأني.

–        أين ألقيتها أيها المتوحش؟

قال الصغير بتكبر..

–         لا أدري، حاولي أن تجديها بنفسك.

التفت الصغيرة إلى حيث تجمعت الحقائب بجوار الجدة.. ثم صاحت بفرح..

–        أوه ما أجمل هذا. انظر كل حقائبي هنا.

جرت نحو الحقائب ثم رفعت ليلى وشرعت تنفض عنها الغبار..

-لازالت جديدة، فقط تحتاج إلى تنظيف.

ثم أمسكت بالحقيبة الصغيرة:

– وهذه حقيبتي لقد وجدتها، لن تستطيع أن ترميها ثانية.

التفت الصبي إلى الصندوق وهناك لمح الحذاء البني.. لمعت عيناه في لهفة:

وهذا حذائي.. لقد وجدته..

سحبه بعنف وضربه في الجدار لينفض عنه الغبار.. فيما ارتفعت صيحة الحذاء المتألم. وقبل أن يخرج فتح النافذة ليجدد الهواء.. وليدخل الطائر الصغير.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

 

 

السنجاب

6250498399_cef87b8a27_b

هناك تشابه بصورة من الصور، بيننا وبين بعض الحيوانات الأليفة التي نسمع عنها وربما رباها البعض منا. ولنأخذ مثلاً على ذلك السنجاب، حيوان جميل يعيش في الغابات، ولأن الجزيرة صحراوية فهي لاتمثل الموطن المناسب له، مع أنني قد اقتنيت واحداً وكنت أشعر بالتميز لأجواء الخيال التي أضافها إلى منطقتي الفكرية.

القفص الصغير الذي هيأته له كان يمثل بيئة الاستقرار التي أحلم بها ويحلم بها كل موظف، كما وأن الدولاب الخشبي الذي يجري داخله كان يمثل طرق وصولنا إلى أهدافنا، وحالنا في الجري واللهاث يشبه السنجاب الصغير المنطلق داخل العجلة.

لا يتعدى واقعنا القفص، بينما تنطلق أفكارنا إلى الخارج بسرعة مذهلة، وكأننا وصلنا إلى قمة مساحة الحرية في بيئة السنجاب الحقيقة وارتقينا آمالنا بسرعة ارتقائه اشجار الغابة.

بعض الناس يخلطون بين الواقع والخيال، فيرفض الاقتناع بأنه محبوس في قفص، محبوس في الوظيفة، أو في المنزل المسـتاجر، أو في المؤهل المتواضع، أو في الطموحات الصغيرة. ويصر أن يجري مغمضاً عينيه ويشعر بملامسة السحاب والسماء الواسعة من حوله، ويحقق لنفسه السعادة، ولكنه لن يجرؤ على فتح عينيه، لأنه سيصطدم بلا شك بالدولاب الذي يجري داخله أو بجدران القفص.

كلنا يريد مساحة الاستقرار هذه، ولكن هناك فرق بين شخص وآخر في تعاملنا مع المعطيات وواقعيتنا في الحكم، الحياة التي نصنعها بخيالنا لاتمثل حقيقة عند الآخرين، وربما كانوا يعيشون الوهم نفسه، ولكنهم أقدر على رؤية أوهام الآخرين، من التبصر بأوهامهم.

الدولاب هو مفذنا الوحيد للحرية والإنطلاق، سنظل نجري داخله محققين الوصول إلى الأهداف، ثم ننزل مرة أخرى مرتطمين بإناء واقعيتنا أو بماء عيوننا المبعثرة على الأرض الصغيرة للقفص. وبالرغم من ذلك فالجري يشعرنا بالرضا، وقد نقنع أنفسنا بوصولنا إلى الرضا وعدم الأسى على مالم يتم تحقيقة ومالم نلامسه، ولكن الرضا الذي سيتشكل في داخلنا ليس الصورة الصحيحة التي يراها من هم في الخارج.

في الخارج هناك عالم أكبر من عالم الداخل.. وهناك عيون تراقبنا:

–       فعين هي التي تسببت في وضعنا في القفص، وقد يتم ذلك الأمر بعدة طرق:

* بطريقة مباشرة من خلال فرض القيود الفكرية والنفسية علينا.

* بطريقة غير مباشرة من خلال إعطائنا صور وهمية أشبه ماتكون بالتنويم المغناطيسي، وعلى المدى البعيد أدى ذلك إلى غياب الحقيقة عند الكثير واقتناعه بأن القفص هو البيئة الحقيقية.

–       وعين ترانا وتبتسم لنا في حال نجاحنا في التأقلم مع بيئتنا الصغيرة، ولكنها لم تساهم في تحريرنا، وقد ترى أن هذا المكان حقيقي بشكل من الأشكال، وهو الأنسب لإمكانياتنا.

–       وعين سنجاب حر يجري بين القفص وبين الأشجار في محاولة لاستدراجنا وتحريرنا، واقناعنا بأن نتبعه إلى الخارج حيث الحياة الحقيقة. ومشاعره تتأرجح بين أمرين:

* الألم لرؤيته واحداً من بني جنسه محبوس في يد صياد.

* العجب حين يرى سنجاباً مقتنعاً بالعيش في قفص، متخلياً عن المساحات الواسعة في الخارج.

بالنسبة لي هناك فرق بين بيئة حتى لو كانت صغيرة ومليئة بالمخاطر ولكنها حقيقية، وبين بيئة توفر لي الحد الأدنى من الاحتياجات، أو توفر لي كماليات لا أريدها وافقد ضروريات أنا في أشد الحاجة إليها.

والبيئة الخارجة على خطورتها إلا أن فرصي في الحياة فيها أكبر. وبالمقارنة بين الداخل والخارج سنصل إلى الآتي:

–       الخطر الداخلي.. يتمثل في: نسيان أوقات طعامنا، غياب العناصر الرئيسية في المعطيات التي تلبي احتياجاتنا ويتم تقديمها لنا، العبث من الأطفال، ونوبات الغضب التي تعتري المنعم علينا بالقفص، وغير ذلك.

–       الخطر الخارجي.. يتمثل في: كواسر تسعى لاقتناصنا، صيادون يريدون وضعنا في قفص، وغير ذلك.

ولكن فرص النجاة في الخارج أكثر.. فلن تجد سنجاباً يستسلم لصياد أو لكاسر من الوحش أو الطير، ولكن المساحة الضيقة في الداخل ستجعلنا في متناول كل يد تريد إيذائنا، وفي النهاية تمرض قلوبنا ونموت أو تموت.

 

(الصورة بعدسة: Barbara)

لايعلمون

5123097142_cc97ac3a31_o

لا يعلمون..

بما يدور بخاطري..

لا يشعرون..

بنبض صوتك داخلي..

لا يدركون..

بأن كل قصيدة..

هي ترجمات مشاعري..

وأن كل سعادتي..

تبكي رحيل سعادتي..

وأن فجري حالك وأن ليلي قاتلي..

يا أنت..

يا صوت المبادئ راعد..

يا كف حب صادق..

يا بسمة القلب النقي..

هل تقبلي!!

مني جميع خواطري؟

(الصورة بعدسة: إياس السحيم)

عن انتصارك دافعي

 528110_241225105974361_1192003049_n

وتـقـول لاتـنـكـر فـلـسـتَ بـخـادعي … إنـي رأيـتـك حـاضـناً لمـشاعري

أغـضـيـت طـرفـي وابـتسمت مودعاً … شوقاً يصارع.. يستبيح مدامعي

وهـل الـحـنـان جـريـمة في عصرنا؟ … رفـقـاً بـقـلبٍ قـد أثـار مـواجـعـي

فـي صـدري الأشـواق نـبـض أحـبـة … جـمّـعـتـها ورويـت قصـة خـاشع

أبـصرتكم فـي الـبـيـد يـضـربـها العنا … وسمـعت صوتاً هادئاً بمسامعي

فـحـمـلت في قلبي الحنين وصغته … قـد تـفـضـح الأرواح مـوت الـواقـع

ماحيلتي؟ أو كيف أحتضنُ الأسى؟ … هـل أسـتـطـيع مصاولات الخادع؟

يـغـفـو على قلبـي الحنين فأنثـني … خـوفاً عـلـى روحي تدك مواقعي

إني كـرهـت الحب يـمـلك خافقـي … ورأيـت أجـواء الـمـنـيـة واقـعــــي

هل يملك العشاق ناصـية الهـوى؟ … وهل الـتـراجـع رغـبـتي فتُراجِعي

جـاء الـحنان.. فـهـزني.. ماحـيلتي … فسبى المدامع واسـتباح مرابعي

وزعـمـت أنـي قد قــسوت وإنني … كالـنـجم في مد الفضاء الشاسع

أغـضـيـت عن قـلـب تملكه الأسى … فعن انـتـصارك في المحبة دافعي

(الصورة بعدسة: هنادي الصفيان)

الأمل القاتل

998395_10151679727293921_1551515174_n

 لأنني إنسان منطقي فأنا غالباً أحكم على الشيء من خلال المعطيات، وأتبنى كثيراً ضرورة وجود معايير يمكن التعامل معها في الأفعال.

حيت أقرأ كتاباً يعجبني فغالباً سأبحث عن الكاتب، سأقرأ سيرته الذاتية، أحلل فكره من خلال مجموعة أطروحات وكتب وكتابات أخرى في نفس المجال أو غيره، المهم أنني سأقرأ الإنسان. ثم أضع الكلام في المواضع الصحيحة كما يظهر لي.

ربما أقرأ كلام ناقد، ولكن الناقد لن يؤثر على نظرتي للكاتب أو للكتاب، كذلك التأثير الذي سيقع في نفسي من فهمي وتحليلي للمواقف، ومن خلال بحثي عن المؤلف ومراحل من حياته الشخصية والأكاديمية والمهنية.

أضع هذه المقدمة من أجل الإشارة لفكرة أشار إليها هتلر في كتاب “كفاحي”، فالكتاب يعجبني في مجمله، وفي كثير من تفصيلاته. ولا يخلو من أمور أرفضها، ولكن لن تعيقني عن التعامل مع الكتاب والاستفادة منه.

الفكرة تتعلق بالأمل.. وكيف أن الأمل قضى على الكثير من الألمان، حين كان عدوهم يأتي ليأخذ بعضهم من المعسكرات ويدرك الباقون أن أولئك سيذهبون للموت، ومع ذلك سيبقون في أماكنهم دون مقاومة على أمل أن يحدث شي يحررهم من عدوهم، كالعفو، أو كقوة صديقة تنقذهم.

ومفهوم الأمل يرتبط بالرجاء، ولكن تعبير الأمل على الوجه لن يدركه الإنسان مالم يراه في نفسه أو في المحيطين حوله.

يكون الموت صعباً حين يستخدم الأمل.. لأنك تعيش كل مراحل العذاب، وتتوقع شيئاً يغير الوضع، وتظل تنتقل من مرحلة لأخرى تصبر نفسك، حتى تسقط ميتاً أو تقع في عذاب آخر يلعب بأوتار الأمل.

يكون الأمل قاتلاً إذا لم يتحقق، فالشهيق في صدرك في انتظار الانفجار بضحكة انتصار، قد يعود على قلبك فيقتله تشبعاً بالحسرة. قبضتك التي تشدها لترفع يديك بالنصر ستستمر في الضغط حتى يتدفق الدم هماً وكمداً.

مالم يتحقق الأمل فستظل الدمعة في المحاجر تغالب ألماً، تنتظر الابتسام.. ويموت الإنسان وعينه مبللة بدموع تبكي صاحبها، وتأمل أن تكون دموع فرح.

حين ترى المعلق بالأمل ستعرفه بقليل من التدريب، فإذا كان ساهياً هادئاً، فتأكد أنه يقدم من نفسه مخاطراً بكل شي. العمر، المال، الوقت، الصحة، الذكريات، وحتى الحاجات الأساسية سيبدأ في دفعها لمن حوله وكله أمل أن يحقق من خلالها النجاح.

سيمسك بالهاتف في حزن ليرد على مكالمة يعلم أنها تطلب منه، ولكن يتعلق بالأمل في أن تكون خبراً يعطيه.

سيمسح شعر رأسه ويراقب السقف دون أن يرى شيئاً فيه، غير طيف ذكريات يبتسم له ليربطه بالأمل.

سيمشي وهو مطأطئ يتذكر وقلبه ينبض بعنف بين جنبيه، ويغالب دمعة يشعر بالغربة بسببها، دون أن يجد سبيلاً لدفعها.

حتى الأمل قد يكون سلاحاً للدمار، ولكننا مع الأسف لايمكن أن نسغتني عنه.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله السعد)

الطبيعة القاتلة

6357313887_657e962190_o

أعشق الريف، لا أميل للمدن، وحتى في حبي للمدينة أحب مستوى معينٍ من الرفاهية والخدمات، لأن رحلتي عكسية، الأصل عندي هو الريف، الهدوء والطبيعة، كل التضاريس تأسرني، مهما بلغت قسوتها أو سمّيتها، يتساوى عندي البركان بغازاته، والبحر بأمواجه، والصحراء برمالها، والجبال بصخورها ووديانها. المرأة عندي عالم من الطبيعة، تحتوي كل التضاريس، وتمتد على طول الزمان والمكان في حياتي، مراحل عمري منذ الولادة وحتى لحظتي الحالية، وجغرافيتي المعيشية والدراسية والمهنية والسياحية.

الغابة الاستوائية غنية بالأشجار والمخلوقات، تعدد الألوان والأصوات والروائح سيربطني بتنوع المرأة في الكرة الزرقاء، ويوحي لي كذلك بتعدد طباعها وأساليب تعاملها، التنوع في الكم والكيف تاركاً لك الخيارات الغنية والقاتلة، الرائحة الطيبة والغاز الذي يمزق جيوبك الأنفية وصدرك ويتركك مختنقاً جاحظة عينك من الرعب والألم، المرأة في جمال ألوانها وسميتها الخادعة. في عطائها الامتناهي وفي شراكها الخادعة. تغريك الغابة بألوانها، تتابع الحيوانات في غفلة عن قسوتها، تتأمل جيوش الطبيعة غافلاً عن خطرها، تعانق الأشجار وغصونها والأرض تحتك أوتاد حادة تمزق قدميك، برغم جمال الغابات إلا أنها تحيط بك فتفقد الطريق تائهاً في تفاصيلها. برغم خارطة الألوان من حولك إلا أن الرطوبة تلتصق بك، تحاول خلع ثوبها فلا تقدر، تفقد احساسك بالجمال حين تشعر بالخطر، ومع المرأة يأتي الشعور بالخطر متأخراً، يأتي وقد قررت الانتحار بين يديها وفي محيطها.

اللون الأزرق الهادئ يفاجئك بارتفاع ليغرقك، هكذا هي المرأة في تقلباتها ومشاعرها المفاجئة، باردة متماسكة لآخر لحظة، ثائرة متحفزة لأقصى درجة، من الذي سيتعلم السباحة والإبحار؟! كلما أعطيتها أكثر رحلت معها أكثر، من لايعرف السباحة سيقف على الشاطئ يراقبها دون أن يفهم مابها، من يغامر سيتعلم أن يخوض في تفاصيلها ولكن سيبتلع الكثير من الماء قبل أن يتمكن من العوم، وكلما تمرس أكثر أصبح أكثر مهارة في السباحة والتعرف على التفاصيل، والبعض بحار وقبطان، يدير الوسائل من حوله ليرحل في محيطاتها بعيداً عن ضوضاء الجالسين على الرصيف أو المتمددين على الشاطئ. وبرغم القدرة على الإبحار تفاجئهم الأمواج في لحظة، أو تبتلعهم دوامة، أو يتوهون لتحرقهم الشمس والملوحة.

الرمال الذهبية الحارقة تكون موئلاً للناس في فترات الربيع، تشق جدب أرضها بزور حملتها الطيور والدواب، أو نواة تمر ألقاها عابر سبيل ذات يوم، الأرض المتناقضة بين القسوة والجمال، والماء المتحرك تحت أمواج الرمال، وفسائل النخل المتناثرة تدل على الحياة والخصب بصورة من صورها، تفاجئنا الصحراء باحتوائها لحيوات متعددة كما تفاجئنا المرأة الجافة التي لانتوقع أن لها قلباً ينبض في صدرها، أو نشعر بسريان الماء في عروقها كالماء في باطن الصحراء.

المراعي الخضراء الممتدة على طول شريط الأفق تشعرك بالسعادة، دلالات الخصب والتنوع كثيرة، الأرض تنتج، والبطن تنتج، نتاج الخير في المحاصيل وفي الدواب كثير بحمد الله، هذه الأرض كالمرأة التي تعطيك الذرية الطيبة المباركة، وتعطيك الحب والحنان والثبات في المواقف، سهلة كسهولة المرعى، خصبة كالأرض، طيبة كمحاصيلها، يمكنك أن تأوي إليها مكتفياً بحدودها، لكن روح المغامرة لدى الرجل تقوده أحياناً خارج حدودها، فيحرم من ثمارها، ويعود إليها وقد مزقته الأيام.

يظهر للمتأمل أن السهوب الخضراء كافية للمعيشة، وهي كذلك بالفعل لمن فقد روح المغامرة وحب الاستكشاف، وبينما يرى البعض البحر قاتلاً مرعباً يرى آخرين اللؤلؤ في أصدافه، والصحراء القاتلة الحارقة تمثل الخيار الأفضل للباحثين عن الصمت والهدوء، بين التفاصيل تنتقل، في عالم أقل مانصفه به “الاتساع”، عالم لانمثل فيه إلا القليل، نرتبط به ونعشق تفاصيل التفاصيل، نسعى لاكتساب المزيد من النقاط فيه، ونقف في لحظة لنجد أنفسنا وقد حققنا مانريد، وفقدنا شيئاً من ذواتنا.

المرأة متنوعة كالطبيعة، غنية كمعادنها، قاتلة كوحوشها، قاسية كتضاريسها، كريمة كبحرها، غامضة كالأعماق، محلقة كالسحابة، ساذجة كطفل، ماكرة كساحرة، تحب الخضوع، لكنها لاتحب الاحتقار والاهانة، المرأة تحتاج رجلاً يحميها، لكنها قادرة على مواجهة أقسى الرجال، المرأة ضعيفة، لكنها قوية يعتمد عليها، لذلك لا أتحدى المرأة أبداً، هذه الإنسانة المتناقضة مليئة بالرقة والقسوة، يمكن أن تكون كل شيء، الرحمة والعذاب.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

الإمامة

6230181268_4384907998_o

1/7/2011م

المنزل (غرفة النوم).. الساعة 6:55 مساءاً

لو فهمنا أبعاد “إنما وضع الإمام ليؤتم به” لتعلمنا الكثير من سلوكيات القائد والأتباع.. يختار الإمام ابتداءً وفق معايير واضحة، ويندر أن توكل الأمور في الإدارة بهذه الدقة والوضوح إلا في المنشآت الكبيرة ذات السياسات واللوائح المتقدمة.

والإمام مرجع لجماعته، فهو خطيبهم، وناصحهم، وحلال مشاكلهم الأسرية والتربوية، يجمع كلمتهم ويتقدمهم في الصلاة، بالرغم من ذلك كله فهو بشر يخطئ ويصيب، ولا يعني تقدمه على الناس أنه أفضل منهم في كل شي، فأنا لا اعرف اسم إمام الجامع الذي كان الإمام أحمد أو غيره من الإئمة يصلون فيه، ومن هم أئمة الحرم والجوامع الكبيرة في الأجيال الخمسة الأولى مثلاً بالرغم من قربها من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولكنه يقود الجماعة ويتعامل مع قضاياهم اليومية.

خلف الإمام أصحاب العقول كما أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأننا نتعلم ألا يمشي ولا يقف خلف الإمام إلا رجال تتوفر فيهم معايرهم الخاصة بهم كذلك، ولو حاولنا لاستنباط لقلنا:

1. علم صحيح واسع يعتمد عليه.

2. عقل فاهم واعي مدرك يسترشد به.

3. اسلوب ملائم في الحوار والنصح وايصال التوجيه إلى المقابل.

وهم مع كل هذه المميزات ليسوا الإمام، ولا يملكون في حال أخطأ الإمام في الصلاة وسهى إلا أن ينبهوا، والتنبيه ليس سوى تسبيح يتلائم مع العبادة التي هم فيها، فإن انتبه الإمام وصحح خطئه كان بها، وإلا يتابعوه في الخطأ ويعالج الخطأ في وقته الملائم من خلال سجود السهو. وبعد السجود وتصحيح الخطأ لايبقى من رواسب الموضوع شي، فمبجرد السلام ينتهي الموقف، ويأتي الإمام في الفرض التالي ليؤم المصلين دون أن يقال هذا هو الساهي، كيف يعود؟ وغير ذلك مما يعاب به الإمام وينتقد به.

وقطع صلاة المأموم والمشي بين يديه لايضر، لأنه متابع للإمام، بينما لو مر بين يدي الإمام فسيؤذي الجميع، فالضرر على الإمام يصيب المأمومين، وكأننا نتعلم هنا أن حماية الصف من خلال الإمام أعظم من حمايته من خلال الاهتمام بأنفسنا ورعايتها.

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

دواة الحبر

6200389739_1897a4fe14_o

دواة الحبر يا أمي..

قصاصاتي..

وكل قصائدي الحبلى بآهاتي..

وكل مشاعري تبكي..

وتدميها جراحاتي..

هناك الليل يا أمي..

هناك الأنجم الغراء..

تاهت في مسافاتي..

وذاك البلبل الشادي..

يغرد من عذاباتي..

سلي تلك الجمادات..

سلي الأحجار..

 والأشجار..

عن قلبي وأناتي..

سليهم إنهم صدق..

فكم لبوا ندءآتي..

ولا تأسي على قلبي..

نبا عن عالم الذات..

أيا أماه..

لست سوى فؤاداً في الملمات..

أبياً رافعاً رأسي..

قوي العزم والذات..

وأرقب في ظلام الليل..

طلوع الكوكب الساري..

عسى ذكرى ستبعثني..

وأبصر منكم ذاتي..

 

(الصورة بعدسة: بشرى محمد)

صفحة 1 من 212»