قبور الياسمين

grave

أخي.. أسمع صوت قلبي وهو ينبض، كأنه يقول لي انتبه لا تكتب.. صوت المطر في الخارج يصلني ضعيفاً.. ربما لانشغالي بك.. الليل ووحشته وأصوات الذئاب بعيدة في الغابات.. وأنا وشمعتي ننتظر مجيئك.

على الضوء الأصفر الباهت المتراقص أتذكرك.. تأخرت كثيراً.. انتظرتك اليوم كما هي عادتي في كل يوم.. ولما جاء الليل بقيت ككل ليلة أراقب الشمعة وأنتظرك.

يقولون إن الإنسان إذا دنا أجله تمر عليه الذكريات كومضات.. أنا أتذكر الليلة فهل سأموت؟

محطات

10346704_10201833581232925_646251643_n

كان علي أن أرحل سريعاً.. فهناك سفر طويل أمامي.. بقيت في المطار وحيداً.. فكرت أن أعطي الرجل بعض المال.. عرفت أن هذه أساليب الكثير منهم.. بدأت أفكر في الطريق الذي سأسير فيه هذه المرة.. كنت أتوقع أن أكون مراقباً فحاولت ألا يظهر على وجهي شئ.

عاد إلي الرجل وقد ختم جوازي بختم الخروج.

–        يمكنك الرحيل.

–        أشكرك.

–        ولكن …

نظرنا لبعضنا ودام صمتنا لبضعة لحظات.. أخذت حقيبتي الصغيرة من الطاولة وضعتها على كتفي.. ابتسمت له بهدوء.. ألقيت عليه التحية وأسرعت للحاق بالطائرة.

أصبحت الآن أعرف أين أنزل.. توجهت لفندق متواضع.. صغير ولكن نظيف. نظيف من كل النواحي.. حتى النواحي التي لا أريدها..

بدأت في دراسة وضعي بعمق.. كنت قد أعددت خطة سير مصغرة والآن علي النظر في هذه الخطة بناءً على المعطيات التي أمامي.. أريد التحرك لمكان جديد.. كيف أصل ومن سيساعدني.. بدأت أعتمد على المافيا كثيراً.. هي ضربة حظ، ربما أصل وربما أقتل على يدهم.. ولكن رأيت أنها أسلم طريقة..

كانت الرحلة هذه المرة صعبة للغاية.. رأيت في الرحلة رجالاً خمنت أنهم عرب، بدا لي أنهم تجار لم أحاول التحدث معهم.. ولم أخرج أي كتاب أو مجلة للمطالعة.. حرصت على ألا يعرفوا أنني عربي، وفكرت في الاستفادة منهم.

مررنا على عدة مطارات.. ووصلنا للمحطة الأخيرة.. تحرك الرجال، وتحركت خلفهم ببطء.. كانت مخاطرة مضحكة ولكن أردت أن أجربها.. المضطر يركب الصعاب. وكما توقعت.. هناك من سينتظر هذه المجموعة.. كنت أريد أن أصل لفندق أرتاح فيه ومن هناك سأتدبر أمري..

في الخارج توقفت سيارة ومعها سائق لأخذ هؤلاء الرجال.. كنت قريباً منهم اقترب مني السائق أراد أن يأخذ الحقيبة ابتسمت له ومددتها برفق وشكرته.. كدت أن أضحك ولكن خشيت أن ألفت النظر.. طوال الطريق لم يتحدث أحد.. عرفت أن المجموعة ليست مرتبطة ولكن اجتمعت لمناسبة معينة.

وصلت المدينة.. كانت كبيرة أخذت حقيبتي وبهدوء خرجت من بينهم وبدأت أسير وحيداً.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: قافلة رجل ومطارات> يتبع > الحلقة التالية: الجبال)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

الطبيعة القاتلة

6357313887_657e962190_o

أعشق الريف، لا أميل للمدن، وحتى في حبي للمدينة أحب مستوى معينٍ من الرفاهية والخدمات، لأن رحلتي عكسية، الأصل عندي هو الريف، الهدوء والطبيعة، كل التضاريس تأسرني، مهما بلغت قسوتها أو سمّيتها، يتساوى عندي البركان بغازاته، والبحر بأمواجه، والصحراء برمالها، والجبال بصخورها ووديانها. المرأة عندي عالم من الطبيعة، تحتوي كل التضاريس، وتمتد على طول الزمان والمكان في حياتي، مراحل عمري منذ الولادة وحتى لحظتي الحالية، وجغرافيتي المعيشية والدراسية والمهنية والسياحية.

الغابة الاستوائية غنية بالأشجار والمخلوقات، تعدد الألوان والأصوات والروائح سيربطني بتنوع المرأة في الكرة الزرقاء، ويوحي لي كذلك بتعدد طباعها وأساليب تعاملها، التنوع في الكم والكيف تاركاً لك الخيارات الغنية والقاتلة، الرائحة الطيبة والغاز الذي يمزق جيوبك الأنفية وصدرك ويتركك مختنقاً جاحظة عينك من الرعب والألم، المرأة في جمال ألوانها وسميتها الخادعة. في عطائها الامتناهي وفي شراكها الخادعة. تغريك الغابة بألوانها، تتابع الحيوانات في غفلة عن قسوتها، تتأمل جيوش الطبيعة غافلاً عن خطرها، تعانق الأشجار وغصونها والأرض تحتك أوتاد حادة تمزق قدميك، برغم جمال الغابات إلا أنها تحيط بك فتفقد الطريق تائهاً في تفاصيلها. برغم خارطة الألوان من حولك إلا أن الرطوبة تلتصق بك، تحاول خلع ثوبها فلا تقدر، تفقد احساسك بالجمال حين تشعر بالخطر، ومع المرأة يأتي الشعور بالخطر متأخراً، يأتي وقد قررت الانتحار بين يديها وفي محيطها.

اللون الأزرق الهادئ يفاجئك بارتفاع ليغرقك، هكذا هي المرأة في تقلباتها ومشاعرها المفاجئة، باردة متماسكة لآخر لحظة، ثائرة متحفزة لأقصى درجة، من الذي سيتعلم السباحة والإبحار؟! كلما أعطيتها أكثر رحلت معها أكثر، من لايعرف السباحة سيقف على الشاطئ يراقبها دون أن يفهم مابها، من يغامر سيتعلم أن يخوض في تفاصيلها ولكن سيبتلع الكثير من الماء قبل أن يتمكن من العوم، وكلما تمرس أكثر أصبح أكثر مهارة في السباحة والتعرف على التفاصيل، والبعض بحار وقبطان، يدير الوسائل من حوله ليرحل في محيطاتها بعيداً عن ضوضاء الجالسين على الرصيف أو المتمددين على الشاطئ. وبرغم القدرة على الإبحار تفاجئهم الأمواج في لحظة، أو تبتلعهم دوامة، أو يتوهون لتحرقهم الشمس والملوحة.

الرمال الذهبية الحارقة تكون موئلاً للناس في فترات الربيع، تشق جدب أرضها بزور حملتها الطيور والدواب، أو نواة تمر ألقاها عابر سبيل ذات يوم، الأرض المتناقضة بين القسوة والجمال، والماء المتحرك تحت أمواج الرمال، وفسائل النخل المتناثرة تدل على الحياة والخصب بصورة من صورها، تفاجئنا الصحراء باحتوائها لحيوات متعددة كما تفاجئنا المرأة الجافة التي لانتوقع أن لها قلباً ينبض في صدرها، أو نشعر بسريان الماء في عروقها كالماء في باطن الصحراء.

المراعي الخضراء الممتدة على طول شريط الأفق تشعرك بالسعادة، دلالات الخصب والتنوع كثيرة، الأرض تنتج، والبطن تنتج، نتاج الخير في المحاصيل وفي الدواب كثير بحمد الله، هذه الأرض كالمرأة التي تعطيك الذرية الطيبة المباركة، وتعطيك الحب والحنان والثبات في المواقف، سهلة كسهولة المرعى، خصبة كالأرض، طيبة كمحاصيلها، يمكنك أن تأوي إليها مكتفياً بحدودها، لكن روح المغامرة لدى الرجل تقوده أحياناً خارج حدودها، فيحرم من ثمارها، ويعود إليها وقد مزقته الأيام.

يظهر للمتأمل أن السهوب الخضراء كافية للمعيشة، وهي كذلك بالفعل لمن فقد روح المغامرة وحب الاستكشاف، وبينما يرى البعض البحر قاتلاً مرعباً يرى آخرين اللؤلؤ في أصدافه، والصحراء القاتلة الحارقة تمثل الخيار الأفضل للباحثين عن الصمت والهدوء، بين التفاصيل تنتقل، في عالم أقل مانصفه به “الاتساع”، عالم لانمثل فيه إلا القليل، نرتبط به ونعشق تفاصيل التفاصيل، نسعى لاكتساب المزيد من النقاط فيه، ونقف في لحظة لنجد أنفسنا وقد حققنا مانريد، وفقدنا شيئاً من ذواتنا.

المرأة متنوعة كالطبيعة، غنية كمعادنها، قاتلة كوحوشها، قاسية كتضاريسها، كريمة كبحرها، غامضة كالأعماق، محلقة كالسحابة، ساذجة كطفل، ماكرة كساحرة، تحب الخضوع، لكنها لاتحب الاحتقار والاهانة، المرأة تحتاج رجلاً يحميها، لكنها قادرة على مواجهة أقسى الرجال، المرأة ضعيفة، لكنها قوية يعتمد عليها، لذلك لا أتحدى المرأة أبداً، هذه الإنسانة المتناقضة مليئة بالرقة والقسوة، يمكن أن تكون كل شيء، الرحمة والعذاب.

 

(الصورة بعدسة: عبدالله الشثري)

أكواخ الظلام

اكواخ الظلام copy

كانت حجرة علوية باردة.. يضيء ظلامها نور القمر إذا أكتمل.. وشمعة تشتعل في خجل فيتوارى ضوئها على بقايا الأشياء التي لا تأخذ من الحقائق إلا اسمها.. سرير هو في الحقيقة قطعة خشب صلبة يتعب الرجل القوي من الاستلقاء عليها.. غطيت ببعض المتاع مما يسمى ملاءة وما شابه ذلك.. ووسادة خشنة غير متساوية.. وصندوق وضع بجانب السرير ليكون خزانة صغيرة للطوارئ.. وصندوق أكبر قليل رصت فيه أسمال فتاة في التاسعة من العمر.. ثوبان باليان يطل منه جسد الصغيرة من أكثر من موضع.. ومنضدة أقل اهتراءً وكرسي أكثر صلابة من السرير.