فريد الأنصاري.. الأصولي رجل القرآن

 

خرجت مع الصديق والأخ محمد بو دكيك ذات ليلة للمشي في شوارع مراكش، وأثناء سيرنا أدركتنا الصلاة في مسجد من الطراز الذي تأنس الروح به، والمساجد في المغرب لها مميزات برغم بساطتها وقدمها ومن ذلك على سبيل المثال:

بين البدء والمنتهى

9416139337_2a2823c4a7_b

* مرحلة التعبد: كانت الصحراء في القلوب البعيدة عن الدين أشد من صحراء الجزيرة العربية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفر منها إلى واحة التعبد في الغار، وبقدر صمته عليه الصلاة والسلام كانت المعاني تتحدث في قلبه وعقله، وخرج من التأمل بالتعبد، وخرج من التعبد باستعداد للرسالة. كان الغار مكاناً محسوساً لتهيئة غير محسوسة، كان التكاليف بداية مرحلة جديدة، ختمت الأعمال الصالحة بالبشارة، فجاء الوحي في وقته بعد أن استعدت النفس لتحمل الرسالة الجديدة، النبي الأمي يخاطب باقرأ النبي العربي يبعث للبشرية كافة. وكوفئت البشرية بالصادق.

* الحضارة البائدة: لمجتمع مكة الوثني كان مفهوم الحضارة محصوراً في ممارسات التجارة والرحلات، وكانت الغارات والبطولة والفروسية والكرم نياشين يفخرون بها، فجاء القرآن بنماذج حضارية مذهلة، تفوقت في كل المألوف لدى العرب، فالتجارة العربية البسيطة لم تعد تذكر أمام كنوز قارون، والقوة والعمران ذبلت أمام مبانٍ نحتت في الجبال وتماثيل عانقت السماء، والعدد والجيوش لم يعد لها وجود أمام إمبراطوريات ممتدة في الشرق والغرب، وحتى من عرفوا شيئاً من الرسالة شعروا بالذهول لنبض الصحراء الناطق بقصص حضاراتهم وتاريخهم، كان كتاب الحضارة أشمل وأوثق وأروع من الأساطير المروية وقتها، وقوة الرسالة حبكت المواضيع وألبستها لحمتها المتينة، وكان متن الحضارات.

* القرآن وثيقة: يا أمة الوحي وحملة الرسالة، لم ينشغل القرآن في السرد القصصي التاريخي، بل أصل وفرع، وجمع ماتبعثر في الأمم، فجاءت قوانين العبادة والمعاملة، ووضعت قواعد التجارة والموالاة، وشرحت المسائل والأحكام لضمان سلاسة العمليات وجودتها، كانت وثيقة تحدٍ لعقول البلاغيين والعاملين في مختلف القطاعات، وطرح التحدي الكبير واستمر، فلم يأت أحد بمثله، ولا بآية منه، فنظم سير الأمة ووحد كلمتها، ووضع أطرها وقوانينها في سلمها وحربها، وانتقل عبر الأجيال محفوظاً من التحريف، حاوياً للمنهج، دليلاً لكل الأجيال.

* الكهف: الأمر ليس ادعاءً، اقرئوا ان شئتم جمال التوجيه للعبادة والثبات في قصة أصحاب والكهف ورجل الجنتين، وشاهدوا الفرق بين المؤمن والمكابر، وتعلموا مراتب العلم من موسى والخضر، وانتبهوا لأدبه في لفظ الارادات. وتأملوا قوة الإيمان في الملك المؤمن ذو القرنين، وابتسموا لنسبته الفضل لله ولتوجيه القوم للاعتماد على أنفسهم، وتنقلوا في رياضها بين جمال اللفظ وحكمة المواقف، هذه الوثيقة الأسبوعية حوت سلاسل من أمم وحضارات، دارت في مسارات متعددة، وجمعها مناد الإيمان في كل مسار، نقف معها كل جمعة لنكسر عجلة مدنية تبعدنا عن الطريق، ولننعم بهدوء في ظلالها، ثم نسلم الأمر كله لله متبرئين من حولنا وقوتنا، لائذين بحوله وقوته.

 

(الصورة بعدسة: Mr. Puffy)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com