كفاح

كفاح

لا أدري لماذا شعرت بالرعب عندما فكرت في الكتابة.. ربما لأنني أراه في كل سطر من سطور قصتي.. ومع أنني لست بكاتب.. إلا أنني أشعر بالكلام يتدفق على الورق.. خياله المنكسر يرافقني في منامي.. وصورته أبصرها في كل شيء حولي.. من الذي عاش في الأيام ومن الذي عاشت الأيام فيه؟ الرجل المتعب الباسم.. ونظرته البراقة.. ترفعني من عالمي لتقذفني في الظلام.. أرتطم بكل شيء في الوجود.. أشعر أنها سياط تلهب أضلعي.. وكأنني لست سوى فرد من عصابة تآمرت على قتله.. ومع كل شهقة من أطفاله.. أشعر بتمزق روحي من الداخل.

رسالة إلى مهند.. قصة رحلة

14859224400_d2236909d9_z

15/9/2011م

شقة جاري (الصالة).. الساعة 12:30 مساءً

 

يسألونني عنك يا مهند.. من تكون؟..

قلت لهم رفيق درب.. غريب مثلي.. يشعر بنبضي وتمتد عروقه في جسدي.. جمعنا المبدأ.. الغربة.. الحزن.. الشوق.. الحب.. حر من الأحرار.. أصمتته الأيام، وليس أول من صمت.. دار بيني وبينه حوار ولم يسجل ولم تحفظ منه نسخة.. والا كنتم ستقرؤؤن الألم وتسمعون صراخ الشوق في الحروف الصامتة..

أرقام

أرقام

لم تكن تفهم شيئاً من تلك الأرقام المكتوبة على المرآة.. وكان هذا الأمر يزعجها كثيراً فقد تعودت أن تقرأ كل صغيرة وكبيرة في ذهن رفيق دربها، لكنها أمام مجموعة أرقام كتبت بالكحل الأسود على مرآة غرفة النوم شعرت بالعجز عن فهم حبيبها.

كانت الأرقام تزداد يوماً بعد يوم.. وكلما واجهته بسؤال عنها يكتفي بابتسامة ثم يغير الموضوع ولا يعطيها فرصة للعودة إليه.. وهكذا تجد نفسها في النهاية وقد خرجت من معركتها بابتسامة يمكن أن تكتسبها في كل مرة فمن عادته.. أن يحدثها وهو مبتسم.

هذه المرة شعرت بتأزم الأمر.. إذ وجدته بدأ في العمود الخامس من الأرقام المتسلسلة.. كانت تعلم أن كل رقم منها يعني يوماً من حياته فتسجيل الأرقام الجديدة هي أولى مهامه في الصباح إذ يمسك بقلم الكحل ويسجل رقماً قبل أن يغادر البيت متوجهاً إلى مكتبه.. ومع حرصه على تجنب الأمور التي تزعجها إلا أنه كان يصر على هذه العادة حتى امتدت خطوط الأرقام لتشكل أربعة خطوط بطول المرآة وخطاً بدأ في الظهور هذا الصباح ليكمل مشوار الغموض الذي بدأ وعجزت عن التعرف على معالمه.

قررت هذا اليوم أ ن تفاتحه في الأمر مرة أخرى، ولكنها لن تعطيه فرصة للصمت ككل مرة.. بل لابد من معرفة هوية الأرقام ولكنها قررت أيضاً أن تهيئ نفسها.. فهي تعرفه قوي الحجة إذا أراد النقاش.. وهذا هو سبب بقائها منذ أن استيقظت في مواجهة المرآة تحاول التفكير في الأرقام.

قطع تفكيرها صوت الهاتف لكن سرعان ماعادت إلى التفكير والتأمل في الهاتف الملقى بجانب السرير ترى هل هناك علاقة بين الأرقام على المرآة وبين أرقام المصاريف المتنوعة؟ الفواتير وماشابهها. ولكنها استبعدت هذا الخاطر لأنه لم يفكر من قبل في تدوين هذه الأشياء، وبالرغم من تكاسلها وعدم رغبتها في الحديث إلا أن الرنين المتواصل جعلها ترفع الهاتف لتنهي ذلك الإزعاج،جاءها صوت صديقتها وقريبة زوجها ندى التي تعرف الكثير من عادات زوجها وعاداتها وربما تساعدها في التفكير.

وصلها الصوت مبتسماً كعادته:

–        كيف أصبحت أيتها الكسولة؟

–        بخير ولله الحمد.. ليس كسلاً أنا مستيقظة من الصباح ولكنني أفكر.

–        فيم، يبدو أنه أمر مهم!!.

–        أفكر في عبداللطيف.

–        ماذا به؟

–        اسمعي سأقول لك شيئاً وحاولي التفكير معي ولكن لا تخبري أحداً.

–        منذ بضعة أشهر بدأ عبداللطيف في تسجيل أرقام على مرآة غرفة النوم.

–        أرقام ماذا؟

–        لا أدري.. وهذا هو سبب التفكير.. أريد معرفة سر تيك الأرقام.

–        ربما كانت أرقام هاتف مهمة أو غير ذلك.

–        لا.. فالأرقام أرقام تسلسلية.. بمعنى أنه بدأ من الرقم واحد واستمر الأمر وهذا الصباح وصل إلى الرقم 145.

–        غريب.. ما معنى هذا؟

–        نعم غريب وهذا ما يحيرني. فهو يسجل كل يوم رقماً واحداً فقط.

–        هل سألته؟

–        نعم.. سألته ولكنه اكتفى بابتسامة وهذه عادته إذا حدثته عن الأرقام.. وبعد ذلك يغير مجرى الحديث.

–        هل هناك أي تصور في ذهنك عنها؟

–        في الحقيقة لا.. ومما زاد فضولي حرصه على المتابعة.

ضحكت ندى ثم قالت:

–        تخشين من وجود امرأة أخرى.

–        لا أبداً.. عبداللطيف ليس من النوع الذي يفكر بهذه الطريقة.

–        تعجبني هذه الثقة.. ستريحك كثيراً.

–    في الحقيقة يا ندى هو رجل مثالي في تصوري.. يطلعني على كل أموره.. يشاورني في كل شيء.. إلا أنه في هذا الأمر لم يخبرني أي شيء من شأنه أن يساعدني.

–        غريب فعلاً.

–        نعم غريب.. أستطيع أن أقول إنني أفكر في أفكاره قبل أن يفكر هو فيها.. ولكن الأرقام …

وندت عنها صيحة أشعرت صديقتها بمدى ضيقها وانشغال تفكيرها.

–        وماذا قررت؟

–        أريد الحديث معه.. هل توصلت لشيء بخصوص الأرقام؟

–        في الحقيقة يا غيداء لا.. ظننت أن الأمر سيكون سهلاً.. ولكن أحتاج لوقت كي أفكر.

–        حسناً يمكنك أن تفكري، ولكنني لن أنتظرك بل سأفاتحه اليوم في هذا الأمر.

–        جيد.. ولتحذري أن تغضبيه.. وإن آثر الصمت فلتحترمي رغبته.. حتى لايحدث بينكما مشاكل.

–        لن يحدث شيء بإذن الله.

ثم دار حديث بسيط بين الصديقتين عن الأطفال والمنزل والأسرة التي سيعقد اجتماعها السنوي قريباً والمواضيع التي ستطرح في الاجتماع.

انتهت المكالمة عادت غيداء إلى مكانها أمام المرآة وبقيت تفكر، ثم قامت بهدوء إلى الهاتف وأدارت رقم عبداللطيف.

وصلها صوته السعيد:

–        أهلاً حبيبتي.

–        مرحباً حبيبي.. هل ستذهب إلى أي مكان بعد عملك؟

–        لا.. سأعود إلى البيت كالعادة.. هل تريدين شيئاً؟

–        أممم… أفكر أن أدعوك لتناول الغداء في الخارج.

–        وأنا موافق.. وبعد ذلك يمكن أن نتوجه إلى البحر لنكمل اليوم.. مارأيك؟

–        ممتاز.. إذاً سأهيئ أغراض الرحلة.

–        اتفقنا..

وصلتها ضحكته ثم تابع:

-ولكن أنا لا أقبل بأي مكان.. أريد مكاناً فخماً.

ابتسمت له ووعدته بمكان يعجبه ثم أغلقت السماعة وبدأت في ترتيب الأغراض.

وصل عبداللطيف في موعده.. ووجدها تنتظره ولم يضيعا وقتهما بل توجها مباشرة إلى مطعم صغير يقع على الكورنيش.. كانا قد زاراه من قبل ومع وجود منظرا لبحر شعرت بأن الجو مهيئاً لكي تفاتحه في الأمر.

–        عبداللطيف.

–        يا عيونه!

–        أريد أن أسألك عن الأرقام.

ابتسم لها وساد الصمت.. ثم رفع رأسه ونظر إليها:

–        لماذا تشغلك؟

–        لأنها أمر محير فعلاً.. لقد حاولت معرفتها ولكن …

–        ولكن انسيها فهي ليست مهمة لأحد سواي.

–        مايهمك يهمني.

بدا على وجهه أن يفكر في كلامها.. وتركته فهي تعرف أنه يمكن أن يخبرها إذا شعر بالرغبة في ذلك. ثم سألها:

–        هل ترين أنها أفسدت حياتنا؟

–        لا..لا.. لم أقصد ذلك.. ولكن لا أحب أن أشعر بوجود أسرار في حياتنا.

–        اسمعي غيداء.. لن تصدقيني إذا بحت لك بسرها.

–        أعلم أنك لا تكذب.. قل وسأصدقك.

بدا عليه التردد..ثم قال:

–        حسناً ولكن لا تناقشيني في الموضوع أبداً..اتفقنا؟

شعرت بالسعادة وقالت:

–        اتفقنا.

–    منذ فترة حصل بيني وبين أحد الزملاء موقفاً أزعجني.. وهذا الأمر طبيعي يمر بنا كثيراً.. ولكن المشكلة هي أنني لاأملك ماأدافع به عن نفسي.. ولذلك شعرت بالظلم.. ولأنني متعود على تجاوز هذه الأمور فقد قررت أن أصمت.

–        ثم؟

–        لا شيء.. ثم بعد ذلك بدأت أسجل الأيام التي مرت على هذه الحادثة؟

–        لمه؟

رفع رأسه ونظر إليها.. كانت نظرته بعيدة شعرت أن صاحبها لم يعد في العالم معها. ثم قال:

–        لأنني أريد أن أذكر نفسي أنني ظُلمت.

–        عبداللطيف.. أنت لا تحقد على أحد.

–        ليس حقداً..ولكن هذا الأمر سيبقيني بعيداً عن الناس.. لست في حاجة إليهم.

حاولت أن تتابع النقاش..ولكنه ابتسم لها ثم قال..

–        لاتنسي اتفاقنا.

ابتسمت وصمتت.. ولكنها في نفسها كانت تفكر.. أي قسوة هذه هي التي جعلت عبداللطيف يفكر هكذا.. لابد أنه جرح جرحاً بليغاً.. كم هي الأمور التي نخسرها في حياتنا بقسوتنا على من حولنا.

انتهى الكلام في الأرقام.. وعادا يتحدثان عن أمور حياتهما.. كانت تعلم أن الأيام ستنسيه.. أو على الأقل لن يبقى في نفسه شيء.. ولكنها تعلم أن هذا الجرح سيظل ينزف في قلبه الرقيق.. وتعلم أيضاً أنه سينسحب؟ من جرحه إلا أنه سيرحل بعيداً..بعيداً عن دنيا البشر.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

عودة الطائر

Picture2

اليوم الخميس.. الساعة العاشرة ليلاً.

قطرات المطر تلمع تحت أضواء المصابيح العتيقة.. وقلب منكسر يسير وحيداً.. يعبر فوق الجسر الخشبي ويقف لينظر إلى النهر ويتأمل.. القمر يتكسر على الأمواج والمطر يفسد سكون الماء.. وتحت قطرات العاصفة الوليدة يمضي يتجرع همومه.

هل كان يتوقع أن يرحل عنه الجميع إذا كبر ليتركوه يواجه الحياة وحده في سنيِّ شيخوخته؟.. هل تصور أن قلوب من وهبهم قلبه ستقسو عليه.. تتخلى عنه وقت حاجته؟.. هل خطر بباله أنه سيعود وحيداً بعد أن كان لديه بيت وأسرة؟

أفاق من تأملاته على صدى خطوات تعبر الجسر.. لم يلتفت إلى القادم.. تلاشت الخطوات مع قطرات المطر.. وعاد إلى تأمله.. السكون والحنين وضوء مصباح يتمايل ليشعره بالوحشة أكثر.. في هذه البقعة البعيدة عن المدينة. ترك مكانه على الجسر وتوجه إلى الغابة.. هناك حيث قرر أن يقضي بقية أيامه في هذه الحياة ولن يرافقه أحد. في بقية أيامه

بدأ يعتاد على حياته الجديدة.. خروف ونعجة.. وبعض دجاجات توفر له البيض.. وكلب حراسة قوي ووفي.. ومنزل صغير وسط مساحة خضراء.. يمر بجوارها جدول صغير.. وأشجار متناثرة تزيد من عزلة المنطقة.. وكأنها تساعد الرجل في بعده عن الناس وبقائه وحيداً.

–        أوه لماذا تنبح يا قمر؟ ماذا وجدت هناك..

جرى حيث وقف كلبه يتأمل في الأرض ويشم كأنه يريد لفت الانتباه لشيء.

–        أوه.. طائر جريح.

رفع الرجل الطائر الخائف.. وتأمل في جناحه..

–        إنه مكسور لنحاول أن نعمل شيئاً من أجله.. يبدو لي أنه قوي وهذا سيساعد على شفائه.

توجها إلى المنزل الصغير وبدأ في عمل جبيرة للطائر.

–        والآن يا صغيري.. سأسميك غريب.. وسيكون هذا الاسم لك مادمت ضيفي في هذا المكان..

ثم أدار ظهره والتفت.. ولكنه عاد إلى الطائر وهمس بحزن..

–        بل أنا ضيفك.. أنت صاحب المكان الأصلي.. أما أنا …!

وترقرقت دمعة مسحها بكمه.. وخرج من المنزل.

–        هيا يا قمر.. لابد أن ننهي واجباتنا هذا اليوم.. لا تخف على غريب سيكون بخير.

الأيام تمضي سريعة.. وغريب يتماثل للشفاء في تقدم ملحوظ.

–        والآن يا صغيري.. يمكنك أن تطير خارج المنزل.. وستعود إلى عالمك الفضائي الواسع.

–        تعال يا قمر سنودع صديقنا..

جرى الكلب خلفه وهو يثب فرحاً.

وفي وسط الباحة المحيطة بالمنزل وقف الرجل ومعه الطائر.. بسط كفه.. وابتسم وهو يشير إلى الطائر المحلق.

الحمى تشتد.. والليل يطول.. وهذه الغربة لا ترحم ضعفه.. وقمر قريب من صاحبه يئن لأنينه.. ويقترب ليدفئه بجسمه في ليالي الشتاء الباردة.. والسحب تحجب القمر وعوي ذئب بعيد.. وأصوات الرياح تحرك الأشجار.. وصوت خافت ينادي.. ابني.

أشرقت شمس النهار حاملة الدفء والسعادة.. واستيقظ الرجل يربت على ظهر صديقه ويبتسم له..

–        كانت ليلة قاسية أليس كذلك؟

اكتفى الكلب بصوت يدل على الألم.

–        لقد شعرت بك بجانبي.. هانحن يا قمر غريبان في هذه الغابة.

رد الكلب بنباح.

ضحك الرجل..

–        لا تحب أن تشعر بالغربة.. نعم أنت محق.. هذا عالمك أنت أيضاً.. لايمكن أن تكون أنا.. على كل حال نحن متفقان.. لكل منا عالمه.. هيا بنا لنحضر الماء.

هل نجد صور الوفاء في كائنات لا تعقل؟ هل نراها انتهت من حياتنا؟

قطع ابتسامته صوت أجنحة فوق رأسه.. رفع رأسه وابتسم..

–        هذا أنت يا غريب.

نبح الكلب في سعادة.

–        لقد تذكرتني ولم ترحل.. إذا يا غريب عرفت مكان عشك. قالها مبتسماً.

مرت الأيام هادئة.. وفي زاوية المساحة الخضراء رقد جثمان الرجل.. وقريباً من قبره وجدت بقايا لجثة كلب ضخم.. آثر أن يموت على قبر صاحبه.. وفي المنزل عش صغير يحوي رفات طائر.

هذا كل ما بقي لجيل من الغرباء.. رحلوا عن كل شيء.. ليجدوا الوفاء في مساحة من الغابة.

 

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

حديث الحقائب

112

سمعت جلبة شديدة وتعالى صراخ الصغار.. ثم فتح باب السندرة القديمة وألقيت حقيبة، وأغلق الباب بقوة وساد الصمت ثانية.

كانت السندرة القديمة تمثل مخزناً لهذه المنازل النصف قروية.. وباستثناء كوة صغيرة مرتفعة لم تكن ترى النور إلا في مرات محددة من السنة، تمثل الفترات التي تهتم فيها الأسرة بتنظيف المكان وبالتخلص من بعض الأشياء القديمة لتوفير مكان لأشياء أخرى ستلقى فيها ذات يوم.

أثارت الموجة التي مرت قبل قليل بعض الغبار.. ثم بدأت الأمور تعود إلى هدوئها ثانية.. وعاد الغبار إلى التراكم ثانية على الأشياء المكومة هنا وهناك. حقائب متعددة المقاسات، قطع أثاث، أحذية مختلفة، مرآة مكسور طرفها تقبع مائلة في ركن قصي، وصناديق فيها ملابس شتوية لم يحن موعد استخدامها، وجرائد قديمة كانت مهمة ذات يوم، ومعاطف الصقيع معلقة على مسامير حديدية وقد علاها الغبار وبدأ العث يرتع فيها.

قطع السكون صوت ضحكة فتية.. فيما تململت الحقيبة الملقاة وبدأت تعدل من وضعها.. ثم التفتت إلى مصدر الصوت وسألت بغضب:

–        لمً تضحكين؟

ارتفعت القهقهة دون اهتمام بالسؤال.. فيما تململ صوتٌ عجوز مستنكراً الضجة..

–        ماالذي يجري هنا؟ لماذا ترتفع أصواتكم.

سمع صوتاً من الزاوية المظلمة في السندرة يقول:

–        يبدو أن هناك ضيفاً نزل علينا.. أهلاً بك أيتها الحقيبة الصغيرة لماذا تبدين غاضبة؟

ردت الحقيبة الصغيرة:

–        أريد أن أعرف لماذا تقهقه هذه الملونة؟

أجابت الملونة:

–        أهلاً بك.. اسمي ليلى، أنا حقيبة ألعاب الطفلة هناك في الأسفل. ضحكت لأنني شعرت بحالك.

–        وما المضحك المضحك في حالي؟ ردت الحقيبة بغضب.

–    كلنا هكذا حين نصل إلى هذا المكان.. نشعر بالغضب في البداية لأننا لم نتعود على الغبار.. ثم نألف الأجواء وسرعان مايصبح شعور الغضب نوع من اللامبالاة.

أخذت الحقيبة تسمح أثار الغبار عن جلدها وهي تغمغم بكلام لم يفهمه أحد.. ثم رفعت رأسها بنوع من التكبر وقالت:

–    ولكنني لست كالآخرين.. الأمر لا يعدو ظروفاً خاصة تمر بها الصغيرة، وسرعان ماستفتقدني وتعود لتبحث عني وتخلصني من الأشخاص غير المحببين.

ضحكت الحقيبة الملونة.. فيما رد الصوت العجوز بنبرة فيها عمق التجربة:

–    جميل، جميل أن يعيش الإنسان بالأمل.. وجميل أيضاً الثقة بالنفس. ولكن الأهم من الإحساس بالأمل هو أن نستمر نحيا به.. ونشعر بقدرتنا على العطاء بالرغم من كل الظروف.

رد صوت خافت من داخل أحد الصناديق..

–        لا عليك يا أماه.. هكذا كنت أقول في البداية، ولكنني اليوم سعيد باستقراري داخل هذا الصندوق..

ثم فتح الصندوق وأطل رأس صغير يشبه فردة حذاء طويلة العنق.. وتابع كلامه:

–    أتريدين الحقيقة.. الرضى بالصندوق أفضل من أسنان كلب تقبض علي، وتجري بي في الشوارع والمزابل، وتلقي بي في النهاية عند بركة ماء خلفتها الأمطار بجوار رصيف قذر.

ثم عاد وأغلق الصندوق.

–        ما الذي يجري هنا؟ ماهذا الكلام.. صاحت الحقيبة برعب.

–        ضحكت الحقيبة السوداء بحنان ثم قالت:

اقتربوا مني يا صغاري وأنصتوا إلي أقص عليكم قصة هذا المكان.

بدأت الحقائب والصناديق تلتفت إليها مصغية إلى قصتها.. فيما أخذت العجوز تروي.

–    في الماضي كان لهذا المكان وزن وقيمة.. لأنه كان محطة مؤقتة.. ففي الصيف توضع فيه أغراض الشتاء، وفي الشتاء تحفظ فيه أشياء الصيف، حتى يحين موعد استبدالها.. وكان الناس وقتها يهتمون باقتناء ماينفعهم.. ولأنهم يعيشون على الأرض فهم يقتصدون في كل شيء.

عالم الناس كعالمنا تماماً.. فلكل شخص مهمته أو وظيفته في الحياة.. تماماً كالوظائف التي نؤديها.. فالحقيبة التي تصلح للمدرسة لا تصلح لحفظ طعام الرعاة.. وهكذا لكل قيمته.

مع التطور بدأ يتغير هذا المكان.. وأصبحت تلقى فيه أشياء عديمة النفع، ثم يتم ترتيب المكان لتلقى في المزابل وتنسى.. وأصبح من يأتي هنا لأول مرة يشعر بالتذمر، ثم لايلبث أن يتعود فتخمد ثورته، ثم يصمت حتى يأتي يوم يعاد استعماله، أو يلقى خارجاً.

–        وماذنبي أنا؟

–    ليس لك ذنب يا صغيرتي.. كما أنه لا أحد لم أفهم؟ ذنب في هذا.. لقد تغير كل شيء.. فليس لكم قوة الأسلاف.. كما أنه ليس لنا منظركم البراق.

–        وهل.. هل.. سيرمون بنا؟

–        هذا يا صغيرتي يتوقف عليكم.

–        ماذا نفعل؟

–        حافظوا على جمالكم.. خيوطك الصغيرة إذا تمزقت من الحزن سيفسد مظهرك، وستفقدين قوتك.. وسيلقون بك حين تصبحين عديمة النفع. ولكنهم سينظفونك ويعززون خيوطك بخيوط أخرى إذا رأوا أنك لازلت صالحة للعمل، وأنك تحافظين على عطائك.

لم تظهر علامات الرضا على الحقيبة الصغيرة.. وفي الوقت نفسه سمع صوت اصطدم طائر صغير بالنافذة، حاول العبور ولكنها كانت موصدة.

قالت الحقيبة الكبيرة:

–    هذا الطائر على سبيل المثال، لم ييأس من محاولات الدخول هرباً من الشتاء.. مع أنهم هدموا عشه ثلاث مرات.. وسينجح حتماً.. على الأقل وجد لنفسه مكاناً تحت قرميد المنزل، ولن يلبث أن يجد طريقه من خلال الأخشاب. إن الحياة لاتنتهي.. هي هكذا دائماً.. تمنح من يجتهد فيها.

–        لكنها أنانية.

–    لا يا صغيرتي.. ليست كذلك.. هم من صنعك.. ويريدون الاستفادة منك.. قدمي لهم شيئاً مقابل الساعات التي عملوا فيها بين الآلات لأجل أن يخرجوك بمنظرك الحالي.

–        ولكن لنا الحق في الحياة.

–        نعم.. صحيح، وهم أيضاً يريدون الحياة.. وكلانا يكمل الآخر.. لكل منا قيمته.

قالت حقيبة زرقاء كبيرة:

–        أوه يا جدتي.. لازلت تكررين نفس الكلام.. ليس لهم من الخبرة مالك.. الأيام كفيلة بتعليم الناس.

ردت الحقيبة الصغيرة:

–         وماذا تفعلين أنت؟

–    أنا حقيبة الجد.. حين يسافر فإنه يتذكرني.. يأخذني، ينظفني، وأحياناً يصبغني لأبدو بمظهر الصغيرة. لقد جبت معه عديداً من البلدان، ورأيت كثيراً من الأشياء.

–        وهذه الملونة؟ أشارت إلى ليلى

–        ليلى حقيبة قماشية.. إنها للزينة أكثر منها للاستعمالات العملية. حين تقام الاحتفالات يأتي مقامها.

–        فاشلة..!! قالت ذلك بترفع.

فتح الباب فجأة واندفع صبي وطفلة يتعاركان:

قلت لكَ لاترم حقيبتي مرة ثانية.

–        وأنا قلت لكِ اتركيني وشأني.

–        أين ألقيتها أيها المتوحش؟

قال الصغير بتكبر..

–         لا أدري، حاولي أن تجديها بنفسك.

التفت الصغيرة إلى حيث تجمعت الحقائب بجوار الجدة.. ثم صاحت بفرح..

–        أوه ما أجمل هذا. انظر كل حقائبي هنا.

جرت نحو الحقائب ثم رفعت ليلى وشرعت تنفض عنها الغبار..

-لازالت جديدة، فقط تحتاج إلى تنظيف.

ثم أمسكت بالحقيبة الصغيرة:

– وهذه حقيبتي لقد وجدتها، لن تستطيع أن ترميها ثانية.

التفت الصبي إلى الصندوق وهناك لمح الحذاء البني.. لمعت عيناه في لهفة:

وهذا حذائي.. لقد وجدته..

سحبه بعنف وضربه في الجدار لينفض عنه الغبار.. فيما ارتفعت صيحة الحذاء المتألم. وقبل أن يخرج فتح النافذة ليجدد الهواء.. وليدخل الطائر الصغير.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com