الجرحى

مر كل شيء بسرعة، السيارة تتراجع للخلف وسرعتها في ازدياد، وصراخ مختلط، أحد الركاب يضرب جانب السيارة بيده ليحاول تنبيه السائق، وعلى أي حال فقد السائق السيطرة وانقلبت السيارة، بعد وقت قصير بدأت أشعر بما حولي، كانت الدنيا مظلمة، استوعبت ما حدث، لقد انقلبت السيارة، حاولت أن اجمع أفكاري وأتصرف بهدوء، حين جرى الحادث كنت راكباً في مقطورة السيارة، ولذلك توقعت بأنني قد أكون مصاباً وأنه لابد من الحذر في تحركاتي، كنت أشعر بثقل فوق ساقي، ربما تكون السيارة قد وقعت فوق ساقي، هذا ماطرأ على ذهني وقتها، حاولت تحريك قدمي فتحركت، أدركت أن الثقل ليس إلا شخصاً جريحاً، لم أكن أشعر بألم، سحبت ساقي وخرجت من تحت السيارة زاحفاً، بدأت في البحث عن البقية، كان البعض مصاباً، نظر إلىّ مرافقي وسألني: هل أصبت؟

–        لا.. هيا نرى البقية.

البعض مصاباً ينزف، كنا في قمة جبل في مكان معزول وبعضنا يئن من ألمه، أخرجت الحقائب من السيارة بسرعة ووضعتها في منطقة على جانب الطريق، رتبتها بحيث تسهل عملية التعرف عليها، كنت أفضل حالاً من الكثير. بدأت أساعد في علاج المصابين، بعض الإصابات قوية، ولكن بحمد الله لم يكن هناك كسور، فقط رضوض بعضها قوي، والبعض الآخر مما يصيب الإنسان في حياته اليومية ويمكن تحمله، أصيب شخص في وجهه، يبدو أن أنفه قد كسر، سيظل يذكر هذا المنظر ويضحك من نفسه، كان يملأ الجو ضحكاً بأنفه المدبب.

مر القائد علينا رجلاً بعد رجل، وتأكد من سلامتنا، ثم سأل عن مدى قدرتنا على السير.

–        ذهبت إليه وسألته: هل سنمشي؟

–    أجاب في هدوء: نعم ، سنتابع الطريق مشياً، حملت بعض أغراض الجرحى اللذين لايستطيعون السير، شعرت بألم، لم أقل شيئاً واجتهدت أن أخفي ألمي، جاءني المرافق وهو ينظر في خوف إلى وجهي، تحاشيت النظر إليه، سحبني من يدي.

–        ماذا تفعل؟ بادرني بالسؤال.

–        أجبته وأنا أنظر في الجهة الأخرى من مكان وقوفه: سأساعد الآخرين.

–        وضع يده على كتفي وسألني، هل أنت مصاب؟

–        لم أجبه.

–        هزني وأصر على سؤاله.

–        لم أرد عليه في البداية، ولكنه ظل ثاباً، قلت: لا عليك، إصابة بسيطة، الأمر لايدعوا إلى القلق.

–        قال لي وهو يهز رأسه: مجنون، تعال أرني.

–        كشف جنبي كان جرحاً بسيطاً، قلت له لا تهتم، هيا نساعد الأخوة.

–        أخرج من حقيبته علبة عسل وبدأ يدهن جرحي، لن تحمل شيئاً.

–        بل سأحمل.. الجرح بسيط.

–    نظر إلىً وقال كلمة عرفت فيما بعد أن معناها عنيد، حتى هو وصفني بالعناد، ترى هل أنا عنيد حقاً؟ هل هذا الشيء يزعج من حولي؟ لماذا يصفونني بالعناد؟ لأنني أحب أن أكون وحيداً؟، إذا شاركت من حولك بمشاعرك فسيكون من المؤلم ألا ترقى اهتماماتهم إلى مستوى ألمك، ولذلك تعلمت أن أبقى وحيداً.

تحركنا بصمت، كنا ننظر لبعضنا ونبتسم برغم الألم، كانت قافلة حزينة. الليل في الجبال بارد موحش، كانت النسمات تلامس الوجوه المتعبة، بدأ الألم يظهر الآن، البعض لم يستطع الصلاة واقفاً، حمل بعضنا الآخر وتابعنا المسير.

–        هل هذه أول مرة لك؟

–        هل تتوقع أن عندي خبرة؟

–        ربما، وربما تكون جديداً، الكثير هنا يشاركون لأول مرة.

–        .. ..

–        يعجبني إصرارك، تبدوا غريباً قليلاً، أنت صامت ووحيد.

–        كلنا كذلك.

–    ربما، وربما لسنا كذلك لأنك لاتفهم لغتنا. هناك المتذمر، والسعيد، والمتشائم، وهناك من لايفكر في شيء، لايخاف من شي، أترى هذا الطاجيكي؟ وأشار إلى رجل بدين نوعاً ما. لم ينتظر إجابتي وتابع الكلام، أنه مجنون، شجاع جداً، كان معي في المدرسة، لايرهب حتى الأستاذ. ثم اقترب وأخفض صوته وتابع كلامه: هو ليس طاجيكي حقاً. انتظر أن يدفعني الفضول لسؤاله وحين رأى صمتي تابع كلامه: إننا نناديه بالطاجيكي لأنه أبيض، ويشبه الطاجيك.

في الليل وصلنا لمنطقة آهلة، ذهب القائد للبحث عن مكان تبيت فيه القافلة، وبعد قليل عاد إلينا.

–        قال دون ينظر إلينا: وجدت مكاناً، سيتم توزيعنا عليه، ثم أضاف في حزم: وستبقى مجموعة للحراسة.

لم أستطع النوم، كنت أرى أن القائد قلقاً، قضى معظم ليلته خارج الغرفة، وكان يدخل بين فترو وأخرى ليطمئن على أن الجميع بخير.

لم استطع النوم أيضاً، تجرأت وذهبت إليه، ألقيت التحية ودون مقدمات وقفت بجانبه في الظلام ونظرت إلى النجوم، كان اللي صافياً، والنجوم منتشرة بصورة مبهرة ملايين النجوم تنتشر في صفحة السماء السوداء، أخذت أراقب النجوم واستنشق عبير الليل البارد.

–        التفت إليه فرأيته يبتسم، وبادرني بالسؤال: لم لم تنم؟

–        لا أدري، شعرت بالتعب ولكن لم أتمكن من النوم، ماذا حدث؟

–        ابتسم وقال وهو بنظر بقلق عبر الظلام لا شيء، كيف حالك؟

–        قلت له: بخير.

–        كيف الرحلة؟

–        جميلة. ما رأيك بها؟

–        ستذكرها كثيراً، ربما لن ترى أحداً ممن هم معك الآن.

–        سألته لاستحثه على الكلام: كيف؟

–        حدث هذا كثيراً.

–        قتلوا؟

–        نعم، الحرب لا تعرف أحداً، والموت يختار من يشاء.

–        تبدو قلقاً.

–        أهل القرية ينوون شراً.

–        وكيف عرفت؟

–        رأيت نظراتهم، أعرف هذه النظرة جيداً.

–        إذاً هيا نتحرك.

–        البقية لا يستطيعون.

–        لندافع عن أنفسنا.

–        سنفعل ولكن لو تحركنا هنا سنقتل كلنا ذبحاً، ألا تريد النوم.

–        لا.

–        يجب أن ترتاح لدينا طريق طويل.

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: كمين> يتبع > الحلقة التالية: راحة)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.