راحة

–    وصلتنا أصوات الديكة وهي تؤذن، كانت الدنيا مظلمةً، والسماء لازالت سوداء مرصعة بنجوم كحبات الألماس، أحسست بلمسة لطيفة تهزني وصوت خافت يصلني: مستيقظ؟

–        نعم، قلت ذلك وقفزت من مكاني، لم أنم كثيراً ولكنني كنت نشيطاً، لا أدري لماذا؟ هذا الحال لازمني سنين طويلة بعد ذلك.

تحركنا قبل أن يبزغ الفجر، لم يكن القائد يريد أن تنتبه القرية لتحركنا، بدا أن المجموعة متأثرة فعلاً بجراحها، كان لمبيت تلك الليلة أثراً في إثارة الألم، حملنا حقائبنا وانطلقنا مشياً على الأقدام، مررنا بعدة قرى، لم نتكلم مع أحد منهم، ولم يسألنا أحد عن وجهتنا.

توقفنا في مدينة أكبر من المناطق التي اعتدنا التوقف فيها، قال القائد لابد أن نرتاح هنا ونداوي جرحانا، لايتحرك أحد بغير استئذان، تناولنا طعامنا، كيف كان ذلك الطعام لا تسلني، لقد نسيت مذاق الطعام منذ أن بدأت المسير في هذا الطريق، كنا نأكل الطعام فنراه لذيذاً ولكن لا أدري كيف سيراه الناس، سعداء بقدر ألمنا، مرتاحون بقدر تعبنا، لاشيء يعادل في نظري الخبز والشاي، وفي حالات الغنى فالبطاطس يعتبر وجبة مميزة في قائمة طعامي.

الحادث أورثنا نوعاً من الألفة، تعارفنا عن قرب، اكتشفت أنهم ليسوا من نفس الدولة، لكن جاء الكل هنا لنفس الهدف، لا يمكن أن أنسى صورهم، لكنني قررت عدم التعرف على أحد حتى لا أفتقد أياً منهم كما حدث في المرة الماضية، ولكن الأحداث فرضت نفسها فتعارفنا.

لقد رحل الجميع يا أخي، رحلوا غرباء عن أوطانهم، قبورهم صخور الجبال، هنيئاً لتلك الساحات بأولئك الأبطال، أتعرف يا أخي، ليس من السهل أن أكتب عن مشاعري، إذا كانت الكتابة تعبيراً عما في النفس، أو بالأصح محاولات للتعبير فلماذا لاأجد الكلمات ولا أريد البحث عنها؟، تلك الميادين لا تعبر عنها الكلمات، يوم أن تمضغ طعامك بدموعك، يوم أن تحمي سلاحك بجسمك، يوم أن تفدي إخوانك بنفسك، أي كلمة يمكن لها أن تعبر!!. كان مرافقي قريباً مني في سنه، افترقنا مرة واحدة منذ أن تعارفنا، ذهب للجبهة وبقيت في المعسكر، وعاد الأنصار من دونه، سألتهم عنه فابتسموا، وقرأت الخبر في ابتساماتهم، تعودت كثيراً على هذه الابتسامة، سألتهم:

–        لوحده؟

–        لا، معه الطاجيكي والضيف الذي جاء قبل أسبوع.

–        كيف؟

–        خيانة.

ولا تملك إلا الصمت والابتسامة، وتحفظ ألمك في صدرك، وتنتظر موعد رحيلك، وتبقى وحيداً، كلما رافقت إنسان رحل وتركك، حتى تدرك القافلة.

كنا لا نتحرك كثيراً خوفاً من العيون، أفادتنا تلك الأيام الثلاثة وخففت عنا بعض العناء، تلقْى البعض علاجهم، ولكن بقيت الكدمات ظاهرة، كانت الحركة صعبة نوعاً ما ولكن كان لا بد من مواصلة الطريق، حملنا حقائبنا وانتظرنا حلول الظلام، ثم تحركنا.

بعض الأحداث لايمكن أن تكتب، الكلمات لن تطاوعك، إذا أردت أن تشرحها فلابد أن تتركها كما هي، لايمكن هنا أن تتخيل شيئاً، فالصور ستكون بسيطة مباشرة، كيف تكتب عن رجل تضعه في قبره بعد عشرة أيام دون أن يتغير؟!

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: الجرحى> يتبع > الحلقة التالية: قافلة الجرحى)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.