قبور الياسمين

grave

أخي.. أسمع صوت قلبي وهو ينبض، كأنه يقول لي انتبه لا تكتب.. صوت المطر في الخارج يصلني ضعيفاً.. ربما لانشغالي بك.. الليل ووحشته وأصوات الذئاب بعيدة في الغابات.. وأنا وشمعتي ننتظر مجيئك.

على الضوء الأصفر الباهت المتراقص أتذكرك.. تأخرت كثيراً.. انتظرتك اليوم كما هي عادتي في كل يوم.. ولما جاء الليل بقيت ككل ليلة أراقب الشمعة وأنتظرك.

يقولون إن الإنسان إذا دنا أجله تمر عليه الذكريات كومضات.. أنا أتذكر الليلة فهل سأموت؟

غريبة هي كلمة الموت.. انتظرتها كثيراً وبحثت عنها.. لكنني لم أصادفها. أشعر بالبرد بالرغم من النار الملتهبة.. أتدفأ.. أنظر من النافذة المغلقة إلى الشارع علِّي أراك.. بدأ الثلج بالتساقط.. إذاً هذا هو الشتاء الطويل.. وأنا وحيد. الوحدة ليست شيئاً جديداً في حياتي.. ولكنها الآن مختلفة.. هذه المرة أشعر بمرارتها تقطع قلبي.. كنت وحيداً دائماً.. ومن عجب أن يختلف الأمر هذه الليلة أعود لطاولتي المُهْترِئة.. أراقب الشمعة، وأقرر الكتابة. أخرجت من حقيبتي ما بقي من أوراق.. أخاطب هذه الحقيبة وكأنها تعقل ما أقول.. كيف لا وهي الوحيدة التي رافقتني في سفري.. صورة جديدة من صور العشق.. تنام في حضني.. وتحفظ سري.. وتسير بدربي.

ماذا سأكتب لك.. دعني أحدثك قصة أسفاري بحثاً عنك.. وانتظاري لك بالرغم مما قالوه عنك.. أتدري ماذا قالوا؟ قالوا إنك مت.. أتصدق ذلك؟!.. أعلم أنك حي، ولكنهم يريدونني أن أنساك.. وهل ينسى المرء نفسه؟

خرجت وحيداً من قريتنا.. وقررت الاستقرار في منطقة نائية.. قلبي يحدثني أنك ستصلني.. كان كل شيء حولي غريباً لم أتعود على السفر، ولهذا تعجبت كثيراً مما رأيت. تعبت في البحث عن مكان مناسب.. كل الأماكن هنا مزدحمة.. وأعلم أنك تحب الوحدة.. وأنا كذلك لاأريد البقاء قريباً من الناس..وقليلة هي الخدمات التي نحتاجها.. ولهذا تعبت كثيراً.

أخيراً وجدت مكاناً مناسباً، أو هذا على الأقل ما ظهر لي.. اشتريت قطعة أرض وأصلحتها.. كان فيها كوخاً قديماً تآكل خشبه في بعض جوانبه.. لاضير.. يمكنني إصلاحه على أي حال.. كنت أفكر فيك فقط.. قالت لي أمي إنك رحلت. كانت تبكي كثيراً.. أشك أحياناً في كل شيء حولي.. ترى أين أنت الآن؟أشعر بالجوع.. ومع صوت المطر يهاجمني النعاس بين فترة وفترة.

قمت توضأت وصليت.. ثم تمددت في فراشي ولم أشعر بشيء من شدة التعب. كنت أتذكر بدايات رحيلي.. قضيت بعض الأيام في سيارتي.. لم أنم فيها جيداً.. ربما كنت أوهم نفسي بهذا الشيء ولكنني حقيقة لم أشعر بالراحة.. زرت كل مكان كنا نزوره معاً قبل أن تسافر.. ومع إشراق شمس كل يوم كنت أبحث عن مكان يعجبك لأستقر فيه وأنتظرك.

في النهار أسير في الشوارع وأصعد الجبال.. وفي الليل يختلف حالي قليلاً.. فالبقاء جوار البحر أو في مكان بعيد عن الناس يريحني أكثر.. وتأمل المساحات الخضراء والزرقاء يشعرني بقربك مني.. أتذكر؟؟ هكذا كنا دائماً.. لازلت أحتفظ بكل ذكرياتك.. وستبقى معي حتى تعود.. أتأمل في البحر أحياناً أتساءل هل ستأتي من هنا؟ هل يخبئ لي الموج الأزرق مفاجأة؟ ومع هديره أشعر بقشعريرة تسري في جسدي.. ترى هل يحسن هذا الهدير زرع البسمة على الشفاه؟

لقد تغيرت كثيراً بعد رحيلك.. هكذا قالت أمي.. حتى الوزن الزائد الذي كنت تنتقده فيّ قد تغير.. لقد ذبلت كثيراً من أجلك.. فقط ارجع وسأحقق لك ما تريد.. أحياناً أتصل ببعض أصدقائك.. لا أسأل عنك.. ولكنني أحب سماع أخبارهم.. وانتظر في كل مكالمة أن يقول لي أحدهم أي خبر عن عودتك.. أتدري يا أخي لا أحد يعرف مكاني هنا غير أمي.. طلبت منها أن تأتي معي.. بيد أنها تريد أن تعيش هناك.. في المنزل الذي عاشت فيه عمرها كله بحلوه ومره.. ومع قربي منها، إلا أنني أشعر أنك كنت أقرب منا جميعاً لقلبها. جميل أن يعترف الإنسان بأمور كان يكابر ويأبى الاعتراف بها من قبل.. ومع أنها بكت كثيراً يوم رحيلك.. إلا أنها ودعتني في صمت.. وابتسمت لي وهي تقول:

– ابق على اتصال…! أتدري عظيمة هي أمنا.. وقفت أمامها يوم سفري.. قبلتها ثم قلت لها:

– حان الرحيل..!

– … سكتت ولم تجبني.

– لا تنسيني من الدعاء..

– ابتسمت لي وهمست..

– انتبه لنفسك.

– أعدك ببذل جهدي.

– نظرت إلى أختي الصغيرة، دمعة في عينها.. ابتسمت لها.

– هل سترجع؟

– بالتأكيد.. لكن لا أستطيع أن أعد بذلك.

– قال أخي: لا تحمل همنا هنا.. لن نحتاج لشيء.. فقط خذ إجازة وحين تهدأ نفسيتك عد إلينا ثانية.

– ابتسمت له.. لا أحب أن يقول لي مثل هذا الكلام.. أنا بخير فقط أنا أنتظر عودتك.. لماذا يظنون أنك مت؟

– قالت أختي: سنكون في انتظارك.

– وردت أمي اهتم بنفسك وابق على اتصال. ضمتني، قبلت رأسها، قبلت أخواتي وإخواني وانطلقت.

أتدري يا أخي.. أفكر أحياناً أن ما قاله الطبيب صحيح. وأنك سترحل عنا.. بل يبدو لي أنك رحلت حقيقة.. ولكن أحب أن أعيش على أمل.. فإن عجزت عن ذلك فعلى ذكرى سعيدة لأيام عشناها معاً.. ويرافقني في حياتي الجديدة أوراقي وحقيبتي الصغيرة.. أتذكرها؟

لقد كنت تسخر مني حين أحملها.. وكنت تضحك حين تراني أخاطبها.. ومع ذلك لم أكن أهتم.. أعلم أنها لا تسمعني. ولكنني أحب أن أكون وحيداً وقريباً من نفسي.. أحب أن أفكر أتأمل في كل شيء حولي.

 

(2)

 

أتدري من أنا؟! أنت لا تعرفني.. وأنا لا أعرفك ولكن لا تدري ربما نلتقي لأكمل معك المسير.. نزل قريباً من قريتنا رجل غامض.. لا يتكلم مع أحد، يعيش وحيداً في منزل في أطراف الغابة، قرب الجبل.. كانت القرية كلها تعجب من صمته، لا يحتك بأحد ويبدو عليه أثر العز.. رأيته عدة مرات فكنت أتأمل في وجهه لأرى عليه سمات الحزن.. ولكن ذلك النوع الراقي من الحزن.. تشعر بحزنه وأنفته.. وإذا كلمه أحد ابتسم وأجاب باقتضاب وهدوء ثم يتركنا ويرجع للغابة.. كان غريباً عنا، لم يكن يأتي إلى القرية إلا للضرورة.. بدا لي أنه يهرب من الناس ويأوي إلى كوخه الصغير عند الجبل.

في قريتي الصغيرة لا يسكن غريب غيره.. حتى مدرستنا الوحيدة يدرّس فيها أبناء القرية.. وكنا ننسج القصص حول مجيء هذا الرجل.. فتارة نصوره كهارب من القانون لجأ إلى هذا الجبل وهذه الغابة وأعجبته هذه القرية الصغيرة الهادئة.. وتارة نقول إنه تاجر خاسر هارب من دائنيه.. وتارة يأخذنا الخيال إلى قصة حب رومانسية عاش أحداثها وهو شاب ثم كسر قلبه وخسر من أحب فهرب بأشلاء قلبه وبقايا ذكرياته وأوى إلى مساحة صغيرة من الأرض تمثل في قلبه ذات المساحة التي بقيت له في قلوب من عرفوه.

في هذه الغرفة أخي أرى موقداً.. وطاولةً مهترئة.. وبقايا شموع.. وحقيبة خضراء.. هي بقايا أخوك الذي طالما أنتظر مجيئك.. عرفت الآن ماذا كان أخوك ينتظر، كان ينتظر عودة الأيام.. ويترقب مجيئك.

شعرت بوحدتي بدونك.. واتحادي بروح أخيك.. هكذا رحل ذلك الرجل الغامض.. افتقدته فتجرأت واقتربت من كوخه.. كان الكوخ ساكناً لا أثر للحياة فيه.. شعرت بالوحشة.. اقتربت أكثر، سلمت ولم يرد علي أحد.. السماء تنذر بعاصفة ثلجية أخرى.. اقتربت من البيت أكثر.. رأيت الباب مفتوحاً، تجمد الماء عند المدخل فلم يقفل.. فتحت الباب فلم أر شيئاً.. كان الكوخ مظلماً..

تعودت عيناي على الظلمة.. وهناك رأيت أخاك.. كان واضعاً رأسه على الطاولة القديمة ومعه قصاصة الأوراق التي بين يديك.. ذهب كل الخوف مني.. وشعرت أنني أمام وداع صامت.. اقتربت منه، وضعت يدي على كتفه لم يتحرك، كان معانقاً لشيء ما.. نظرت إلى ما ضمه إلى صدره فرأيت الحقيبة الخضراء.. صورة من الحب غريبة.. ابتسامة مشرقة ونظرة جميلة.. ونور وسرور.. هذا ما رأيته في أخيك.

من خلال المذكرات التي بين يديه عرفت قصتك.. ربما تكون ميتاً كما قال الآخرون.. ولكنك كنت حياً في نفس أخيك.. وكنت قريباً منه في كل لحظة عاشها في غربته.. ملأت عليه عالمه فلم يبحث عن غيرك ليملأه.. كان موتك صدمة أكبر من أن يحتملها قلبه.. فعاش على ذكراك وكأنك حي.. ومن خلال حياته رأيتك حياً فآثرت العيش معك.

الموت ليس بالأمر النسبي.. ولكن قدرتنا على التعامل معه هي الأمر النسبي.. ومع كل ذلك فإن محبتنا لبعض من حولنا لا تمنعنا من العيش مع ذكرياتهم إذا عجزنا عن العيش معهم.. وفي قصة أخيك دليل على ذلك.. لم يسبق لي أن تحدثت معه.. ولكنني أرى هنا حياة مشتركة رسمها ذلك الغريب.. ومع وحدة في كوخه بأسفل الجبل إلا أنني أشعر بأنك كنت هنا ورحلت وستعود قريباً.

حبات العرق تتجمد على جبهتي.. ومع برودة الجليد أشعر بدفء عاطفة حملتها لي الأنسام.. وكأنها تثبتني فتقول لست في عالم المادة.. بل رحلت إلى عالم الروح.. وهأنذا أعيش معك كما عاش أخوك من قبل.. في قلبي شوق يملأ علي حياتي.. وعلى الطاولة المهترئة بقايا أوراق هي قطعة مني.. وعلى لهب الشمعة المتراقص أسجل رسائلي لك لا أدري لتقرأها أنت، أم سيقرؤها عابر سبيل آخر يرى في الكوخ جنته.. وفي الأوراق قصته.. فيكمل ما بدأناه.. ويروي لنفسه ما رويناه.

في هذه البقعة تشرق شمس لا أراها كغيرها.. بل أحس اختلافها كاختلاف.هذه الأرض .. الأرواح هنا يا أخي تنتظر بشوق.. وترحل في صمت.. فهي بين شوق للقاء من تحب.. وصمت في وداع كل شيء وكأنها تسرع للقاء من أحبت في عالم آخر.

أخي.. سأكمل المسير بعده في نفس الكوخ الذي بدأ فيه رحلته.. عاش غريباً، ومات وحيداً.. في وفاء وشوق وحنين.. اليوم أقرأ قصته وأعيد قراءتها.. أنقشها في أشجار الغابة وأحفرها على صخور الجبل.. أروي بقصته الأنفس كما تروى الأراضي.. في الصباح أخي أخرج من الكوخ.. أصعد الجبل لمكان قد أعده.. أرقب مجيئك وأنظر إلى الطريق.. هل ستأتي اليوم؟

سأكمل القصة أخي.. قصة الحب والوفاء.. قصة الغرباء الأحرار.. من يدري ربما يأتي اليوم الذي تزور الكوخ لتراني أضم الحقيبة أنتظر مجيئك.. دُفن أخوك قريباً من المكان الذي حفره.. فإن وجدتني ميتاً فاحفر لي قبراً بقربه.. وستنمو على قبورنا زهور الياسمين.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

انضم إلى المحادثة

تعليقين

  1. [ يخنقني الغياب جدًا ] !
    يخنقني ..
    يمرضني ..
    يعصف بي ..
    يراني أرتجف حنينًا ..
    يمضي و لا يأبه !

    حروفك :
    تنفث فيها الروح :
    فتدبّ فينا الحياة
    نعيش معها وكأنها حياتنا ..
    وكأننا المعنيون بها !

    دمتَ متألقًا ..
    طبتَ و طاب مدادك .

    :

    هل نزلت الروآية ؟

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.