الزهرة

الزهرة

رفع الدكتور إبراهيم عينه ونظر إليها وابتسم.. وأخذ يحدث نفسه.. امرأة ستينية أرملة تسمى “زهرة”.. نعم ربما كانت زهرة ولكنها ذبلت الآن وألقيت فلم نعد نرى جمالها أو نشم أريجها.. وبهدوء خاطبها قائلاً: تفضلي يا أماه لكي نكمل البيانات.

وأخذ إبراهيم يفكر.. ألا يكفي أنها ذابلة لكي تحيا بعيداً عن بستانها؟ ومع حبه الشديد للورود إلا أنه شعر أن كل الياسمين، النرجس، الجوري، الزنبق، البنفسج.. وغيرها وغيرها لم تعد تحمل أي شيء من صفاتها بعد رؤيته “لزهرة”.

زهرة.. الناظر إليها يرى في وجهها تجاعيد الثمانين وإن كانت حقيقة لم تتجاوز الستين.. تشعر بسطحيتها وحزنها.. وترى في تقاسيم وجهها قسوة الحوادث.. وغربة الأيام.

نظرت إلى إبراهيم والإعياء باد على محياها وأشارت إليه بيدها.. بألم تترجمه عيناها.. فابتسم لها..

-لا عليك يا أماه ستكونين بخير.. هذا التعب لن يكون مشكلة بإذن الله.. وستظهر النتائج الآن. كان يعلم أنه يخفي الحقيقة بهذا الكلام.. وأن حالتها متأخرة جداً.. ويبدو أنها أيضاً كانت تعلم.. فالسرطان يمزق صدرها.. وربما لو تأخرت أكثر في المجيء لماتت دون أن يعلم عنها أحد.

عاد يتأمل في وجهها دون أن تشعر.. بلا شك قد كانت زهرة.. تتسابق الأيدي لقطفها.. لكنها الآن …. شوكة.. أو هكذا يراها البعض.. كانت تحاط وترعى لكي لا يعبث بها أحد.. ولكي تكون فاتنة أكثر في أسوار من العفاف وحراسة من المبادئ.. وباتت ملقاة على عتبات السنين.. حقا هذا هو خريف العمر.

فكر في أننا كلنا كذلك.. زهور.. لكن إلى متى؟.. ومتى ستأتي النهاية؟.. وأي زهرة أو شوكة نكون؟.. وهل نقدم الآن ما يضمن لنا الحماية لاحقا؟..

شعر بقلبه يتمزق.. آآآه من ظلم البشر.. آآآه من قسوة البشر.. هاهي ذي زهرة …!الأم والأخت والزوجة لم تجد من يهتم بها.. تنكر لها العالم.. وأصبحت ملقاة في صحراء جافة من مشاعر قاسية.. لا تعرف معنى الرحمة مالم ترتبط بمصلحة.

أصابه الخوف على أحبته.. ونسي نفسه.. تمنى لو أن وعمره بيده ليوزعه عليهم.. فقط لكي يكونوا سعداء.. يعيشون في مأمن من الذبول.

فكر قليلاً في المريضة التي تجلس أمامه.. ترى لماذا جاءت وحدها.. رفع رأسه وابتسم من جديد.. شعر أنه ضعيف لا يملك سوى هذه الابتسامة يوزعها على كل الفقراء.. وسألها..

  • هل لك أبناء أماه؟

اكتفت بإشارة من يدها.. ثم هزت رأسها في تثاقل.. وزفرت زفرة أودعتها قصة ألم سنين طوال.. وسمح ثانية لفكره أن يعمل.. ترى ماذا تعني هذه الزفرة؟

فكر في نفسه.. ربما ليس مثلها تماماً.. ولكن حياته تحمل أنواعاً من الألم.. البعد عن أسرته.. وموت والده.. وأمه وإخوته الصغار الذين ينتظرون عودته.. ومسيرة البحث المضنية عن قلب يحمل همه.. ودون أن يشعر ردد زفرة العجوز.

أين أنت أيها القلب؟. بحثت عنك طويلا.. ولا زلت أبحث.. أبحث عن دنيا مفقودة.. تزرع في قلبي البسمة.. عن شمس تشرق في دربي.. وتغيب خفافيش الظلمة.. عن صدق.. عن قلب صافٍ.. عن كف تملؤها الرحمة.. أبحث عن حبٍ في دربي.. يحيي آمالي المندثرة.

  • اسمعي يا أمي.. ستراجعينني بعد يومين لاستكمال الفحوصات المطلوبة.. ولو احتاج الأمر إلى جراحة فستقوم المستشفى بتحمل كافة التكاليف.

فتحت فمها المتغضن وظهرت بعض الأسنان المتآكلة.. وفي فرح وابتسام أخذت تدعو له.. شعر أنها نسيت الكلام فباستثناء بعض الإجابات المقتضبة لم تكن تبتسم أو تتكلم.. ولكنها الآن ابتسمت وبدا أن الأمر خفف عنها الكثير.

عاد لكلامه معها..

  • وإذا تعبت خلال هذه المدة لا تتأخري في الحضور إلى هنا.. سأعطيك ورقة تسمح لك بالبقاء في المستشفى في حالة حدوث مضاعفات.. فقط لا تحملي هماً واستمتعي بوقتك..

ومع هذه العبارة حاول أن يكون مرحاً.. ولكن دمعة كادت أن تنزل من عينه فتفضحه.. فهو نفسه لا يدري أيدرك هذه المرأة أم لا.. ولكن لابد أن يرى النتائج ليتمكن من عمل شيء.

غادرت المرأة الغرفة.. لم يكن في الانتظار غيرها.. نظر إلى الساعة المشيرة إلى الثالثة.. وغرق في تأملاته.. أهكذا تمر أعمارنا دون أن نشعر؟ وماذا يبقى لنا من يومنا؟ أو من عمرنا بالأصح؟ وفكر في مريضته من جديد.. كانت تسير في فناء المستشفى.. الخطوات المتثاقلة.. وانحناءة ربما كانت دليلاً على التعب.. أو ربما تكون دليلاً على ضربات السنين.. اختفت عن ناظريه وبقي يفكر فيها.. ويراها في كل الناس المارين أمام نافذته.. “زهرة”.. “زهرة” بقي يردد الاسم في ذهول قطع تأملاته سؤال الممرضة الواقفة خلفه.. إن كان يريد منها شيئاً قبل أن تذهب.. أفاق من تأمله ونظر إلى الممرضة العجوز.. وربط بينها وبين زهرة.. وجه كلامه للممرضة.. “زهرة”.. لم يبق لها من اسمها إلا الذبول.. تبسم ثانية.. وتابع كلامه.. كلنا مثلها.. كانت زهرة.. صارت شوكة.. ومع دهشة الممرضة عاد لمكتبه وأشار إليها بالذهاب.

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

انضم إلى المحادثة

4 تعليقات

  1. لو كنا ندرك حقا ان كل لحظة من العمر تعادل بتلة من زهرة لارويناه بكل مانحب
    فالعمر كله زهرة ..
    اروتني كثيرا..

  2. هناك أزهار لا تذبل أبدا مهما تقادم بها العمر
    تعلو وتعلو وتزداد رونقا
    ربما ليست حقيقية لكنها موجودة كما الأنفس التي تطال رفعتها السماء
    هطل ثري دي عبدالله السعد 🙂

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.