القادم الراحل

VbbpUnQB

اختلج صوتها حين أسرت لي عبر الهاتف بأنه سيموت، لم أتمكن من تمييز كلماتها ولكنني توقعتها من نبرة صوتها وهي التي لم تبك لشيء سهل منذ ارتبطت بها. حاولت أن أكون هادئاً، والهدوء عندي ليس البرود بل أن أشعرها بالمشاركة والتفهم بقدر ما أشعرها بالرضا.

مع الأيام ازداد الوضع ألماً، ومع ظروف سفري المتكررة بدأت تشعر بالوحدة، وكنت أحاول أن أسد الفجوة وأتواجد قريباً منها رغم كل الظروف. لكن الغريب أننا أصبحنا ننتظر دفنه قبل ولادته، بدأ هذا الشعور يزداد، لم نكن ننتظر لحظة قدومه، بل نعد الساعات لرحيله، ومع كل رفسة في أحشائها كان ينكسر شيئاً من قلبها.

في ساعات السكون التي أمر بها أتيحت لي الفرصة مراراً للتفكير في الموضوع، قرار الطبيب بأنه لا أمل في الحياة، وفوات وقت الإجهاض وهي الفكرة المرفوضة من حيث المبدأ، وزمن نقاش الموضوع، ومع شعوري بالمرض يزداد عليّ حاولت التفكير به من زوايا أخرى، ترى هل قمت بواجبي كأب؟ شعرت بالارتباك، لم أعطه الفرصة للمقاومة، لم تتح له فرص المقاومة، وبرغم مظاهر القوة في حركته إلا أننا حكمنا عليه بالموت.

كنت أعلم بأن هذا قرار الطبيب أو رأيه بناءً على التشخيص العلمي والتجربة المهنية، ولكن يبقى قدر الله الغالب، وحتى لو مات مالذي سيحدث؟ ألسنا نكرر في هذه الحالة “لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بقدر”.

نظرياً كنا نؤمن بالقدر، ونحاول الثبات في وجه الموقف، ولكن حركته في بطنها كانت تؤذيها وتبحث عن لحظة تسلم رأسها لكفيها وتبكي رحمة به. ناقشتها مرة فقالت لي “أرحمه”، وطرأ على بالي حديث “لله أرحم بكم من هذه بوليدها”. وكنت أشعر بقلبها يتمزق بين صبرها وإيمانه وعاطفتها وحنانها.

هذه الليلة قررت التفكير بطريقة أخرى، حسب المقرر سيموت، إذا لابأس ليمت وأنا معه بإذن الله، سأبقى مه لآخر لحظة، سأعوض ساعات الغياب التي مرت حين رحل من بين يدي العديد ممن أحببت، سأسميه وسأفخر به، وسيكون له مكانه في منزلنا وقلوبنا، وسأقول لإخوانه هذا هو البطل. أفكر في المضغة الصغيرة المتحركة، أعجبتني كلمة بطل، لم يرى الدنيا بعد وبدأ في صراعاته معها، الطبيب يذكره في غيابه ويؤذن برحيله، والدنيا تتوعده، وأنا لم أكن معه ولم أهيئ المكان لقدومه لعلمي برحيله المتوقع.

فكرت في جوانب الفرح، المكان المهيأ، الطفل الجديد، سعادة الأطفال بالضيف، وسأسميه “عمر” ابتسمت، نعم عمر البطل، كاسر المبتدعة وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين ينتهي الأمر وأدفنه بيدي سأدون تجربة جديدة، وسأعيشها وسيعيشها معي كل الأسرة، لقد ودعنا قطعة منا في حفرة صغيره. ستكون تجربة تميز أبطالها، وداع الوالدين للطفل، ووداع الأبناء لأخيهم، ووقتها سيكون للصبر لذة ومعنى جميل نزرعه في نفوس الأبناء.

إذاً يا صغيري تعال فالدنيا تستبشر بقدومك، وسأكون معك بإذن الله، نعمة المنح لاتقل قيمة عن نعمة الحرمان، وشعرت بأن هذا باب من أبواب الجنة سيفتح لأمه، حين تحمل ثقلها وتضع وهناً على وهن تضمه ضمة لا أدري أهي ضمة فرح بقدومه أم ضمة حزن لرحيله.

رحم الله قلوب المحرومين، وقلوب المودعين، وقلوب من لم يبصروا نعم الله في حياتهن، ويارب هب لنا من لدنك رحمة.

 

الصورة بعدسة: هنادي الصفيان

رخصة المشاع الابداعي
هذا المُصنَّف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي نسب المصنف – غير تجاري 4.0 دولي.

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.