الوداع

 

عدت في الصباح الباكر إلى السفارة، وجدت نفس الموظفة ولكن هذه المرة ابتسمت لي، وابتسمت مرتبكاً. كنت أخشى أن يرفض طلبي.

–        قالت: استمتع بوقتك.. ومدت لي بجواز سفري.

–        هل حصلت على تأشيرة؟

–        نعم.

–        أشكرك.

ابتسمت وخرجت، كنت أريد أن أصرخ، أن أبكي، أن أجري، رأيت التأشيرة الورقية المطبوعة في الجواز، نظرت لكل شيء بنظرة مختلفة، لم أحس بالتعب، والسهر، والجوع. ولم أفكر في التوقف، بل عدت لبلدي منطلقاً لأجهز نفسي للسفر، وأنهي بعض الارتباطات.

الحياة الجامعية مليئة بالحماس، وبالرغم من ابتعادي عن النشاط الطلابي الصاخب إلا أنني كنت معروفاً في الجامعة بسبب إنجازاتي الرياضية، كان قد بقي على موعد الاختبارات النهائية شهرين، حاولت أن أستكمل كل الترتيبات قبل انتهاء المدة، لم أقرر وقتها إن كنت سأنتظر لنهاية الفصل أم أنني سأنطلق حين أكون مستعداً، ولكن الأيام التي مرت كانت جميلة في نظري، ذهابي يومياً بحافلة الجامعة بدل سيارتي، ومراقبتي للأمطار في الخارج وفترات الصمت في المسافة بين السكن الجامعي وقاعات الدراسة، كل ذلك كان مساعداً لي في الشعور بالهدوء والاستقرار النفسي، الرمال تحيط بالنقطة المنطلقة في طريقها اليومي ونحن في داخلها، والطريق الممهد يرتفع وينخفض بحسب التضاريس ونسمات باردة تصلني من الباب العالق فتشعرني بالألم وأحاول أن أغطي قدمي، ولكن هذا كله لم يمنعني من الشعور بالسكينة والهدوء.

الجامعة مزدحمة تماماً، لأول مرة أشعر بهذا العدد من الطلاب، في كل خطوة يصطدم بي إنسان، لاأدري أهو السبب أم أنا، الناس هنا لايعتذرون ولذلك يصعب أن تعرف من المخطئ، كل ماعليك فعله هو متابعة السير والتجاهل، لايهم من أخطأ، ولا يهم أن يعتذر أحد، وأحياناً تكفي إشارة من الطرفين لتنهي الموقف. في قاعات الدراسة تكون الأماكن محجوزة بالأسماء، ليس عن عمد ولكن عادة اكتسبناها لطول الممارسة، أحب أن يكون مكاني في الصف الأول لأتمكن من استيعاب الدرس، ولكن هذه المرة كان الوضع متغيراً فلم أشعر برغبة في الجلوس، بدأ المحاضر ينادي الأرقام، وقبل أن يصل رقمي غادرت القاعة، ذهبت إلى ركن بعيد خلف الجامعة، لم أزره من قبل، ولكن بعده أغراني بالجلوس فيه بعيداً عن تطفل الطلاب، أو رؤية بعض الزملاء والجلوس معهم، حبات المطر تضرب في وجهي بهدوء وتدغدغني، وأنا أفكر في قراري الأخير، هل أكمل الفصل أم أذهب حين انتهائي من الارتباطات.

عدت للسكن في وقت مبكر، وجدت سيارة أقلتني فركبت معها، ظللت أقرأ قبل أن يقرع باب غرفتي ويفتح في هدوء، امتدت يد سمراء تشير أصابعها الطويلة بحركات دائرية، ووصلني صوت سالم: السلام عليكم، نائم؟

–        لم أتحرك من مكاني، رددت عليه فدخل وهو يبتسم.

–        لم ارك اليوم، هل ذهبت إلى الجامعة؟

–        نعم.

–        متى عدت؟

–        قبل ساعتين تقريباً.

–        أوه.. يعني لم تحضر محاضرات اليوم.

–        لا.

–        لم؟

–        لايوجد سبب، قلت ذلك وابتسمت.

–        آمل أن تكون بخير.

–        أنا كذلك.

تحدثنا عن الجامعة، والامتحانات، ومشاكل الطلاب والمحاضرين، وعن الإجازة، وجدتها فرصة لأعلن أنني سأذهب في إجازة أزور أهلي.

–        الآن؟ هذه الأيام؟ قال ذلك مستغرباً.

–        نعم.. مالمشكلة؟

–        لا مشكلة، ولكن هذا ليس وقت زيارة، تحتاج أن تذاكر.

–        لا عليك لا تحمل هماً.

–    عموماً.. إذا احتجتني في شي أخبرني، قال ذلك وهو يتجه للباب، ثم التفت إلي وأشار بأصبعه في حركة تهديد ثم قال: والنحو، حاول أن تركز فيه، لايمكن أن ترسب فيه، هذا لا يتوافق مع إمكانياتك.

–        ابتسمت وقلت له: سأخبرك إذا احتجتك في شي.

–        نقر الباب نقرات خفيفية وسريعة ثم سلّم وذهب.

قمت سريعاً وأغلقت الباب، وسحبت حقيبتي وجهزتها.. قررت أن أنطلق في الليل لأزور أمي وأخبرها أنني سأرحل، وبعد ساعة كنت في مكتب الخطوط أرتب موعد السفر، وهكذا تقرر سفري بعد أسبوع.

وقفت أمامها، عظيمة هي هذه المرأة، قبلتها وقلت:

–        حان الرحيل.

سكتت.

–        لا تنسيني من الدعاء.

–        ابتسمت لي وقالت في هدوء: انتبه لنفسك.

وعدتها ببذل جهدي. ثم نظرت إلى أختي الصغيرة، رأيت في عينيها دمعة، ولكنها غالبت نفسها ولم تخرجها، ابتسمت لها.

–        قالت: هل سترجع؟

–        أجبتها وأنا أحافظ على ابتسامتي: ممكن، لكن لا أستطيع أن أعد بذلك.

–        قال أخي: لا تحمل همنا هنا، لن نحتاج لشيء.

–    ابتسمت له ووضعت يدي على كتفه، لماذا نقوم بهذه الحركة؟ شعرت أنني سأسقط وأنه جبل، وأنني أعتمد عليه، أراد الله أن يثبتني ويضع البديل في حياتي لأتمكن من الإنطلاق، وهكذا كان أخي.

–        قالت أختي: لا تنس … الإخلاص.

ضمتني أمي، قبلت رأسها، قبلت أخواتي وإخواني وانطلقت، ومن يومها لم أعد أراهم إلا كالسراب.

يعتب علي البعض في وداع أقرب مايكون للصمت، بل لنقل بثقة وداع صامت. إن الصدور كالبركان، تحوي كل العناصر في داخلها وتنطلق في وقت تكون الظروف كلها مهيأة للانطلاق، تعلمنا حين كنا صغاراً أن الرجال لايبكون، وبسبب صلابة البيئة أصبح النساء أيضاً لايبكين، لنا قلوب تنبض بالحب، بذورها الوفاء، وثمارها عطاء، ولكنها تحسن الصمت. تعيش صامتة، وتموت صامتة أيضاً، وحين تبوح بالمحبة تعتبر هذه خطوة أقرب ماتكون للانتحار، خوفاً من أن يكون مقدار الحب في قلوب الآخرين أقل مما هو فيها. 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: في السفارة>  يتبع > الحلقة التالية: رفيقة الدرب)

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

انضم إلى المحادثة

5 تعليقات

  1. امتداد لسلسلة ابداعاتك الراقيه …..

    نحن بأنتظار الجديد بشغف…

    دمت مبدعا استاذنا…

  2. أذهلتني كلماتك الأخيرة
    وكأن هناك من يكتب ما بداخلي
    يعبر عن ذاتي ابلغ من فهمي لها بمهارة ..
    أيعقل أننا شخصاً واحد أم أننا نختلف من الخارج ولكن داخلنا يتفق أم هي التربية من جعلت كلاً منا شبيهاً للأخر .. بالنسبة لي فأنا أفتخر !!

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.