سفر واستقرار

لم يبق لي من أماكن الصفاء سوى المطارات.. راقبت المدرجات.. تأملت الناس.. واكتشفت أن الأشياء تتشابه.. الطائرات والناس.. القصص التي أسمعها من جيراني في الرحلات أو في الانتظار تتشابه.. المشاعر والمواقف تتكرر.. هل نخاف السفر أم الاستقرار؟ في السفر تتغير الأماكن.. في الاستقرار نتغير نحن.

حين نعود لمكان بعد مدة من الغياب نبكي على الذكريات، فهل سنبكي على أنفسنا بعد أن نغيب عنها لفترة، ثم نراها وقد تغيرت؟ في تغير المكان يمكن أن نبدأ بداية جديدة، نرى كل شي بإيجابية، نفرح بالمشي بالتأمل، بالأشجار وبالبشر.. لماذا لانفكر بايجابية تجاه أنفسنا ونستفيد من تجاربنا اليومية؟

الأنفس كالأماكن.. لكل نفس خصائصها، وثرواتها، فقط من يمتك حق التنقيب ولديه الرغبة في ذلك سيستطيع أن يستفيد منها.

للخروج من دولتك تحتاج إلى جواز، وتحتاج إلى تأشيرة لدخول دولة أخرى، للخروج من نفسك ماذا تريد؟ ولدخول قلوب الناس ماذا تحتاج؟

هل جربت شعور الترحيل؟ لاترغب في العودة إلى بلدك، توضع في حافلة تحت رقابة وتقلك إلى المطار، في محطة الوصول تشعر بلامبالاة، تتسكع حتى بوابة الخروج، تركب مع أي سيارة دون أن تتكلم، تنظر إلى الأشجار وأعمدة الاضاءة تمر بجوارك دون أن تعني لك شيئاً.. تظل مرتبطاً بالمكان القديم.. ستحتاج وقتاً لكي تتخلص من هذا الشعور الكريه.. لن تتمكن من أداء أي عمل وأنت تحمل في قلبك تأشيرة البلد القديم.

الناس في السفر ليسوا جزءاً من الصورة، هم صور أخرى مكلمة للصورة الكبرى، كقطع البزل.. يمكن استبدالهم بآخرين، الناس في الاستقرار قطعة منك، لو حركتهم مزقت بعضك.. فتشعر بالألم مضاعفاً.. حتى الخباز تناديه بـ(عم).. كأنه من أهلك.. في الصور الكبيرة نتعب لنجد القصاصة المكملة.

في تجارب السفر ينبهر الناس بك.. ستكون أنموذجاً مميزاً بكل مافيك، في الاستقرار لم يعد لدينا معايير نحكم بها.. تختلف المعايير بمرور الزمن.. نحفظ معاييرنا في صدورنا كما تحفظ جدتي المصحف في كيس من القماش خوفاً عليه من الأذى، ويظل في النهاية مصحفها الشخصي، كما هي معاييرنا شخصية.

في السفر قد تتغير بعض المعطيات، وقد تتغير كلها، ماهي الثوابت؟ الموت فقط.. فالسعي وراء الحياة متغير متجدد الصور.. في كل لون تدرجات، لانجتمع في تدرج واحد.. فقط حين نموت نشترك في السواد.. في السفر ترى ماتحب.. الأماكن، الوجبات، الأشخاص، كل شي، يكون عندك عينان فقط، في الاستقرار ترى بعيون من حولك، تأكل مايقدمون، وترى من يزورك في وقت قد لايلائمك، وتضطر لتأخير عمل مهم يخصك لتزورهم في مناسباتهم، وقلما تشاهد ماتريد، وقلما تفتح عينيك.

في السفر تستيقض مبكراً لترى كل مكان، وتشعر بكل دقيقة من حياتك، وفي الاستقرار تنام وتشعر بالتعب، عظامك تؤلمك، ومفاصلك تشتعل، وتراقب العقارب البطيئة في تكاسل، وتتمنى لو تسارع الزمن، وانتهى يومك وغدك وبعده.

وأعود للمطارات من جديد، أذهب مبكراً جداً للرحلات، لايفهم أصدقائي السر، ربما أكون محقاً أنني أنهي بعض الأعمال في وقت الانتظار، ولكنني أراقب نفسي هناك، أبحث عن نفسي، وعن لحظات جميلة قضيتها وحيداً متنقلاً، وعن شاب في العشرين كان جريئاً كفاية ليسافر حول العالم بحقيبة شبه فارغة، وبجيب أكثر فراغاً، وبقلب مليئ غني.

(الصورة بعدسة: ريان المنصور)

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

انضم إلى المحادثة

5 تعليقات

  1. بعد قراءة هذا المقال .. تذكرت عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ..يدعونا حبيبنا وقدوتنا إلى العيش كالغريب .. وهذا ما قرأته هنا ..

    لم يبق لي من أماكن الصفاء سوى المطارات..

    دمت بخير ..

  2. وبقلب مليئ غني.

    هنا الخلاصه لكل ماقراءت,,,,,

    الغنى يالقلب لا بالماديات والمحسوسات….

    دمت مبدعا متميزا بطرحك ورقيك…

  3. ” الناس في الاستقرار قطعة منك، لو حركتهم مزقت بعضك..”
    صدقت ..

    مفارقات غنية يا استاذ ..
    جميل أن تقرأ هكذا نص وأنت مولع بالسفر والترحال تعلمت هذا من والدي – حفظه الله – نسافر رغم كل الظروف .. يقول بأن التغير مسألة ضرورية وأنا أوافقه الرأي ^^

    ولكن هنا تعلمت معنى مختلف ..
    ” الأنفس كالأماكن.. لكل نفس خصائصها، وثرواتها، فقط من يمتك حق التنقيب ولديه الرغبة في ذلك سيستطيع أن يستفيد منها.”
    يبدو أن الرحلة المقبلة ستكون إلى الداخل حيث [ أنا ] !

    نص أنيق كعادتك 🙂
    عذرا على الثرثرة ..

  4. أوووه !! حقاً أستاذ تنظر للمطار بهذه الإيجابية ؟
    مكان للصفاء والتأمل ؟ !!

    المطار لي مكان صاخب ، مُزعج ، ومع ذلك مُملل !!

    /

    فلسفة السفر والإستقرار رائعة جداً ..
    تستحق تكرار القراءة والتأمل ..

    شكراً جزيلاً أستاذ ~

  5. أمور كثيرة تمثل اختياراتنا في وقت ما من حياتنا..

    أحب السفر.. أحب الليل.. أحب المطارات.. أحب الوحدة.. أحب الدراسة.. أحب التفكير.. أحب أسرتي..

    عشقت السفر لوحدي..

    تعلمت الكثير..

    وأصبح التأمل.. التعلم.. التفكير.. التحليل.. منهجيات في حياتي..

    المشكلة ليست في البيئات المحيطة..

    المشكلة في الداخل.. في قلوبنا..

    وأقدار الله كلها خير..

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.