جبال قاسية

صخور سوداء أو بنية، أراضٍ قاسية، أو مروج ومراعي، لايهم، فالجبال هي الجبال. سرت أنا ورفيقي الغريب، واتضح أنه خبير بهذه المناطق، يمشي فيها مشية أهلها، واثق من خطوته، شعرت أنه كان يتوقع مجيئي، كأن مايقوم به ليس سوى وظيفة يؤديها، لم أكن مطمئناً تماماً، ولكنني لم أشعر بالخوف بشكل يمنعني من المواصلة، في الطريق انضم إلينا بعض الأفراد كان عددنا قليلاً وكنت أسير بصمت، لم أحاول التعرف على أحد معي مشينا ثلاثة أيام حتى وصلنا لمنطقة أخرى. كان الناس ينظرون إلي وكأنهم يعرفون أنني غريب. على الرغم من تشابه الملامح بيني وبينهم، تحاشيت نظراتهم قدر المستطاع، كنت أسير وألبس قبعة تخفي جزءاً من وجهي، في وقت لاحق قال لي البعض أن هذه القبعة أصبحت جزءاً مني.

وصلنا لمنزل لطيف، لم أعرف عدد غرفه لأنني بقيت في غرفتي لا أتركها إلا للصلاة. كنا نصلي معا في وسط المنزل، جاء رجل نظر إليّ ابتسم لي وسلم عليّ، ثم تكلم مع الدليل، عرفت أن الكلام عني، أو على الأقل هذا ما شعرت به، لم أشعر بالخوف هذه المرة، كنت أشعر أن الوضع لا يمكن أن يكون أصعب من هذا فاطمأنت نفسي.

–        جاءني الرجل، ابتسم لي وقال: بكم اتفقت معه؟

قلت له المبلغ.

–        بدا على وجهه الاستياء وقال: لماذا دفعت له كثيراً؟

سكتت، كنت أتحاشى أن أدخل معه في نقاش عقيم. لن يفهم أنني كنت أسعى بكل وسيلة لأصل إليه.

–        مد يده وقال: أعطني النقود.

–        قلت له: لاتحرجني معه، لقد اتفقنا.

–        طمأنني.

دفعت له المبلغ، أخذ منه جزءاً وأرجع لي الباقي، ذهب واتفق مع الدليل، رأيت التذمر في حركاته وعاد لي بعد أن أنهى الموضوع.

–        من اليوم لا تجري أي اتفاقات فيما يتعلق بالطريق، إذا احتجت شيئاً أخبرني.

–        سألته متى سنتحرك؟

–        ضحك في جذل وقال: وصلت للتو وتريد الدخول!! انتظر، انتظر علينا ترتيب الطريق، اذهب وخذ قليلاً من الراحة.

كنت جائعاً لم أتناول وجبة منذ ثلاثة أيام، بل يمكن القول أنني لم أذق شيئاً منذ أن تحركنا. كنت متعباً ولكن لم استطع النوم، ذهبت إليه ثانية.

–        متى نتحرك؟

–        نظر إلى وابتسم ثم قال في هدوء: حسب الطريق. بدا لي أنه متعود على هذا السؤال.

–        أجبته: ماذا يعني هذا؟

–        يعني أن الطريق فيه بعض المشاكل وسوف نتحرك متى ما انتهت.

ثم نظر إلى ملابسي وابتسم باحتقار، أزعجتني نظرته ولكن لم أرد أن أحدث أي مشكلة.

–        فتح عينيه وقال وهو يشير بإصبعه النحيل إلى ملابسي: عليك أن تبدل ملابسك، منظرك مريب.

لم أرد عليه، وبقيت في غرفتي، مر يومان عليّ وأنا هناك لا أتكلم ولا أخرج إلا للصلاة.

–        جاءني في اليوم الثالث وقال: هيا سنذهب لتشتري ملابس جديدة وتستعد للطريق.

قمت فرحاً، وذهبنا إلى سوق البلدة، كالعادة كل الأماكن هنا مزدحمة، الكل يعرض بضاعته، والكل يعرف أني غريب ويريد أن يبيعني شيئاً. كان الرجل مفاوضاً جيداً ويتكلم لغتهم بطلاقة، في بعض الأوقات كنت أشعر أنهم سيتعاركون، ولكن يلقي بالأوراق المالية لامبالياً عليهم وسط احتجاجات الباعة لينهي صفقة بإشارات رضا منه ومن البائع. اشترى لي بعض الملابس، وحذاءً جيداً، ثم عدت إلى البيت، لبست الملابس الجديدة بدت لي غريبة ولكنها فيما بعد أفلحت في تقليل نظرة الناس لي، فلم يعودوا يلتفتوا إليّ كثيراً.

أخي.. الدنيا على سعتها تضيق في أعيننا، وتتسع مساحة صغيرة لأرواحنا.. يلهث الناس خلف دنياهم فتضيق بهم ويضيقون بها، ونحلق في خنادقنا وغرفنا فنسو للسماء فلا نرى الدنيا ولا نبصر لها أثراً.. تموت القلوب في القصور والمكاتب، وتحيا قلوبنا في أعماق الموت، وآفاق الحياة.. إن هذه الروح متى ما عرفت الله أنكرت كل ما سواه، وإذا عشقت الموت منحت الحياة، وإن انقطعت عن الدنيا اتصلت بالله.

مرت بنا أيام هي من أقسى أيام الرباط.. كنا ننتظر الطريق ليفتح، مرة يقال لي الثلوج تسد الطرق، ومرة يقال الحدود تشدد الحراسة، والأنصار في الداخل يعدون لعمليات الصيف، هم في قطرة الدم يسبحون، ومنها يحلقون، ونحن في قطرة الدمع نغرق، ومنها نسمو، تلتق الأرواح ولو لم تلتق الأجساد، نصلي ويصلون فنقنت ويقنتون، يرجون النصر والموت، ونرجى مثل ما يرجون ونزيد عليهم الرغبة في الوصول لهم، ألمنا في الانتظار يكاد أن يوازي ألمهم في الحصار، ولكن من خلال تنور الألم سمت الأرواح، وفاح المسك.

–        ذهبت إلى الرجل ثانية وسألته: متى سأدخل؟

–        كان لايزال محافظاً على هدوء، أجاب باقتضاب: الطريق مغلق، لابد أن ننتظر.

–        إذا كان مغلقاً بسبب الثلوج فلا مشكلة، يمكنني المشي.

–    ابتسم لي، أشرق وجهه، ليست مشكلة الثلوج فقط، لقد شددت الحراسة بعد العمليات الأخيرة، لا ندري متى يمكننا التحرك، ولكن الأنصار يراقبون الأوضاع وسيخبروننا متى ما تيسر الأمر.. ثم أننا نحتاج هنا.

–        أوه.. هذه المرة ثلوج وحراسة.

–        ضحك وأشار بإصبعه النحيل في سعادة.

–        قلت: أنا معكم هنا وهناك، ما يمكنني فعله هنا سأقوم به هناك، بدا مقتنعاً بكلامي ولكن لم يشأ أن يقول شيئاً في ذلك الوقت.

الأيام تمر، الأوقات تمضي في تلاوة وصلاة، نتسامر معاً نسمع قصص الجبهة، وأعود لأخلو بنفسي وأبكي، أنتظر مع كل إشراقة فجر خبر يقول لي أن الطريق فتح، أو أن هناك ثغرة يمكنني من خلالها التسلل للداخل، لم أعد أرى الناس، كنت طوال الوقت في المنزل، وإذا اضطررت للخروج خرجت ليلاً لكيلا أثير أي شبهة عند الجيران. كانت تلك الحياة البسيطة توفر نوعاً من التعلق بالغربة، والشعور بالراحة، البعض يتعجب منا، يقولون لماذا الإصرار على كلمة الغربة بالرغم من الشعور بالقسوة فيها؟ لا يدرون أن أنسنا في غربتنا، وراحتنا في تعبنا، وحياتنا في موتنا.

–        ستدخل مجموعة.

–        قلت برجاء هل سكون معهم؟

–        ابتسم وقال: لا، يريدون إنهاء بعض الأمور هنا ولا بد أن تبقى أنت لتنهيها، ستلحق بهم فما بعد، طريقهم غير آمين، ولاحقاً سيرتب الأمر لك.

–        لم أرد عليه، كنت صامتاً صمت القبور.

–    أراد أن يخفف شعوري بالألم فقال: اسمع، أنت مجاهد هنا أو هناك، ليس كل إنسان يقدر أن يقوم بعملك، ابق هنا وستلحق بهم، وابتسم مشجعاً، وهكذا رحل الجميع.

لم يصلوا، وقعوا في الأسر، ثم خرجوا من تلك الديار.. واليوم أخي لا أحد معي.. رحلوا ليصلوا لأماكن أخرى وليقتلوا، ليعلنوا للعالم أجمع أن لا حدود تفرقنا، ولا قيود تمنعنا، في قلب الصحراء، وعلى قمم الجبال، وفي أعماق البحار والأنهار، ستجد أخاً مبتسماً قد فارق الحياة راضياً، وسترى قبر يحكي قصة، اسأله فهذه الصخور كانت منازل الشهداء، وهذه الأنهار تلونت بدمائهم، وهذه الغابات نمت على أشلائهم، في كل شبر أخي ستجد سطراً من سطور الملحمة، وقصة من قصص العشاق.

وصل شخص جديد إلى البيت، لاحظت أن الجميع يحترمه، كنت متوتراً أريد الذهاب بسرعة إلى الجبهة، أردت التقرب إليه لعل لديه شيئاً يساعدني، بدا كتوماً، اقتربت منه سلمت عليه وجلست معه، كان هادئاً ولكن كنت أشعر أن خلف هدوئه ناراً. كان نحيلاً لدرجة لم أر مثلها في حياتي، كنت أتأمل صمته في إعجاب، لم أره يتحدث إلا بخير، في تلك المرحلة خشيت جماعة التكفير، كانوا هم أكبر شي يقلقني، لكنه لم يبد لي منهم، سألته ذات مرة بصورة غير مباشرة عن مسألة فرد علي برد طمأنني، واستشهاده بأقوال العلماء عرفني على منهجه.

بعد أيام عدت إليه ثانية، سألته عن المجاهدين، ابتسم لي وأخبرني أنهم بخير، كنت أجلس أمامه مباشرة، وضعت يدي على ركبته وضغطت عليها وسألته في حزم: متى أتحرك؟

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: غرباء> يتبع > الحلقة التالية: الحدود)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

انضم إلى المحادثة

تعليقين

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.