الحدود

 مع الفجر تحركت القافلة الصغيرة، كنت سعيداً جداً رغم المخاطر التي ستواجهنا في الطريق، طُلِبَ مني التظاهر بأنني أصم أبكم، كانوا يخافون مني، فبسبب اللغة يمكن أن أفضح الجميع. الطريق جميل، فلازلت أسير في الجبال، المناطق هنا مخضرة قليلاً،  نسيت لوهلة الخطر المحدق بنا، كنت التفت إلى وجوه الأنصار فأرى مزيجاً من قلق وخوف وخشونة، وصلنا لنقطة تفتيش نظر رجل الأمن إلينا توقف قليلاً يتأمل في الوجوه، ثم سمح لنا بالتحرك، تابعنا المسير في صمت، لايقطعه سوى صوت محرك السيارة رباعية الدفع وهو يحن معبراً عن مشقة التحرك بين الصخور.

– نظرت لمرافقي وقلت: هل انتهى الخطر؟

– ابتسم ونظر الجميع إليّ، الكل يبتسم، أجابني أحدهم: لم نصل إلى الخطر بعد.

كان المتحدث فتىً أسمراً من أهل المنطقة، وكان معه طوال الرحلة شخص آخر أجمل منه، ولكن يوجد بينهما شبه ظاهر، على كل حال لم أتمكن من إيجاد فروق كثيرة بين الناس في هذه المنطقة، يشبهون بعضهم، ويشبهون العرب كذلك.

في المحطة التالية غيرنا السيارة، ركبنا سيارة عامة، حافلة قديمة كان يصلنا دخانها مع كل انطلاقة، وكان أكثر شيء يؤملني صعودها البطيء للمرتفعات مع كميات الدخان الكبيرة التي تنفثها، لاحظت  أن الجميع يتجاهلون بعضهم، أدركت أن هذا جزءاً من الترتيب، يفترض بي أن أقوم بنفس الخطوة، بقي شخص واحد بالقرب مني، التفت إلي وقال: لا تنس، لا تتكلم مهما حدث.

مررنا بالعديد من القرى، وفي كل قرية كان الناس ينظرون إلينا بشك، تجاهلت نظراتهم، حاولت أن أمثل دوري جيداً، لقد نسيت الكلام في تلك الأيام، فعدا سؤالي لمرافقي وحديثي المقتضب مع رفقاء الطريق لم أكن أقول شيئاً، كنت أراقب في صمت كل شي حولي، وأشعر أنني جزء من الصورة الكلية المحيطة بي. توقفنا في نقطة تفتيش أخرى، رجال الأمن هنا مختلفون، نظراتهم أشد قسوة كما أنهم كانوا مسلحين تسليحاً جيداً، صعد أحدهم إلى السيارة، شعرت بخوف الجميع، أصابني قلق غامض، تذكرت الامتحانات، ولجنة المراقبة، الكل يكتم أنفاسه، اجتهدت أن أبدوا طبيعياً، نظرت حولي وفكرت: ماذا سأفعل لو حاول الأمن اعتقالي؟ لا بد أن أقاوم ويمكنني الهرب عبر هذه الجبال إلى.. ..

إلى حيث لا أدري، فقط يهمني الوصول إلى الأنصار، اقترب مني رجل الأمن، توقف أمامي همس لي صديقي لا تلتفت له وأنا سأتحدث، لم يكن لدي خيارات، التزمت الصمت، تحدث الشرطي مع الرجل الذي يجلس أمامي، أحتد صوت الشرطي وسحب الرجل من ياقته وخرج من الحافلة، شعرت أن نفس الشيء يمكن أن يحدث معي، أخذ الرجل إلى حيث لا نعلم، رأيت الخوف يظهر على ملامح الناس، خوف مشوب بقلق وضيق من الموقف، عاد ثانية نظر إلينا من بعيد ثم أشار إلينا فتحركت القافلة.

– نجونا!!، هكذا قلت لصاحبي.

– قال: تقريبا، ولكن بقي أمامنا الكثير.

– يبدو لي أن هذه النقطة كانت شديدة.

– صحيح.

– إذاً معنى هذا أن التالي سيكون أيسر.

نظر إلى وابتسم، ثم قال وهو ينظر إلى الخارج: لو أمسكوا بك هنا يسجنوك، ويمكن أن نخرجك بالنقود، ولكن في بقية الطريق أقل شيء ينتظرنا هو، صمت ثم نظر باتجاهي وأشار بيه إشارة معبرة وقال: القتل.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: جبال قاسية> يتبع > الحلقة التالية: كمين)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

انضم إلى المحادثة

تعليقين

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.