كمين

لم تكن كلمة القتل هي الكلمة التي أخاف منها، فما أتيت إلا من أجلها، ولكن كنت أخاف من أمور أخرى، إن القتل يا أخي علامة مميزة، تاج يرتديه الغريب في نهاية الطريق، وسام شرف يناله دليلاً على ثباته في الطريق.

الأجواء هذه الليلة دافئة، منذ مدة والجو بارد قارس، وقفت أمام النافذة أراقب المساحات البيضاء في الخارج، تذكرت كلمة أبي قبل موته، كان رجلاً عظيماً.

–        اسمع يا بني، أعلم أنك ستسافر في يوم من الأيام.

–        إذا سمحت لي يا أبي.

–    أسمح لك، يهمني أن تكون رجلاً، وأن تعيش حراً، ولكن إذا حدث خلاف بينك وبين إخوانك فتذكر قول الرسول “كن عبدالله المقتول، ولا تكن عبدالله القاتل”.

ذات يوم شممت رائحة أخبار تنتشر بين الأنصار، وشعرت من خلال تحركات المعسكر أن هناك ترتيبات لأمر ما، لم أرد الاستعجال فقد تعلمت أن أسرار اليوم ستعلن في الغد، ونسيت الأمر فمرت حياتي هادئة سعيدة تنتظر الانتقال إلى القتال والمشاركة في العمليات. وبقيت هكذا عدة أيام.

–        وفي ليلة من الليالي جائني أحد الأنصار فقال لي: نم هذه الليلة بحذائك؟

–        ابتسمت وقلت: أنا أنام به كل ليلة.

–        لا، هذه الليلة زد في حرصك وكن قريباً من سلاحك.

–        لماذا؟!، هل سنتحرك في مسيرة؟

–        ابتسم وهو يشير بعصبية إلى رأسه ونهض وهو يقول: أراك على خير بإذن الله، فقط كن متيقظاً.

اشغلني كلامه، ولم أجد ما أرد به، بدأت أفكر في الليل، ترى ماالذي سيحدث فيه، نمت قرابة الساعة الواحدة، وعند الساعة الثانية استيقظت على صوت القائد وهو يدعو للجمع سريعاً، اجتمع الأنصار كالصقور وتكلم القائد.

–        الليلة ستتحركون..

–        بدأنا نكبر في الليل، وترد الجبال صدى تكبيراتنا.

طلب الهدوء ثم أكمل، طريق الدين طويل وشاق، والنصرة لله واجبة، والعيش في سبيل الله أصعب من الموت في سبيل الله، ذكرنا بالأندلس فبكت القلوب، وذكر الأقصى فهامت الأرواح، وعرج على الفلبين فسالت الدموع، ذكر مشرق الأرض ومغربها، وبقيت أنظر إلى الصفوف، لحى مبتلة بالدمع والوضوء، ووجوه مشرقة في ظلمة هذا الليل، وشجاعة تقراها في العيون وتشهد عليها الجبال والغابات، طلب منا أن نترك كل شي، فقط يكفي أن نأخذ معنا بطانية واحدة.

–        والسلاح؟ وصله صوت من الخلف.

–        قال: والسلاح أيضاً، أترك كل شيء.

وتحركنا نتلمس طريقنا وسط الصخور، لم يتكلم منا أحد طول الطريق، وكان قائدنا يسير بثقة، فشعرنا خلف بالراحة واستمر المشي في هدوء حتى اقترب الفجر، أشار إلينا بالتوقف، ثم التفت إلينا وطلب منا الاستعداد للصلاة، فتوجهنا للقبلة وبدأنا نصلي. الجو بارد، وملابسنا لاتقي البرد، تدفأنا بالبطانيات وتابعنا الصلاة، تسمع البكاء فلا تدري أهي دموع الرجال أم حنين الأفلاك لهم، ويصلك القرآن فشعر بهيبته تغمر قلبك وتضيء له الدنيا، وترى وعد الله في راحة تغمر روحك وسكينة تلف نفسك، صلينا ثم اضطجعنا وقمنا فلصينا الفجر واستمرت المسيرة.

كان الصعود والهبوط متعبين لنا، ولكننا شعرنا بلذة تعرفها، كتلك اللذة التي ذقناها معاً من جبهة لجبهة، وتشعر بها كلما اشتد بك التعب، وبدأت ترى صور الإيثار والمحبة، تراها في كلمة، في ابتسامة، في نشيد، في مزاح، في نظرة القائد الحانية، وطال بنا الطريق، لا أدري كم مشينا، كل ماأذكره هو السعادة تغمر قلوبنا، لم نشعر بطول الطريق، وقريباً من وقت الظهر بدت أمامنا منطقة شبه مفتوحة، توقعت أن نلتف حولها فالمكان مكشوف ونحن لانحمل سلاحاً،  تعجبت أن يكون المرور من خلالها، نظرت إلى القائد مستفهماً فأشار إليّ أن سر بصمت، فلم أقل شيئاً، كان المكان ساكناً لايقطعه سوى صوت الطيور وحفيف الأشجار، وفجأة ونحن في وسط المنطقة المكشوفة لم نعد نسمع أو نشعر سوى بأصوات القذائف تمزق السكون، انتشرنا كالجراد، كل منا يبحث لنفسه عن ساتر يقيه القذائف، وانهال علينا الرصاص فما عدنا نستطيع أن نرفع رؤوسنا، حانت مني التفاته، فلمحت قنبلة ألقيت قريباً مني قفزت بعيداً عنها وغطيت رأسي بيدي، وتفجرت القنبلة، دوى في أذني صوت أزيز ولمحت غباراً أسوداً يغشى عيني، لوهلة لم أعد أشعر بشيء، أحسست بوجود بعض الأنصار بالقرب مني، والتفت للقائد فرأيته واقعاً على وجهه وملابسه مخضبة بالدم، علمت أنه قد أصيب، زحفت نحوه وقمت بسحبه بعيداً عن مرمى الرصاص، مزقت قطعة قماش من قميصي وربطت بها رأسه، كانت الإصابة قد شملت جنبه كله، شعرت بغيض فكتمته.

–        ابتسمت له وقلت: طهور إن شاء الله.

–        ابتسم وقال: حاول أن تنسحب بالأنصار بعيداً عن مرمى النار، وأراد أن يتحرك فأوقفته.

–        ابق أنت وأنا سأتراجع بهم لمنطقة آمنة.

–    أمنت على البقية، وعدت إليه ثانية، طلبت منه أن يسمح لي بالالتفاف من خلف العدو، قلت له: يمكنني ذلك، أرى ثغرة في صفوفهم سأخترقها، سحبت السلاح الوحيد الذي معه وأردت القيام فامسكني.

–        لا تذهب، ابق هنا.

بدأنا نسمع أصوات التكبير من الجهتين، علمت أنهم من مقاتلينا، وأن الموضوع كله كمين للتدريب، وعدنا للمعسكر بعدة إصابات وابتسامات، عندما عدت جلست على صخرة وسط النهر أتأمل في المعسكر، بعض الأنصار في العيادة يتلقى العلاج جراء إصابته، والبعض يتوضأ للصلاة، لاتسل عن أرواحنا وقتها، فوالله لم نعد نعرف الأرض وأهلها، نحن ياأخي بين دمعة وأنة، دمعة شوق وأنة حنين.

الشمس تشرق وتغرب والأرواح تدنو وترحل فلا تعد الأرض وساكنيها بالنسبة لنا إلا بقايا ذكريات، تعلقت النفوس بالله، فاشتاقت له، ورغبت في الآخرة فعاد البذل من صور السعادة، وأي بذل أعظم من بذل نفس بين الحنايا، وروح تتردد بين الأضلاع، تبذل كلها مقدمة وفاء لدين عظيم.

أعود إلى الطاولة أراجع ماكتبت، استمر طريقنا مؤلماً، بين قمم جبال لا تعرف الرحمة، وبين قلوب سكان أشد صلابة من تلك الصخور، كان الكل يطمع في القافلة الصغيرة مع أنهم لم يكونوا يعلمون بوجودي بينهم فكيف لو علموا؟!. كنت أرى القسوة في النظرات الصخرية التي يرسلها لنا حتى الأطفال.

اضطررنا لتغيير السيارة مرة ثانية، اتفقنا مع سيارة أخرى على أن تقلنا لمنطقة أخرى، وتحركت القافلة من جديد.

–        سألت الرجل متى نصل؟

–        باقي القليل، هدفنا هي تلك القمم.

مرت ثلاثة أيام على آخر مرة سألت عن الطريق، وتوجهت إليه لأكرر سؤالي: متى نصل؟

–        لماذا أنت مستعجل على الوصول؟

لم أقل شيئاً، وسارت القافلة، صعدنا مرتفعاً يسمونه طريق، كان المكان وعراً وليس سوى ممر بين الصخور حفرته أثار العجلات لكثرة التردد على المكان، كان شاقاً وعراً ومرتفعاً، أخذت السيارة تتمايل بنا يمنة ويسرة، وصوت تطاير الحصى وهو يحتك بالعجلات ويقفز، نظرت إلى الجالس بقربي فوجدته مبتسماً، وقبل بلوغ القمة بقليل حدث خلل في السيارة فتراجعت إلى الوراء بسرعة كبيرة، لم نتمكن من فعل شي، قفز الرجل الذي بجانبي من السيارة ولم أعد أشعر بشيء.

 

قبور الياسمين

(الحلقة السابقة: الحدود> يتبع > الحلقة التالية: الجرحى)

 

(تصميم الصورة: هنادي الصفيان)

نُشر بواسطة عبدالله السعد

بين يوم ولادتي وحياتي الحالية أحداث كثيرة.. ماسأدونه هنا بإذن الله يمثل قطعاً من البزل.. ومجموع القطع يصور سيرتي الذاتية..

انضم إلى المحادثة

3 تعليقات

  1. (الكَـمين) .. نعم أذكرُها !
    مُتابعين بإذنِ الله ..
    زادكَ الله ثباتاً .. و أفاض عليك مِن خيري الدُنيا و الآخرة

اترك تعليقًا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.